كتاب ألفه بيتر بينارت وهو أستاذ أمريكي للعلوم السياسية، يهودي الديانة، ينتقد ما تقوم به الدولة الصهيونية من إبادة متعمدة ضد الفلسطينيين، ويعتبرها انحرافا عن أخلاق الديانة اليهودية، وقد أنجز عبدالمجيد المهيمن ترجمة فائقة الجودة. يقول المؤلف: لقد أخبرونا أن طريقة إظهار اهتمامنا بالرهائن الذين قتلتهم حماس هي دعم حرب من شأنها أن تخلق عشرات الآلاف من الشباب الفلسطينيين الخائفين اليائسين الحريصين على الانتقام لأحبائهم بقتل الإسرائيليين. إننا في أمس الحاجة إلى قصة جديدة - تقوم على المساواة وليس الفوقية والتمييز - لأن القصة الحالية لا تعرض الفلسطينيين للخطر فحسب، بل إنها تعرضنا نحن أيضًا للخطر. يورد الكاتب قصة عيد البوريم، وهو عيد يحتفل اليهود به سنويا، مناسبته أن الجميلة استير عشيقة الملك الفارسي استطاعت إنقاذ قومها اليهود من مذبحة كان يعدها الوزير هامان، يحتفل اليهود بذكريات ذلك اليوم الذي نجوا فيه من المذبحة ولكنهم يتغافلون عن أنهم حين تمكنوا قتلوا خمسة وسبعين ألف فرد من الأغيار في تلك المملكة. استطاع اليهود دائما أن يمثلوا دور الضحية مهما كان انتقامهم من الآخرين وحشيا ومبالغا فيه. ومما زاد في تصديقهم لكونهم ضحايا ما تعرضوا له من اضطهاد في أوروبا، فبعد ما حدث لهم على أيدي النازيين لا زال عدد اليهود في العالم اليوم أقل مما كان عليه عام ١٩٣٩م، يعلق المؤلف أنه “ليس من المستغرب إذن أن نشعر في معظم الأحيان بأن دور الضحية هو دورنا الطبيعي. بينما يمكن لليهود أن يكونوا فراعنة”.. يشجب الكاتب العنف الفلسطيني وخاصة العنف الذي حدث مع طوفان الأقصى، ولكنه يشجب العنف الصهيوني بالمقابل. بعد السابع من أكتوبر أعلن بتسلئيل سموتريش وزير المالية الإسرائيلي أن “هناك مليوني نازي” في الضفة الغربية. تشبيه الفلسطينيين بالنازيين تدليس مقصود، فاليهود في إسرائيل يتمتعون بفوقية (بمرتبة أعلى) قانونية، بينما يفتقر الفلسطينيون إلى الحريات الأساسية، ومقارنة ٧أكتوبر ٢٠٢٣م بالهولوكوست تتجاهل هذا الاختلاف الجوهري. أطلق جابوتنسكي على العرب في فلسطين الانتدابية “السكان الأصليين”، الذين قارنهم بالهنود الحمر في أمريكا. كما أطلق على رفقائه الصهاينة “المستعمرين”، بينما كانوا المعتدين، وهذا يؤطر سرد المؤسسة اليهودية للتاريخ الإسرائيلي. تأمل روايتها لرحيل أكثر من نصف السكان العرب من الأراضي الفلسطينية تحت الانتداب البريطاني . السردية الإسرائيلية تروج أن نصف سكان فلسطين قد أصبحوا لاجئين بسبب تدخل الجيوش العربية، والمؤلف هنا يفند هذه الرواية جملة وتفصيلا، فقد خلص تقرير صادر عن جهاز المخابرات الإسرائيلي إلى أن الهجمات الصهيونية كانت مسؤولة عن نحو ٧٠٪ من رحيل الفلسطينيين، في حين كانت الأوامر الصادرة عن القوات العربية مسؤولة فقط عن نحو ٥٪. ولا يتعامل اليهود مع حقيقة أخرى مزعجة، فحتى لو أن الفلسطينيين غادروا منازلهم بسبب هجوم الجيوش العربية، فإن إسرائيل ما زالت لا تسمح لهم بالعودة. عندما صدر قرار تقسيم فلسطين بين العرب واليهود فأن الدولة المخصصة لليهود ــ والتي كانت تشمل ٥٥٪ من أراضي دولة فلسطين الانتدابية ــ سيكون نصف سكانها تقريبًا فلسطينيين وحيث إن معظم اليهود كانوا يعيشون في المناطق الحضرية، فإن الفلسطينيين كانوا يملكون ٨٠٪ من الأراضي الصالحة للزراعة في الدولة اليهودية، وكان القادة الصهاينة يدركون أن الدولة التي يشكل فيها الفلسطينيون ما يقرب من نصف السكان ويمتلكون معظم الأراضي لن تكون دولة يهودية حقيقية ولن يحكمها اليهود، وبعد شهر من التصويت على قرار التقسيم في الأمم المتحدة بدأ بن جورين خطة الترانسفير (طرد الفلسطينيين)، وعلق بيني موريس المؤرخ الإسرائيلي: “كان بن جوريون