حين يُذكر التعليم، تتجه الأذهان إلى بناء الإنسان، واكتشاف المواهب، وصناعة المستقبل. فهو الطريق الذي تعبر من خلاله الطاقات الشابة نحو الإبداع والإنتاج وخدمة الوطن. لكن هذا المعنى النبيل قد يتراجع أحياناً أمام سؤال آخر يفرض نفسه بقوة: هل أصبح الوصول إلى بعض المقاعد الدراسية مرتبطاً بالموهبة، أم بالقدرة المالية؟ هذا السؤال تبادر إلى ذهني عندما اطلعت على الرسوم الدراسية المعلنة في جامعة الرياض للفنون، والتي تصل إلى تسعين ألف ريال سنوياً لبرامج البكالوريوس، فضلاً عن رسوم التسجيل والتقديم وغيرها من الالتزامات المالية. وهي أرقام تجعل كثيراً من الأسر تقف أمامها مترددة، مهما كان مستوى إيمانها بأهمية التعليم أو حرصها على مستقبل أبنائها. ولا يتعلق الأمر هنا بالاعتراض على مبدأ الرسوم بحد ذاته، فالتعليم الأهلي له تكاليفه والتزاماته التشغيلية، ومن حق أي مؤسسة تعليمية أن تضع ما تراه مناسباً من رسوم وفق أنظمتها. لكن التساؤل المشروع يتعلق بمدى توافق هذه الرسوم مع طبيعة الرسالة التي يفترض أن تؤديها المؤسسات التعليمية، خصوصاً عندما تكون مرتبطة بمجالات تعتمد في أساسها على الموهبة والإبداع أكثر من اعتمادها على القدرة المادية. فالفنون ليست تخصصات تقليدية يمكن قياس مخرجاتها بالأرقام فقط، بل هي مجالات تزدهر عندما تجد المواهب الحقيقية طريقها إلى التأهيل والتطوير. وقد يكون بين أبناء الأسر محدودة ومتوسطة الدخل من يمتلك موهبة استثنائية في المسرح أو السينما أو الموسيقى أو الفنون البصرية، لكنه يعجز عن الوصول إلى هذه البرامج بسبب ارتفاع تكلفتها. وهنا نخسر موهبة ربما كان لها أثر كبير في مستقبل المشهد الثقافي الوطني. ولعل من الأمثلة القريبة ما رواه الفنان والمنتج السعودي فيصل العيسى عن بدايات مشروع «شباب البومب»، حين باع سيارته واقترض من البنك من أجل تمويل تصوير حلقة تجريبية واحدة كان يؤمن بها، ثم استخدمها لإقناع جهات الإنتاج بتبني المشروع. ولم يكن أحد يتوقع آنذاك أن يتحول ذلك الجهد الفردي إلى واحد من أشهر الأعمال التلفزيونية الخليجية وأكثرها نجاحاً واستمرارية. وهذه القصة لا تتعلق بشخص بعينه بقدر ما تطرح سؤالاً مهماً: كم موهبة أخرى قد لا تجد فرصة مماثلة لأنها اصطدمت بعائق مالي قبل أن تتمكن من إثبات نفسها؟ ومن حق المجتمع أن يتساءل: إذا كانت الدولة تبذل جهوداً كبيرة لدعم القطاع الثقافي والفني وتمكين الشباب من الإبداع، فهل من المناسب أن تصبح بعض البرامج التعليمية المتخصصة بعيدة المنال عن شريحة واسعة من أبناء الوطن؟ وهل يكفي وجود عدد محدود من المنح الدراسية لمعالجة هذه الفجوة، أم أن الأمر يحتاج إلى حلول أوسع تضمن ألا تكون القدرة المالية هي العامل الحاسم في تحديد من يدرس بتلك الجامعة ومن يحرم من الدراسة فيها. إن الاستثمار الحقيقي في التعليم لا يقاس فقط بحجم المباني أو حداثة التجهيزات أو قيمة الرسوم، بل يقاس أيضاً بمدى قدرة المؤسسات التعليمية على الوصول إلى أصحاب المواهب وتمكينهم من تطوير قدراتهم وخدمة وطنهم من خلالها. فالموهبة الوطنية ثروة لا تقل قيمة عن أي مورد آخر، وكل عائق يحول بينها وبين فرصتها العادلة في التعليم يستحق المراجعة والتأمل. ويبقى السؤال قائماً: عندما ترتفع كلفة المقعد الدراسي إلى مستويات يصعب على كثير من الأسر تحملها، هل تظل الجامعة تبحث عن الموهوبين، أم أن المقاعد تصبح ـ من حيث النتيجة ـ أقرب إلى القادرين على الدفع؟