رواية «دوخي: تقاسيم الصبا»..

ما جاء من السيرة وما لم يجئ.

تناول الشخصيات التاريخية في الرواية شائع وقديم ولكنه محفوف بالصعوبات ولعل أولها أن القارئ سيضع أحداث رواية متخيلة، رواية أدبية وليست تأريخاً، إلى جانب ما يعرفه من معلومات حول تلك الشخصية فتغدو القراءة مقارنة مستمرة: هل حقاً فعلت الشخصية ذلك؟ هل حقاً حدث ما حدث؟ وقد يستغرب بعض أولئك ما سيواجهون حتماً من افتراق الرواية عن التاريخ بقدر ما يرتاحون حين يلتقيان. ولا أظن أن روائياً جاداً مثل طالب الرفاعي يكتب عن شخصية حقيقية غافل عن تلك الصعوبة أو ذلك النوع من التلقي. أ. طالب، وهو الروائي الكويتي البارز، أبعد ما يكون عن تلك الغفلة ولا أشك أنه وهو يتصدى للموضوع كان يتناوله عن وعي كامل بما يواجهه من إشكاليات. بل إن الرواية تؤكد ذلك وهي تضم في صدارتها مقدمة لابن المطرب والموسيقي الكويتي الشهير والكبير عوض دوخي يؤكد فيها إعجابه بالرواية وشكره للكاتب وهو العارف بتاريخ والده. كأنما أراد الكاتب أن يؤكد للقارئ أنه لم يفتئت على فنان كبير مثل دوخي أو يسئ إليه لاسيما أن الكاتب حرص أيضاً على الاستعانة بخبرات موسيقيين عارفين بالتاريخ الموسيقي والغنائي في الكويت والمنطقة ككل. ذكر الكاتب أن الرواية تتركز على الثلاث ساعات الأخيرة من حياة دوخي، تلك الحياة القصيرة التي لم تمتد إلى أكثر من 47 عاماً، ولكن الحافلة بإنجازات هائلة على مستوى العطاء الغنائي والموسيقي ليس في الكويت وحدها وإنما على مستوى الوطن العربي. كان دوخي صوتاً منفرداً ومبدعاً حتى عد من قمم الغناء في الجزيرة العربية بتمثله لتراثها الغنائي وأدائه لأصواتها باقتدار لفت كبار المطربين والملحنين العرب بقدر ما شد إعجاب المستمعين. كل ذلك يزيد من أهمية الرواية وجاذبيتها للقارئ لاسيما وهو يرى صورة دوخي على الغلاف وكأن العمل سيرة لا رواية. وهنا أعود إلى الإشكالية الأساسية في صياغة عمل متخيل عن حياة حقيقية ومعروفة. وصف حياة دوخي بالمعروفة يذكّرني بمقالة للروائي والمفكر الإيطالي الشهير أمبرتو إيكو سبق لي أن ترجمتها عن الإنجليزية (في كتابي “الثقافة في زمن الجائحة”) يتحدث فيها، بين أشياء أخرى، عن علاقة الكاتب بشخصيات أعماله. يقول إيكو بأسلوبه المرح الساخر إنه يعرف شخصيات رواياته أكثر مما يعرف أباه. كانت للأب حياته الخاصة التي لم يكن يكشف عنها لابنه تحديداً، وهو أمر يعرفه الآباء والأبناء الآخرون. بل إن لكل إنسان جوانب من حياته توصف عادة بالحميمة أو الخاصة التي قد يعرف القريبون منه الكثير منها أو بعضها لكنهم قطعاً لا يعرفونها كلها. وهذا أمر طبيعي، فما يعرفه الصديق غير ما تعرفه الزوجة أو الزوج أو ما يعرفه الأبناء، ناهيك عن زملاء العمل أو الأباعد من الناس. تستعرض رواية “عوض دوخي: تقاسيم الصبا” حياة الفنان الراحل بتركيز شديد وباقتدار