محقًّا. ولو لم يفعل ما فعله لما ظهرت إسرائيل إلى الوجود. هذا أمر لا بد أن يكون واضحًا، ومن المستحيل التهرب منه”. يروي الكاتب قصصا مرعبة عما تعرض له الفلسطينيون من جرائم لدفعهم للهجرة، لا يتسع المجال لذكرها هنا. اليوم تسيطر إسرائيل على كل الأراضي الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط، بما فيها الضفة الغربية، ويستطيع الجنود الإسرائيليون - وليس جنود أي جيش آخر - دخول أي شبر من الأراضي في أي وقت واعتقال أي شخص يريدونه، بمن في ذلك مسؤولون في السلطة الفلسطينية، كما تسيطر إسرائيل على غزة لأنها تسيطر على كل سبل الوصول إلى القطاع جوًّا وبحرًا، وعلى معبرين من المعابر البرية الثلاثة (حتى معبر رفح فإن إسرائيل تمارس سلطة كبيرة على من وما يمكن أن يمر عبره بشكل قانوني). وكما تقول إحدى منظمات حقوق الإنسان أن إسرائيل تتحكم في نوع وكمية الخضروات التي تُصدر من غزة. الفلسطينيون في غزة أمضى معظمهم الجزء الأكبر من حياته تحت الحصار، غير قادرين على مغادرة منطقة يقل حجمها عن نصف مساحة نيويورك. أما الفلسطينيون الذين يعيشون في الضفة الغربية فإن أطفالهم كثيرا ما يُعتقلون ويتم استجوابهم، في الفترة من عام ٢٠٠٠ إلى عام ٢٠٢٣، اعتقلت إسرائيل أكثر من ١٣ ألف طفل فلسطيني، وفقًا لتقديرات الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال - فلسطين. ومن بين ٧٦٦ طفلاً في الضفة الغربية أجرت الحركة مقابلات معهم، وجدت أن ٩٧٪ منهم خضعوا للاستجواب دون وجود فرد من الأسرة، وتعرض ٧٥٪ منهم للعنف الجسدي، واحتُجز ٢٣٪ منهم لمدة يومين على الأقل في الحبس الانفرادي. وقد أقر أكثر من مسؤول يهودي بأن للعنف الفلسطيني ما يبرره عندما كانوا يسعون إلى فهمه. وكانت ردود أفعالهم متباينة، واختلفت الحلول التي دعوا إليها؛ فقد أراد جابوتنسكي وديان سحق المقاومة الفلسطينية. فيما عارض هانس كون إقامة دولة يهودية، وحث ليبوفيتش إسرائيل على الانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة. يؤكد المؤلف من خلال عرضه لنتائج استطلاعات أجريت على عدد يمثل الفلسطينيين، بأنه كلما كانت آمال السلام عالية يقل كثيرا تأييد الفلسطينيين للعنف، ولكن عندما يفقدون الأمل فإنهم يميلون إلى تأييد العمليات العسكرية، بعد أوسلو مباشرة كان من يؤيد الأعمال المسلحة في أدنى مستوياته ولكن حين أظهرت محادثات عرفات - باراك أن المعروض على الفلسطينيين أقل كثيرا من مجموع اراضى الضفة وغزة مع قيود على الاستقلال والحدود واستثناء القدس، تصاعد تأييدهم للعمليات العسكرية. كما أن الردود على الحجارة الفلسطينية بعشرات آلاف الرصاصات يزيد عدد المؤيدين للعمليات العسكرية. ممارسات إسرائيل يلخصها صحفي إسرائيلي توصل إلى استنتاج بسيط، وهو أنه إذا كنت لا تريد إنهاء الاحتلال ولا تريد وقف المستوطنات، فإن الطريقة الوحيدة لإقناعك هي استخدام القوة. حظي سلام فياض رئيس الوزراء الفلسطيني بالتقريظ في واشنطن وتل أبيب لسببين: وقوفه الحاسم ضد العنف وكذلك ضد الفساد، استقال بعد ست سنوات وأدلى بتصريح قال فيه “إن إسرائيل لم تدعمني قط، بل كانت معادية للغاية. لقد أصبح نظام الاحتلال أكثر رسوخًا، ولا توجد أي إشارة على أنه سوف يبدأ في التخلي عن قبضته على حياتنا”. فكر فلسطينيون في أسلوب بديل، أسلوب الاحتجاج السلمي، أطلقت منظمات المجتمع المدني الفلسطينية حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (بي دي أس)، على غرار حركة مقاطعة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ولكن إسرائيل جعلت تأييد مثل هذه المقاطعات جريمة، كما نادت الجماعات اليهودية الأمريكية المؤسسية الكبرى بسن تشريعات تعاقب الأمريكيين الذين شاركوا في