.

حكاياتٌ مريرةٌ تثقبُ القلب.

هذه التدويناتُ الموجزة هي ثمرةٌ من ثمراتِ التأمل المتمهل في واقعنا الثقافي العربي والمحلي ، وهي كذلك ثمرةٌ من ثمراتِ القراءةِ والمتابعة ، إذْ مِنْ عادتي - عقبَ كلِّ قراءةٍ - تسجيل ملاحظاتي ، ما راقَ لي - أو لم يَرُقْ - في " كراسةٍ " صغيرةٍ ؛ أفعلُ ذلك كيلا تذهب قراءاتي وملاحظاتي سُدًى مثل دقيقِ الشاعرِ الهادي آدم المنثور في عِزِّ الريح ، أو مثل رمادٍ كئيبٍ في منفضة. 1 عندما قرأتُ كتابَ " يوميات لص " لجان جينيه - وهو كتابٌ عظيم - تذكرتُ عملين لمحمد شكري هما " الخبز الحافي " و " السوق الداخلي " ؛ إذْ وجدتُ - وأنا أقرأُ - مقاطعَ من كتاب جينيه في هذين العملين ، ولقد كتبتُ مقالًا طويلًا بهذا الصدد منذ سنواتٍ نشرتُهُ في صحيفة " الوطن " ، متسائلًا : مَنْ سَرَقَ الآخر جان جينيه أم محمد شكري ؟ وللأسف ضاع مني هذا المقال الذي بحثتُ عنه طويلًا ولكني لم أستطع العثور عليه. تجدرُ الإشارة إلى أن كتاب جينيه يسبق في النشر والذيوع كتابي محمد شكري. على أيِّ حال ، " يوميات لص " عملٌ ممعنٌ في الدهشةِ ولقد حِرْتُ في تصنيفِهِ : أهو روايةٌ ؟ أم سيرةٌ ؟ - إنه - بإيجازٍ شديد - عملٌ كبيرٌ لا يحسنُ كتابتَهُ بهذه البراعةِ سوى كاتبٍ كبير يحسنُ كتابةَ مرافعاته المذهلة - عبر سردٍ جميل - ضد المجتمع والسلطة ومؤسساتها وضد ما تقترحه الحياةُ من مكابداتٍ تثقلُ كاهلَ إنسانٍ لقيطٍ وجد نفسه مشرّدًا وطريدًا وفقيرًا ولصًّا ونزيلَ معتقلات. 2 أمرٌ مخجلٌ جدًّا أن يمدَّ كاتبٌ عربيٌّ معروفٌ ومشهورٌ - بل يُعَدُّ في راهنِنا واحدًا من نجومِ الكتابةِ في الساحةِ الثقافيةٍ العربية - يَدَهُ على ومضةٍ شعريةٍ لشاعرةٍ سويدية ويقومَ بتحويرها وينسبها لنفسه وينشرها بكل وقاحةٍ على حائطه في " الفيس بوك ". هذه اللصوصيةُ " المقزّزة " جَعَلَتْنِي أرتابُ في جُلِّ أعمالِهِ ؛ لأنَّ من يسرق حَبَّةَ قمحٍ قد يسرق حقلًا كاملًا من القمح. الومضةُ للشاعرةِ السويدية آن يادرلوند أضعُها هنا كما وردَتْ في " انتلوجيا الشعر السويدي " ، التي قام بترجمتها إبراهيم عبدالملك ، وجاسم محمد ، وقدّمَ لها المبدعُ الكبير سليم بركات ، وصدرتْ عن دار المدى بدمشق : " معنى بكائي ، حين أبكي ، أنَّ إنسانًا يفكّرُ فيَّ سرًّا " هذا المبدعُ الجهبذ قامَ بتحويرها قليلًا ، ونسبَها إلى نفسِهِ للأسف .. استعاضَ عن البكاءِ بالفرح ، والإنسان بالمرأةِ الجميلة ، لتبدو ومضتُهُ ـ التي حصدتْ أكثرَ من ألف " إعجاب " ومئات التعليقات ـ هكذا : " معنى فرحي ، حين أفرح أنَّ امرأةً جميلةً تفكّرُ فيَّ سرًّا ". هنا أهمسُ في أذنِهِ بلطف : لستَ وَحْدَكَ في هذا الفضاءِ يا سيّدي ، لستَ وحدك..وتأكد من أن هناك من يقرأ جيدًا ، وأنّ بوسعه أن يفضحَ لصوصيتك. 