سردي على نقاط محددة ومفصلية في حياته. لكن الثلاث ساعات الأخيرة ليست كل شيء، والواضح أن تلك الساعات جزء من البناء السردي وليست أهم ما فيه، بل إن الرواية تتجاوز تلك الساعات بكثير لأنها تأتي ضمن سرد طويل نسبياً يتحدث فيه دوخي نفسهعن حياته وكفاحه. الساعات الثلاث جزء مما يعرضه السرد من تفاصيل ومهمتها تكثيف اللحظات الأخيرة في حياة الفنان. يقول الكاتب في صدر روايته تحت ملاحظة عنوانها “سيرة فنان”: “ترسم خيالات الرواية سيرة حياة الفنان عوض دوخي، لتأتي أحداث وحوارات الزمن اللحظي/الآني بخط داكن مغلّظ Bold بينما تكشف الذكريات نفسها بالخط العادي”. يعني هذا أنه إلى جانب الثلاث ساعات هناك الذكريات أو السيرة وهي الممتدة من بداية الذاكرة حتى لحظة الوفاة. وغني عن القول أنها سيرة شديدة الاختزال. لكن السؤال: لماذا اختار طالب الرفاعي هذا الأسلوب في السرد الذي أراه مغامرة تحسب له من حيث التجديد الأسلوبي، فقد قرأت روايات سابقة للكاتب لا أتذكر من بينها ما يوظف ذلك الأسلوب. ومع أنني لم أقرأ كل ما كتب فالأرجح عندي أنه يجرب أسلوباً مغايراً لما اعتاد من سرد واقعي غالباً يهيمن فيه الراوي العليم أو تتحدث شخصيات عن نفسها وعن غيرها وذلك على نحو أفقي لا يتقاطع فيه مستويان مختلفان زمنياً كما يحدث هنا. توازي الزمنين في رواية “دوخي” قد يكون مرده إلى محاولة الإمساك بتفلّت الزمنين الروائي والتاريخي في حالة شخصية معروفة، أو لإتاحة الفرصة لزاويتي رؤية أن تتداخلا لتقديم صورة أكثر إقناعاً وواقعية. فاللحظي يجاور التاريخي القديم نسبياً: حوار المحيطين بدوخي في ساعاته الأخيرة حول حالته وما إذا كان ينبغي أن يؤخذ إلى المستشفى أو ما إذا كان قد توفي، وتفاعل الأسرة المحيطة به مع الوضع الشديد التوتر، كل ذلك يتجاور مع ذكريات عوض نفسها المبنية على وقائع تاريخية: كيف بدأ؟ وأين عمل؟ وما التحديات التي واجهته؟ إلى غير ذلك من أمور تشكل متن الرواية الأهم في تقديري. الثلاث ساعات وما يدور فيها مهم لكنه أقل أهمية في تعرفنا على الشخصية التاريخية/الروائية. في أكثر من موضع شعرت بأن السرد اللحظي (بالحرف المغلظ) لم يتجاوز التكرار لما يرد في الخط السردي الآخر. وأزيد على ذلك بالقول إن السرد اللحظي كان أحياناً معيقاً للقراءة أكثر مما كان مضيئاً لتفكير دوخي أو لساعاته الأخيرة. لا أريد أن أغرق هذه المقالة بتحليل لتقنيات السرد على أهميتها، لأني أرى أن ثمة ما يستحق الحديث عنه هنا، كما في الفن الروائي إجمالاً، غير العملية السردية نفسها. أمامنا تاريخ إنساني وتاريخ فنون ومجتمع يواجه جوانب من ثقافته سواء الفنية أو الاجتماعية التي تصف الرواية التي بين أيدينا بعضها وتغفل عن بعضها الآخر. ولأن هذه الجوانب كلها مهمة ويمكن أن تكون موضوعاً كبيراً لأي تحليل نقدي لرواية حول فنان كبير مثل عوض دوخي فإن