أحدُ مظاليم الأدب، والناس، والحياة، ونفسهِ أيضًا، ولد في الكويت منتصف العقد الثاني من القرن العشرين، في بيتٍ شديد التدين، متمسِّكٍ بالتقاليد، عُرِفَ من خلال قصائده التي تُنشد في المحافل الدينة، وفي المدارس، ومنها قصيدته في المولد النبوي: يــا فَـــجْــرَ يَـــــوْمِ ولادَةِ الـــهَـــــادِي أَطِـــ ـــــــــــــلَّ عَلَى النُّفُوسِ، وَبَدِّدِ الأَشْجانا وابْعَثْ بِها مَيْتَ العَواطِفِ، وَاطْرُدِ الـــــــ ــــــيَـــأْسَ الـــمُــمِــضَّ، وأَيْـــــقِــظ الإيمــانــا وقد كان فهد العسكر ذا حسٍ قومي، كتبَ قصائدَ يستنهض بها الأمة العربية؛ وكتب قصيدةً يُحيي بها الملك عبدالعزيز، ولحنها وغناها المطرب عبداللطيف الكويتي.وحين بلغت الملك عبدالعزيز أرسلَ إليه يدعوه، فَقَدِمَ الرياضَ، وعيَّنَه كاتبًا للأمير محمد بن عبدالعزيز، ولكنه حنَّ للكويت، ورغب في العودة، فأكرمه الملك عبدالعزيز وأذن له. ثم انهمك العسكر في القراءة، والاطلاع على مختلف الآراء، والأفكار الأدبية، والاجتماعية، والسياسية، وتَطَوَّرَ تفكيره بالتوازي مع تلكَ القراءات، فاتسع أفقه، وتغيرت نظرته للحياة، والعادات والتقاليد، وصرَّح بنقده العنيف للمجتمع وعاداتِه وطريقةِ تدينه، فهو يقول: زَجُّـــوْكَ وا أسفاهُ فـــي سجنِ التقاليدِ القديمـهْ لله ما كابدَتَ فيــــــه من الأساليب العقيمــــهْ لا دَرَّ دَرُّكَ مــــن أبٍ فـــظٍ، ووالدةٍ لـئـيـمــــــــهْ وقد قوبِلَ تمرده وتحرُّرَه بالاستهجان والنفور، وقابل نفورهم بمزيد من النقد والاستفزاز، حتى طرده والدُهُ من بيته، وعاش معتزلاً في غرفة بائسة، لا يتعهده فيها إلا قلة من أصدقائه أو محبي شعره، ورماه بعضُ المتعصبين بالكُفر، فسخر من تكفيرهم. ويرى الأستاذ عبدالله زكريا الأنصاري أن العسكر: «لم يكن ملحدًا ولا كافرًا، وإنما كان متحرِّرًا من القيود التي فرضتها البيئة، والأغلال التي اقتضتها الظروف لغياب الذهن الصافي المتفتِّح الـحُرِّ». ثم يعتذر ساخرًا من المتعصبين، فيقول: يا مَــعْــشَرَ الـمُـتَـعَـصِّـبِينَ رُوَيْــدَكُــــمْ أَمِنَ الرُّغامِ قُلوبُكُمْ والجَلْمَدِ باللَّهِ هَلْ تُطوى السَّماءُ إِذا هَــفــا وَصَبا لـمُشْـرِكَـةٍ فُؤادُ مُوَحِدِ؟ فــالْـيَـوْمَ قــادَتْ مَـنْ تُـحِبُّ لدينها وغَداً يَعُودُ بِها لِدينِ (مُحَمَّدِ) وقد جلبت عليه المجاهرة والسخرية النقمة، واتسعت الهوة بينه وبين مجتمعه وأهله، ووصموه مرةً بالكفر، ومرةً بالانحلال، مما دفعه للعزلة، ثم انطفأت عيناه، ولا يخفى أثرُ ذلك على الإنسان سيما حينَ يكون شاعرًا شديد الحساسيةِ، والافتتانِ بالطبيعةِ والجمال، فازدادت شكواه، وإحساسه بمرارة الحياة، وقسوة الأيام، وقابلها بمزيدِ السخرية من الحياة، والناس، وعادات المجتمع وأعرافه وتديُّنه. ويعلل الأديب عبدالرزاق البصير(1915ه-1999م)، وهو من أصدقاء العسكر، يعلل تمرده في مقالة نشرها في مجلة العربي عام1964م، فيقول: «الذي يبدو لي أن السبب في تمرد