مثل هذه المقاطعات. وفي ربيع عام ٢٠١٨، أطلق الفلسطينيون في غزة مسيرة العودة الكبرى، حيث سار الفلسطينيون نحو السياج الفاصل بين غزة وإسرائيل. لم تبدأ حماس المظاهرات؛ وحمل المتظاهرون أعلام فلسطين وليس أعلام حماس. ولكن حماس تبنت الحركة بمجرد أن اكتسبت الاحتجاجات دعمًا واسع النطاق - حتى إنها أوقفت إطلاق الصواريخ. ومع اقتراب المتظاهرين من السياج، أطلق القناصة الإسرائيليون النار عليهم، عادة تحت الركبة، مما أدى في كثير من الأحيان إلى إعاقتهم مدى الحياة. في ذلك الربيع، أسست غزة ناديًا لفرق كرة قدم للمبتورين. وأفاد كل من المركز الإسرائيلى لحقوق الإنسان “بِتْسِيلِم” أنه “خلال الاحتجاجات، قتلت قوات الأمن الإسرائيلية ٢٢٣ فلسطينيًّا وأصابت أكثر من ٨٠٠٠ شخص. كان الغالبية العظمى من الضحايا غير مسلحين ولم يشكلوا أي خطر لأحد. و ما أن اطل عام ٢٠٢٣ حتى تدهورت الأوضاع بشكل كبير في غزة. وصار القطاع “غير صالح للمعيشة” لافتقاره إلى مياه نظيفة وإلى الكهرباء وفقًا للأمم المتحدة. وحسب منظمة الحروب الجوية وهي منظمة مقرها المملكة المتحدة فأنها تحققت بدقة من مقتل ما يقرب من ٣ آلاف مدني خلال الأيام السبعة عشر الأولى من الصراع بعد طوفان الأقصى، في العالم الغربي حين يُذكر القتلى اليهود يذكرونهم بأسمائهم وأفراد عائلاتهم لتستفز الحس الإنساني عند الناس أما الفلسطينيون فقتلاهم مجرد أرقام إحصائية. الإحصائيات في غزة تقول إن ثمانين في المئة من الضحايا كانوا أقل من ثمانية عشر عاما من العمر، ولا يدرج هنا الأطفال الذين ماتوا بسبب سوء التغذية أو المرض. تكرر المصادر الصهيونية أن حماس مسؤولة عن قتل المدنيين الفلسطينيين، لأنها تتخذهم دروعا بشرية، الدروع البشرية وفقًا للقانون الدولي يعني ارغام الناس على العيش بجانب أهداف عسكرية، ولا يعني مجرد القتال في منطقة فيها مدنيون. ومن المؤكد أن حماس تقاتل في مناطق بها مدنيون، وما تقوم به قامت به كل حركات المقاومة في العالم من قبل. أن مشكلة إسرائيل ليست مع حماس بل مع الفلسطينيين ولو انتهت حماس فإن جماعة مسلحة أخرى سوف تحل محلها بكل بساطة. فالفلسطينيون يقاتلون الصهيونية وإسرائيل منذ ما يقرب من قرن من الزمان. والثورة العربية فترة ١٩٣٦-١٩٣٩، ومعركة الكرامة في عام ١٩٦٨، وعمليات اختطاف الطائرات في السبعينيات لم يتم تنفيذ أي منها من قِبل حماس لأن حماس لم تنشأ حتى عام ١٩٨٧. وكلما زادت وحشية إسرائيل كلما زادت احتمالات نشوء مقاومة أكثر وحشية. هل يخاف اليهود في إسرائيل من السلام مع الفلسطينيين؟ هناك دليل جلي على أن السلام لا يشكل خطرا عليهم، يشكل المواطنون الفلسطينيون في دولة إسرائيل - الذين يُطلق عليهم أحيانًا “عرب إسرائيل” - ٢٥٪ من أطبائها، و٣٠٪ من الممرضين، و٦٠٪ من الصيادلة. ومع ذلك، نادرًا ما يخاف اليهود الإسرائيليون من أن يُعتدى عليهم عند دخولهم المستشفى، أو أن يُسمَّموا عند دخولهم صيدلية. في الواقع الإسرائيليون بشكل عام لا يخافون العنف من المواطنين الفلسطينيين على الإطلاق. ختاما يوجه الكاتب أسئلة إلى القيادات الصهيونية، كم عدد الفلسطينيين الذين يتعين على إسرائيل قتلهم في غزة قبل أن تطالب أمريكا بوقف توريد الأسلحة إليها؟! وكم عدد السجناء الفلسطينيين الذين يتعين على إسرائيل تعذيبهم والاعتداء الجنسي عليهم دون عقاب قبل أن تعترف بحق المحاكم الدولية في محاكمة القادة الإسرائيليين؟! الإجابة الجوهرية ستكون واضحة: لا يوجد حد. فمهما بلغ عدد القتلى من الفلسطينيين، فإن ذلك لن يقلب الميزان لأن قيمة حياة الفلسطيني محدودة بينما قيمة الدولة اليهودية مطلقة بلا حدود. كتاب مهم جدا وخاصة للواهمين بأن الحل مع دولة الصهاينة يمكن أن يتحقق دون مقاومة حربية.