المساحة التي سعى الكاتب إلى استثمارها بأكثر الطرق اختزالاً لابد للقراءة النقدية أن تستثمرها أيضاً بالأسلوب ذاته. أود الوقوف على ما غاب عن الرواية لا ما حضر فيها، وفي اعتقادي أن هذه مهمة صعبة للناقد مثلما هي للروائي أو الشاعر أو المسرحي. لكنها مهمة تستدعيها رواية كهذه. ولعل أول سؤال سيتبادر إلى الذهن عند الإشارة إلى “ما غاب” أنه ليس في وسع أي رواية أن تتناول كل الجوانب حتى المهم منها. وهذا أمر طبيعي ينسحب على الرواية مثل غيرها. لكن حين تختار الرواية شخصية تاريخية فإن عليها أن تواجه أسئلة أولها سبب اختيار هذا الجانب دون ذاك، هذه التفاصيل وليس تلك، لاسيما أن بعض تلك الجوانب والتفاصيل معروفة وليست من اختراع الكاتب. فحتى في الحيز الضيق وضمن متطلبات السرد الصعبة، كان يمكن للتفاصيل أن تختلف وللجوانب أن تكون غير الجوانب. ولأنني شغلت ببعض تلك الجوانب في قراءات نقدية سابقة بل وفي كتاب كبير الحجم نسبياً هو “مواجهات السلطة”، فإن الغائب، وليس المُغْفَل بالضرورة، يفرض نفسه، أو فرض نفسه عليّ أثناء القراءة. جزء من ذلك الغائب يتصل بوضع الغناء في منطقة محافظة بصفة عامة على تفاوت نسب المحافظة. فعند ظهور دوخي في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي كان المجتمع الكويتي ومجتمعات الجزيرة العربية عامة، أكثر محافظة مما آلت إليه لاحقاً. الغناء بالتحديد واجه مشكلات الرفض الاجتماعي وليس أوضح من ذلك أن الشخصية الغنائية التي أعجب بها دوخي كثيراً وسار على منوالها، شخصيةالبحريني محمد بن فارس، شخصية واجهت تلك المشكلة بصفة خاصة وإن كانت في وضع مقابل ومناقض لوضع دوخي. محمد بن فارس كان يغفل اسم أسرته من آل الخليفة، حكام البحرين، تماماً مثلما كان مطربون وشعراء أغنية في السعودية وغيرها يستعملون أسماء مستعارة سميتها في إحدى مقالاتي أقنعة أمام مجتمع يتردد غالباً في قبول الغناء بوصفه فناً معترفاً به، ومثال المطرب الكويتي “شادي الخليج” أنموذج شهير لذلك. لكن عوض دوخي واجه مشكلة مضاعفة هنا هي أنه إلى جانب كونه مطرباً لم يشجعه سوى بعض عليه القوم، الشيخ جابر العلي مثلاً، فقد عاش مشكلة الفئوية. كونه أسمر اللون وليس من أسرة ثرية أو حاكمة كان على الأرجح إحدى الصعوبات التي واجهته. الخلفية الاجتماعية، بل الطبقية الاجتماعية، مهمة لفهم ملابسات شخصيات مثل دوخي. هذا الجانب غائب تماماً عن الرواية وأدرك لماذا فهو من أكثر الجوانب حساسية في تناول تلك الشخصية مثلما هو في تناول شخصيات موسيقية وغنائية مهمة وفاعلة أخرى في تاريخ ثقافة المنطقة. ليس هذا مجال التوسع في الحديث عن تلك الشخصيات التي سبقت لي الإشارة إليها، لكني أشير إلى اسمين من أبرز الأسماء في هذا السياق هما ملحن معروف ومطرب معروف أيضاً في السعودية: عمر كدرس ومحمد عبده. كلا الاثنين جاءا من هامش