شاعرنا وانطلاقه يرجعُ إلى طبيعته التي فطره الله عليها؛ فقد كان متوقد الذهن، رقيق الإحساس، شغوفًا بالأدب، مُـحبًّا للمنطق، فقادته هذه الصفات إلى حُبِّ التجديد، فاندفع إلى ذلك غير مبالٍ ولا هيَّاب». وقد ملأ شعره بالشكوى، في غنائيةٍ شاجية، من مثل قصيدته: (كُفي الملام وعلليني)، التي لُحنت وغُنيت بعضُ أبياتها، فذاعتْ وأشجتْ، ومطلعها: كُفي الملامَ وعَلِّلِيـــــــــــــــــــني فالشَّكُ أودى بــالــيــقــــــــيـنِ وتَنَاهَبَتْ كبدي الشِّجُونُ فَمَنْ مُـجيري مِن شُجوني؟ وأَمَــضَّـــنِي الــــــدَّاءُ الـــعَــيـَـاءُ فَمَنْ مُغِيثَي؟ مَنْ مُعِينِــــــي؟ وأخذت الحياةُ تضيقُ به، وتُحكِمُ العُزلةُ الخناقَ عليه، وينهشُ المرضُ جَسَدَه، حتى أسْلَمَ روحَهُ إلى بارئها في منتصف أغسطس عام1951م، ولم يبلغ الأربعين من عُمره. ولحقهُ البؤسُ والنحسُ بعد موته، فلم يُشَيِّعْهُ سوى خمسةِ رجال ليس فيهم أحدٌ من أقاربه ولا أصحابه. وخلَّف تراثًا شعريًّا استعاض به عن لذة الحياة حين حُرِمها؛ عاش به وله، فأحرقَ أقاربُه جميعَ أشعاره، بما في ذلك ديوانه الذي انتخب قصائده، وسماه: (الفجر الصادق)، وضاع بهذه الجناية إرثٌ شعريٌّ غزير، يُمثِّلُ حقبةً تاريخيةً مُهمة؛ وما كنا لنظفر بشيء من شعره لولا أن قَيَّضَ اللهُ صديقَه الشاعر والأديب الكويتي عبدالله زكريا الأنصاري (1922م-2006م)؛ فجمع ما توافر لديه من قصائد العسكر، وما وجدَ بأيدي أصدقائه، واسْتَمَلَى ما حفظوا، وأصدرها في كتاب، بعنوان: (فهد العسكر.. حياته وشعره) عام1956م، واستمرَّ ينقب عن القصائد والأبيات، ويضيفها إلى طبعات الكتاب المتتالية، حتى صدرت طبعته الخامسة عام1997م، بعد أربعين سنة، فكانت أكمل الطبعات، وهكذا يكون وفاء الأديب للأديب، والصديق للصديق، كما حكى أبو تمام: إن يَفْتَرقْ نسبٌ يؤلِّف بيننا أدبٌ أقَمْناه مقامَ الوالِدِ فحفظ الله بجهود هذا الصديق الوفي ما وسعه حفظه من أشعاره وأخباره، فما كان أجدره بقصيدة أهداه إياها العسكر قال في خاتمتها: أخي كم دعاني الشعر والفكر شارد فـلم أستطع، والآن لبيَّتُ داعيهِ فَمِن غَــــــورِ قــلــبي هــاكَـهـا عسكــريَّةً مـجنَّحةً، والشاعر الـحـُـــرَّ أُهديهِ ولو أن العسكر عاش في بيئة منفتحةٍ على الآداب، متسامحةً مع شطحاتِ الشعراء، مُتَفهِمَةً لطبيعةِ الشعر التي تصنعُ واقعًا موازيًا، وحياةً متخيلة لكان نصيبهُ حياةً هادئةً، واسمًا ممجَّدًا، وآثارًا شعريّةً خالدةً، ولكنَّه عاش في مجتمعٍ محدود، لا يخلو بعضُ أفرادِهِ مِن التعصُّب الذي شكى منه قائلاً: يا قاتلَ الله التعصُّبَ كم تَـمَخَّضَ عن جريـمة وهو تَعَصُّبٌ قابله العسكر بِتَعَصُّبٍ أشد؛ وربما لو أنه ساسَ حياتَه الشعرية بشيءٍ من المواءمة بين تطلعاته وآرائه من جهة، وطبيعة مجتمعه البسيط من جهةٍ أخرى لكان النِّفارُ بينهما أقل، ولظفر بشيءٍ من السلام، ولَرُفِدَ الأدبُ العربي بتراثه الشعري كاملاً، ولنال ما تستحقُّه موهبتُه من حفاوة.