3 وثمة أمرٌ آخر لا يقلُّ سُوءًا عَمَّا ارتكبَهُ هذا اللصُّ ، وهو قيامُ لصٍّ آخر - لا يقلُّ عن السارقِ الأولِ شُهرةً وذيوعًا - بسرقةِ قصةٍ قصيرةٍ شهيرةٍ لتشيخوف ، بطلُ القصةِ " موظفٌ " تعرَّضَ لإهانةٍ في الشارعِ كَسَرَتْ روحَهُ ؛ فعادَ إلى بيتهِ حزينًا منكسرًا وذابلًا كوردةِ الأمس ، وعلى الفورِ ذهبَ إلى غرفةِ نومِهِ ، استلقَى على سريرِهِ ، ثم غادَرَ هذه الحياةَ الداكنةَ بهدوء. صاحبُنا الذي " لطش " قصة " تشيخوف " حاوَلَ أنْ يمنحَها حِسًّا محليًّا أو نكهةً محليَّةً ؛ لتبدو من نتاجِ واقعٍ اجتماعيٍّ عربيٍّ له خصوصيةُ الإنسان ورائحةُ المكان ، وكأنه فعلَ هذا منطلقًا من مقولةٍ مفادُها إنَّ المحليةَ هي منطلقُ الوصولِ إلى العالمية ! على أيِّ حال ، حين وجدتُها منشورةً على حائطِهِ في " الفيس " ، كتبتُ تعليقًا هادئًا ومقتصدًا ؛ لأنبهَهُ إلى أنَّ هذه القصةَ ليستْ قصتَهُ وإلى أنَّهُ محضُ لِصٍّ، هكذا: " هذا النصُّ - يا عزيزي - يذكرني بقصةٍ شهيرةٍ لتشيخوف " ، فما كان منه إلا أنْ اعتبرَ تعليقي محضَ مديحٍ لتجربتِهِ في الكتابة ، وفوجئتُ به يشكرني بحرارةٍ على " هذا التقريظِ الجميل " ! 4 "المنفى والملكوت " مجموعةٌ قصصيَّةٌ شهيرةٌ للفرنسي ألبير كامو تحتوي على ست قصص قصيرة ترجمها خيري حماد ، صدرت منذ سنواتٍ بعيدةٍ في بيروت عن " منشورات دار مكتبة الحياة " ( الكتاب موجود في مكتبتي ) ، المثيرُ للعجب إنني فوجئتُ بأنَّ شخصًا اسمه بهيج إسماعيل يصدرُ روايةً تحملُ العنوانَ ذاتَهُ " المنفى والملكوت " ! السؤال هو: هل انتهتِ العناوينُ المهمةُ والجميلةُ والآسرةُ ولم يبقَ إلا عنوان "كامو"؟ ثم ماذا تُسَمَّى هذه الفِعْلَةُ ؟ وإنْ لم تكنْ سرقةً فماذا تُسَمَّى ؟ 5 في برنامجها التلفزيوني الشهير استضافَت الإعلاميةُ منى الشاذلي الإعلاميةَ مها الصغير التي عرضَتْ لوحةً مدهشةً مدعيةً أنها " لوحتُها " ، وقالتْ عنها - أي عن اللوحة - كلامًا كبيرًا متحدثَةً عن المشاعر والتوق إلى التحرّر من القيود والانطلاق بعيدًا. اتضحَ لاحقًا أن اللوحةَ مسروقةٌ من الفنانة الدنماركية ليزا نيلسون التي اتهمتْ " مها " بالسرقة وقالت إنها سوف تقاضيها ، وأوضحَتْ ليزا أنَّ اللوحةَ رُسِمَتْ سنة 2019 ، وهي بعنوان " صنعتُ لنفسي بعضَ الأجنحة ". الأكثر قبحًا هو إن السيدة مها لم تسرقْ لوحةً واحدةً فقط ، بل سرقَتْ ثلاثَ لوحاتٍ .. فإلى جانب لوحة الفنانة الدنماركية سرقت لوحةً لفنانٍ فرنسي وكذلك لوحة ثالثة لفنانةٍ أمريكية ! السؤال المهم هنا : لماذا أقدمَتْ مها على هذه الفِعلة ؟ ثم هل تظنُّ أنَّ زمنَنَا هذا المفتوح على ضفاف الإبداع في العالم مثل تلك الأزمنةِ التي حدثَتْ فيها سرقاتٌ بالجملة على مستوى الأدب والتشكيل والموسيقى والسينما ولم يلحظْ ذلك أحد ؟ 