آثر الدكتور صالح الشحري أن يجمع لقارئه أزهارًا منتقاة من قراءاته المتعددة في مجال السيرة، وعبر اختيار نوعي دقيق، شمل سردًا لحياةٍ كَتبها أصحابها، أو تولّى كتابتها آخرون، مركّزًا على أبرز المواقف والأحداث التي شكّلت نقاط تحول في حياتهم، أو حملت دلالات رمزية لازمتهم عبر الزمن، بأسلوب لا تفصح عنه كل الإفصاح، ولا تجعل القاريء في منأ عن فهمه. يحمل الكتاب عنوان «سفن الأعمار» وهو من إصدارات دار كليم للطباعة والنشر، عنوان استقاه المؤلف - بحسب قوله - من بيت شعري مترجم للشاعر الفرنسي لامارتين:»تجري بنا سفن الأعمار ماخرة...بحر الوجود ولا نلقى مراسينا» في دلالة عميقة على رحلة الإنسان في الحياة، وتقلباتها التي لا تستقر على حال، ولكل شيئ إذا ما تم نقصان، فلا يغرن بطيب العيش إنسان وكما قال أبو البقاء الرندي. يظهر من خلال الشخصيات التي استعرضها الشحري تعمّده الإيجاز أو حجب بعض التفاصيل، في محاولة لعدم استهلاكها بالكامل، وترك مساحة فضول لدى القارئ تدفعه للبحث والاستزادة، ولم يحبسه حابس عن التعريف بشخصيات ليست في دائرة الضوء، مثل رانيا زيت حار، التي كتبت عن تجربتها في أمريكا رغم ضعف لغتها الإنجليزية وصعوبات اندماجها، قبل أن تصبح صوتًا مسموعًا في مجتمعها، ونجيب محفوظ طبيب النساء لا الروائي المعروف كاتب رواية أولاد حارتنا. للعلم، لم يحصر الشحري اختياراته في نطاق جغرافي محدد، بل قدّم نماذج من مختلف دول العالم، شملت العديد من التخصصات والتوجهات والمسؤوليات، انطلاقًا من قناعته بأن الثقافات لم تعد معزولة، وأن التجربة الإنسانية واحدة في جوهرها، فضلًا عن تعريفه للقاريء بمصطلحات ومعلومات نوعية حملتها السير مثل: مصطلح «الصحبة الفكرية» الذي أطلقته محررة النسخة الفرنسية لكتاب «معك» وحديث للسيدة سوزان طه حسين التي وثّقت خمسين عامًا من حياتها وزواجها بعميد الأدب، بفضل فكر موحد جعل من فتاة بسيطة الطموح شريكة حياة لرجل فقد بصره، في واحدة من أندر العلاقات الإنسانية والفكرية، علاوة عن تعريفه بمفهوم «التحيزات المسبقة» الذي طرحه المفكر المغربي عبدالوهاب المسيري، في إشارة إلى الكتابات التي تنطلق من قناعات جاهزة. توج الدكتور صالح الشحري كتابه بمعلومات غائبة عن الكثير، كالتي سردها للأمير تركي الفيصل وأيام الجهاد الأفغاني اثناءه وبعده، وتوضيح أمور مبهمة عن الجميع، و معلومة القاعدة الأسرية لدى عائلة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، وهي: «الأسرة التي تعمل في الشأن العام لا تستقيل « وكونها عبارة تختصر فلسفة الالتزام العام رغم التحديات، وطعّمها باستعراض ما مرّ ببايدن من أحداث شخصية وعامة، وكيف واجهها بقدرة لافتة على التعاطف، تجلّت في مواساته لمواطنيه بمختلف أطيافهم، ملمّحًا إلى أثر فقدان ابنه بسبب السرطان، ووصفه بالحدث المفصلي الذي انعكس على كثير من ملامح شخصيته، دون أن يغفل الإشارة إلى التناقضات التي حفلت بها تجربته الرئاسية. وأرى ليس من الانصاف أن يغيب عن هذه القراءة ذكر الطبيب الروائي السوداني أمير تاج السر، حامل الرواية السودانية إلى العربية والعالمية بعد الرائع الطيب صالح وغلبة حديث الشحري عنه في مرتين متتاليتين، متجاوزًا بها عن الباقيين، بدء من سيرة الحكائين وانتهاءً بقلم زينب، وعن عبارة استرعتني واسترعت الشحري من قبلي مكتوبة في الصفحة الأخيرة من كتاب سيرة الحكائين تقول: طبع بحب في الديار المصرية، عبارة لم يسبق أن رأيتها مكتوبة عند غير أمير تاج السر. الدكتور الشحري وعبر الشخصيات التي احتواها كتابه أبدى رأيه وطرح تساؤلاته وصارح بتذمره خاصة حيال حالة التناقض التي تلبست جو بايدن ونائبته، ومعهما الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، وتزامن جهودهم الإنسانية والإصلاحية مع مواقفهم المثيرة حيال تأييدهم للشواذ، وإن التزم حيالها الشحري بقدر كبير من الحياد، لكنه امتدح ما يستحق الإشادة، وانتقد ما يستوجب النقد. عند الانتهاء من القراءة، يتولد لدى القارئ شعور بأن الشحري قد اختصر عليه زمنًا طويلًا، إذ قدّم خلال 243 صفحة خلاصة سير متعددة لشخصيات من الجنسين، وفي مجالات متباينة، مما يغني القارئ عن التشتت، ويمنحه في الوقت ذاته دافعًا للعودة إلى بعض تلك السير والتعمق فيها، مدعومًا برأي الشحري، رغم ما ابداه حيال الجوانب الفنية في الاخراج والطباعة في بعض السير، الا أنها لم تحجب عنها ما تحلت به من قيمة معرفية مثرية. «سفن الأعمار» تقدم تجربة قراءة ثرية ومركّزة، تجمع بين المتعة والفائدة، وتفتح أمام القارئ نوافذ متعددة على تجارب إنسانية متباينة من كلا الجنسين، في سرد عني الشحري بنسج خيوطه ونظمها بدقة، حيث وازن بين العرض والتحليل، ومنح القارئ مساحة للتأمل والبحث، في ظل حضور نقدي ومهنية عالية.