المجتمع أو من أطرافه، إما من حيث العرق واللون أو من حيث الخلفية الاجتماعية، ليحتلا الصدارة في المشهد الفني الغنائي وباقتدار طبعاً. جاءا إلى الواجهة ليحققا تقديراً وإعجاباً واسعين، لكن واقع الأمر يقول إنهما جاءا من الهامش الاجتماعي وأن ذلك الهامش مهم لفهم شخصيتيهما وفهم الظروف التي تحيط بجزء مهم من الثقافة في المنطقة، فتسمح لفئات دون أخرى بالصعود على الرغم من الصعوبات التي تظل قائمة في وجه البعض. عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم طرح مفهوماً مهماً يساعدنا على فهم تلك الشخصيات، فهو يتحدث عن جماعات وظيفية يعهد إليها المجتمع بمهام لا يعهد بها لغيرها. وفي اعتقادي أن فن الغناء من الفنون التي اعتادت مجتمعات المنطقة هنا أن تنظر إليها نظرة دونية على الرغم من حاجتها إليها وإعجابها بروادها بل وتقرب علية القوم إليها. لذلك ظلتمجتمعاتنا في الخليج بالذات، لكن حتى في العالم العربي، تقبل انخراط فئات معينة فيها (كأن يكونوا من خارج النسيج الاجتماعي المحلي، من أصل تركي أو أرمني مثلاً) وحين يخرج أحد عن تلك الشروط فإنه يتنكر بإخفاء اسمه وراء قناع سواء كان مطرباً أو ملحناً، وهو الأصعب، أو شاعراً، وهو الأقل صعوبة. والحق أن تلك النظرة الاجتماعية التي تغيرت جذرياً الآن تستدعي الكثير من الإعجاب بأولئك المبدعين الذين كافحوا التحديات الكثيرة أمامهم ليثروا ثقافة المنطقة بما كان سيظل فقيراً لولا جهودهم. لا أود لهذه القراءة لرواية لافتة أن تتحول إلى دراسة اجتماعية وإنما هي قضية تستثيرها الرواية ويجدر بنا عدم تجاهلها. لقد استمتعت بقراءة “عوض دوخي: تقاسيم الصبا” لكن استمتاعي ظل مشوباً بتوقعات وبحث عن جوانب تعلمت أن أبحث عنها في النصوص، جوانب يمكن اختصارها بعبارة “المسكوت عنه” التي تشير إلى ما يمكن وصفه بأنه ليس أقل عما لم يسكت عنه، أي ما أمكن قوله أو التعبير عنه. الرواية التي رسمت معاناة دوخي أثناء صعوده سلم المجد الغنائي عنيت بتفاصيل كثيرة ومهمة جعلتها تأريخاً لشخصية شهيرة في تاريخ الغناء الخليجي بقدر ما هي تأريخ لمرحلة من مراحل النمو الاجتماعي والاقتصادي في الكويت بصفة خاصة. الجانب الفني حظي بمتابعة دقيقة إلى حد بعيد: تأريخ بعض الأغاني وصلات دوخي بالعرب المقيمين في الكويت ودورهم في دعم النشاط الفني (كما في تلحين أغنية “صوت السهارى”، إحدى أشهر أغاني دوخي إن لم تكن أشهرها). لكن لم يتضح لي السر وراء اختيار “تقاسيم الصبا” في العنوان. هل هي علاقة المقام بأغنية أو أغاني معينة لدوخي؟ لست عارفاً بالمقامات الموسيقية (مع أنني سمعت تعليقاً لأحدهم يقول إن دوخي لم يغن من ذلك المقام)، أم لأن لكلمة “صبا” شجناً أعلى من غيرها؟ في كل الحالات نحن أمام رواية لافتة ليس في عنوانها بقدر ما هو في حكايتها وأسلوب سردها وقبل ذلك في الشخصية التي تبرزها.