6 " الموسيقى تجعلنا تعساء بشكلٍ أفضل " هذه الومضة لرولان بارت .. إحداهن - وهي تزعمُ أنها كاتبةٌ وقارئةٌ محترمة - نشرَتْها على حائطها دون أن تشيرَ إلى " بارت " من قريبٍ أو من بعيد ، ودون أن تضعَ علامةَ التنصيص كما لو أنَّ هذه الومضةَ ومضتُها أو مُلْكٌ من أملاكِها العتيدة. فجأةً تدفقتْ " اللايكات" حتى بلغَتْ أكثر من 500 لايك ..كما هطَلَتْ مئاتُ " التعليقاتِ " كالمطرِ تكيلُ لهذه " العبقرية " أجملَ المدائح ، وهي تردُ بافتتانٍ عجيب : " ممتنة يا أصدقائي " ، " سعيدة لأنها راقت لكم "، "أخجلني إطراؤكم " الخ.. ولأنني ضقتُ ذَرْعًا بكلِّ مفردةٍ في هذا المشهدِ الزائفِ ، ذهبتُ إلى صفحتِها وعلَّقْتُ قائلًا : " لكنَّ هذه الومضة لرولان بارت وليستْ لكِ يا سيدتي " ، وإذْ بها تردُ عليَّ ببرودٍ عجيبٍ ووقاحةٍ كاملةٍ ، هكذا : "وأنا أحفظها عن ظهر قلب ". تخيّلوا !! 7 عندما نشرتُ قائمةً تحتوي على أكثر من 100 روايةٍ قرأتُها وراقَتْ لي ، أكثرها لكبار الكتَّاب في العالم أمثال دوستويفسكي ، تولستوي ، سرفانتيس ، تشيخوف ، أناتول فرانس ، إيفو أندرتيش ، هنري شاريير ، د.ه.لورانس ، هرمان ملفل ، كافكا ، جورجي أمادو ، صنبين عثمان، عزيز نيسين ، إسماعيل كادريه ، ليرمنتوف، غينوا اتشيبي، نجيب محفوظ ، الطيب صالح، كونراد ، أمين معلوف ، ماركيز ، كواباتا ، ميشيما ، مارغريت دوراس ، مارغريت يورسنار ،إريك ماريا ريمارك ، هرمان هسه ،جورج أورويل ، أستورياس ، سكارميتا ، ياشار كمال...والقائمة تطول. فوجئتُ بإحداهنَّ - وهي من " رَبْعِنا "- للتو تتعلمُ الكتابةَ ، وللتو تصدرُ كتابَها الأول - تكتبُ على تلك القائمةِ تعليقَها هذا الذي يشبهُ عِتَابًا : " هذه قائمة عظيمة، لكن للأسف روايتي ليستْ من ضمنها ". أرأيتُمْ تواضُعَ تلك " المبتدئةِ " الذي يثقبُ القلب ؟ 8 راسلَنِي شخصٌ يرى نفسَهُ واحدًا من النُقَّادِ العرب. كلامُهُ عن شِعْري المتواضع كان مليئًا بالمديحِ المُبَالَغ فيه ، فما كان مِنِّي إلا أنْ شكرته بلطف ..غابَ بضعةَ أيامٍ وعاد ، وإذْ به يحملُ لي مفاجأةً : دراسة عن ديواني الأول " نخيلُكِ مُثْقَلٌ ، يدايَ فارغتان ".. شكرته بلطفٍ أيضًا. غابَ يومين وعاد يسألني : أين تريدُ نشرها ؟ أجبتُهُ بأدبٍ جَم : الدراسةُ دراستُكَ وأنت حرٌّ في اختيارِ مكانِ نشرِها ..غابَ ثلاثةَ أيامٍ وعاد يسألني بوقاحةٍ ومن دون أقنعةٍ هذه المرّة : كم ستدفع لي ؟ أجبتُ وأنا أضغطُ على أعصابي كيلا أنفجر فيه : أرى أنَّ المنبرَ الذي سوف تنشرُ فيه دراستَكَ هو مَنْ يدفعُ لك..رَدَّ وقد غابتْ عن وجهِهِ حُمْرَةُ الخجل : لكنَّ دراستي عنك أنت وعن... وقبل أن يكملَ كلامَهُ الرَّث استخدمتُ - بخفَّةٍ - نعمةَ " الحظر " ، وفي ثانيةٍ واحدةٍ كان هو ودراسته في سَلَّةِ المهملات. 9 وفي السياقِ ذاتِهِ ، أقولُ بكل وضوح : هناك مَنْ يؤلِّفُ كتبًا عمَّنْ يحبُّ الذيوعَ ويقبضُ الثمن ، وهناكَ مَن يجمعُ " حوارات " لا قيمةَ لها من هنا وهناك أُجْرِيَتْ مع شاعرٍ عابرٍ في كلامٍ عابر ، ويضعُها في كتاب. كلُّ ما يفعله هو : يقترحُ عنوانًا باهرًا ، ويكتبُ مقدّمةً مدائحيةً طويلةً ، ويقبضُ " المعلوم " من صاحبِ الكتابِ - سيِّدِ تلك الحواراتِ المبعثرةِ التي جُمِعَتْ. وفي هذا السياق المكرّس للزيف والتزييف هناك مَنْ يترجمُ نصوصًا تافهةً نظير مبلغٍ من المالِ يتقاضاهُ من صاحبِ تلك التفاهةِ التي يسمِّيها شعرًا. يا لرداءةِ هذه الساحة الثقافية ويا لبؤسها العظيم ، لقد تكاثَرَ فيها المرتزقةُ للأسف ؛ لأنَّ التافهين الباحثين عن الشهرةِ والذيوعِ أيضًا تكاثروا. 10 أمرٌ غريبٌ وعجيبٌ هذا الذي يحدث ! ثَمَّة كُتَّابٌ يسمحون لأنفسِهم بانتقادِ الدّين وثوابتِ الناس ؛ بدعوى حريةِ التفكير وحريةِ الرأي وحريةِ الكتابة ، يحدثُ ذلك تحت دعاوى كبيرة منها مثلًا تجديد الخطاب الديني ونقد الخطاب الديني و ما إلى ذلك..وأنا هنا لستُ ضد النقد الرصين والتجديد الواعي ، لكنِّي ضد التناقضِ السافر ، إذْ بمجرد أن تنتقدَ كاتبًا أو شاعرًا أو مفكرًا أو صنمًا من أصنامهم - وهو بشرٌ مثلنا - حتى تجدَهم في غضبِ عارمٍ كغضبِ العواصف ، فهم - إذَّاكَ - سرعان ما يقيمون الدنيا ولا يقعدونها ، وسرعان ما يقذفونك بكلِّ ما في أيديهم من حجارةٍ وأحذية. 11 في يومٍ من أيام الجمال ، زرتُ وابنتي " أهداب " معرض الكتاب بجدة.. زرنا عددًا من دور النشر المهمة ، أذكر منها المدى والآداب وأزمنة والمؤسسة العربية للدراسات والنشر والجمل وأثر وسواها ، اشترينا كتبًا فاتنةً وتسكعنا قليلًا. في أحد الممرات سمعنا صوتَ سيّدةٍ تنادي علينا وهي تحثُّ الخطى ، التفتنا وإذْ بها " الدكتورة فلانة " تلك التي لها في كلِّ عرسٍ قرص كما يقول المثل الشعبي. سلَّمَتْ وسألَتْ عن الأحوال ..ثم أرتنا - وهي في غاية السعادة - ثلاثةَ كتبٍ هزيلة هي كل حصيلتها من هذا المعرض الطويل العريض ...حين انتهى الكلامُ مضَتْ وانصرفنا..وإذْ بأهداب تسألني بلغةٍ جادّة : " بابا ، أحقًّا هذه المرأة تحمل شهادة دكتوراة ؟ " ، قلت : إنها لكذلك وإن شهادتها هذه مكرّسةٌ للرواية ، وهي أيضًا أستاذة جامعية ، وهي مكرّسةٌ في الساحة الأدبية بوصفها ناقدة وكاتبة ، وهي كثيرة الترحال إذْ تمثِّلُ بلادَنا ثقافيًّا في الخارج ، وتُدْعى بصفةٍ دائمةٍ إلى جميع المهرجانات والملتقيات والمناسبات ومعارض الكتب و الفعاليات الثقافية في الداخل ... وقبل أن أكمل قالت أهداب : " لكنها تبدو من دون وعي ، من دون ثقافة ، ومن دون أفق ..والدليل هذه الكتب التي أبْدَتْ سعادتَها بها فيما هي كتبٌ مقتصدةٌ موجهةٌ للناشئة، لقد قرأتها عندما كنت في المرحلة المتوسطة ". حين أنهت " أهداب " حديثها لم أستطع أن أدفعَ عَنَّا ضحكًا كالذي وصفه جدُّنا " أبو الطيب " ذاتَ يومٍ مرير.