شاعر وناقد رافق تحولات قصيدة النثر السعودية وأسهم في قراءة تجاربها..

عبدالله السفر: أكتب ما يستقر في الروح.. وصفةُ القارئ هي الأقرب لي.

حاوره/ علي مكّي يعد عبدالله السفر واحدا من الأصوات الثقافية التي رافقت تحولات المشهد الأدبي السعودي منذ التسعينات الميلادية، شاعرا وقاصا وناقدا وقارئا مثابرا، جمع بين ممارسة الكتابة والتأليف ومتابعة تجارب الآخرين، وأسهم عبر مؤلفاته وقراءاته النقدية في توثيق جانب مهم من مسيرة الأدب السعودي الحديث بدأ السفر حضوره الإبداعي بإصدار مجموعته الشعرية الأولى “يفتح النافذة ويرحل” عام 1995، التي جاءت ضمن سياق التحولات التي شهدتها القصيدة السعودية في تسعينيات القرن الماضي، وقدّمت صوتا شعريا يميل إلى التكثيف والتأمل والانفتاح على تخوم السرد. ثم واصل مشروعه الإبداعي في أعمال لاحقة، من بينها “جنازة الغريب”، التي أكدت انشغاله بالمنطقة الفاصلة بين الشعر والنثر، وبين التجربة الشخصية والأسئلة الإنسانية الأوسع. إلى جانب تجربته الشعرية، برز عبدالله السفر بوصفه قارئا وناقدا وراصدا للحركة الأدبية؛ إذ تابع الإصدارات والتجارب الشعرية والسردية السعودية والعربية، وقدم قراءات أسهمت في التعريف بأصوات وتجارب متعددة خصوصا في قصيدة النثر. وتحولت هذه المتابعة الممتدة إلى مشروع ثقافي تجلى في عدد من كتبه، من بينها “اصطفاء الهواء” و”وسم الأيام” و”إيقاع التحول وقمر الارتياب”، التي تمثل قراءات في تحولات الكتابة وأسئلتها الجمالية. ورغم حضوره المؤثر في المشهد الثقافي، ظل السفر بعيدا عن صخب الظهور، منحازا إلى موقع القارئ الذي يضيء النصوص، لا الأسماء الأكثر حضورا. وهو ما جعل تجربته تتجاوز حدود الكتابة الفردية إلى الإسهام في حفظ ذاكرة مرحلة مهمة من مراحل الأدب السعودي. في هذا الملف، تفتح “اليمامة” صفحات من تجربة عبدالله السفر، عبر حوار يكشف رؤيته للشعر والنقد والكتابة، وشهادات تستعيد أثره في الحركة الثقافية المحلية، وتضيء موقعه في المشهد الأدبي السعودي. * أنت شاعر قبل أن تكون ناقداً في نظر كثيرين. كيف أثّرت القصيدة في عينك النقدية؟ وهل أنقذتك الشعرية من جفاف القراءة الأكاديمية؟ -صفةُ القارئ هي الأقرب والألصق بي من أي صفةٍ أخرى. لا أصدر عن “النقد المحترف” الذي خبرناه في كتابة أساتذتنا النقاد هنا في السعودية أو في عالمنا العربي، ولا عن صرامة النقد الأكاديمي ومنهجيته. وما أقدّمه من قراءات في الأعمال الشعرية، وسواها من أعمالٍ أبداعية، هو في غالبه استمرارٌ لـ “الذات الإبداعيّة” التي تكتبُ النصوص. ما يمسّني في تلك الأعمال من جمراتٍ تحدِثُ أثرها في روحي وتستقرُّ خلاصةً من النشوة والدهشة والانبهار، أحاول التعبير عنها أو إعادة إنتاجها في صورة “نصٍّ” مرجعيّتُهُ ذلك العمل الإبداعي. أسجّل استمتاعي في كلماتٍ هي شهادة إعجاب مصحوبة بماء النص المقروء ومتداخلة معه. هو نوعٌ من التعالق الإبداعي أطلقَ عليه، يوماً، الصديقُ سعود السويدا “النقد الإيروتيكي”، نقلاً عن سوزان سونتاج، بمعنى مجاسدة النص والتداخل معه ليس على نحوٍ معرفي بقدر ما هو على نحوٍ جماليٍّ صِرْف وبإصغاءٍ حسيٍّ خالص؛ يتلمّس المتعة ويعبّر عنها، ما وسعته المحاولة والكلمات، وفي الوقت نفسه يدعو القارئ إلى مشاركته واختبار تلك المتعة. وهذا مؤدّاه أنني لا أكتب إلا عن الأعمال التي أحببتها وهي من الهامش بمعنى ليس لها ذلك السطوع في مجال التداول والمقروئيّة. من الظل تأتي وفي نعمة هذا الظل أكتب عنها ومعها. فكأن كتابتي استئناف للمتعة وتجاذب شعري معها. إذْ أبقَى في المنطقةِ الأساس التي انطلقَ منها النص؛ أرضيّةِ الإبداع وإن كانت بلوحةٍ مخاتلة تُدْخِلُها في خانة”النقد”. بعيداً عن النبرة الخشبية *في قصائدك تبدو اللغة وكأنها تميل إلى التأمل والاقتصاد والاشتغال على الظل أكثر من المباشرة. هل ترى أن الشعر الحقيقي هو ما يُقال هامساً لا ما يُعلن بصوت مرتفع؟ -أفترضُ أنّ جميع ما يُكتب الآن، إنْ قصيدة نثر أو تفعيلة (ذات النبرة الخفيضة الفردية الداخلية)، مشمولٌ بهذا التوصيف الهامس الذي سمّاه الناقد محمد مندور بـ “الشعر المهموس”. هذا اللون الذي يبتعد به صاحبه عن الضجيج والخطابية والنبرة الخشبية العالية وتوسُّل “الجماهيري” بحضور المنبرية وبملاحقة “الترند” في منصة إكس أو الفيسبوك. ينسحب ما دعوتَه يا صديقي بـ “الشعر الحقيقي” من الضوء الصارخ والصوت الهادر؛ نعثرُ عليه في الهدأة وتحت جناحِ ما يشبهُ العتمة سارحاً في تدبّر أدواته؛ متبصّراً بعمق لسبرِ ما يتوارى، ويَحسُن بالمبدع مداورته؛ حالةً ولغةً حتى يكشف ويتكشّف عن “شمسٍ في الأصابع العمياء” كما يكتب تريستان زارا؛ يُسفِر عن هويّة خاصّة وفرادة تنتمي إلى المبدع نفسه لا إلى المشاع العام. هذا ما أسعى لتحقيقة في كتابتي، ولا أعرف مقدار ما دنوتُ نحوه. يكفيني كثيراً *هل تشعر أن تجربتك الشعرية لم تُقرأ نقدياً كما تستحق، بسبب حضورك الطاغي بوصفك ناقداً ومثقفاً؟ بإخلاص، لا أُضمِر أيّ شعورٍ بـ “المظلومية” نحو التعامل مع كتابتي الإبداعية، ولستُ في وارد الحرص والاهتمام بهذه المسألة. كتبتُها مرة.. وأكثر من مرة، بصدق. يكفيني”تسعة أصدقاء وحبيبة واحدة” كما يقول الصديق قاسم حداد. ويكفيني أكثر حتى الامتلاء والفيض ما قاله أحمد بوزفور ذات حوار: “قارئٌ واحد يُشبِهُني ويُمتِعُهُ ما أكتب.. يكفيني لكي أستمر في الكتابة، فإذا لم يكن.. كنتُهُ”. النائس بين الشعري والتأمّلي *ما الذي بقي من الشاعر الأول الذي كتب بداياته الأولى؟ وما الذي تخلّصت منه تماماً مع النضج والتجربة؟ *لا أعرف ما إذا كنتُ أُحسِن الالتفات ثم المقارنة والاستخلاص: (أيُّها الطيْشُ! يا معلّمي، هلّا أعدتَ الدرس).. (ما أجمله صفّاً فارغاً، يا درسَ الرَّشاد). لكن سأحاول. في ومضات الذاكرة تنبثقُ محطّة، ربما عمرها يزيد عن خمسين عاماً، نبّهَني إليها هذا السؤال. كنت في المرحلة الثانوية، أعكف على كتابة جمل قصيرة متفرّقة ذات طابعٍ اجتماعي -نقدي أو “تعليقي” عابر ساخر أحياناً- وأجمعها لاحقاً تحت عنوان “نظرات” وأبعثها بريديّاً إلى جريدة اليوم للنشر في صفحة القراء (المشرف على الصفحة وقتذاك الأستاذ عبدالله الدبيسي). وتحت هذه الـ “نظرات” بجُمَلِها القصيرة نشرتُ عديد المرّات حتى اكتشفتُ ملحق “المربد” الثقافي لتتغيّر عندي بوصلة المتابعة والانقطاع عن موالاة “نظرات” غير أنها (أقدّر. أخمّن. ربما) ظلّت كامنةً أو رغبة مرجأة إلى ما قبل بضع عشرة سنة حين أخذتُ أكتب النصوص القصيرة جداً، حيث صرتُ ميّالاً إلى الكتابات القصيرة والمقطعية وإلى الشرارات المكثّفة في سطر -يقلّ أو يزيد- أو حتى في جملة واحدة تُكتَب سطريّاً نحو (تهشَّمَ سقفُكَ واقتربَ الملاك) أو عموديّاً نحو (في جرحه الحي/ أطلقَ فراشةَ النسبان/ علّها/ تغفو في دمّه). وأحياناً أرتكزُ على كلمة واحدة ينشأ عنها النص في دفقاتٍ من الجمل المنفصلة كلّها تشعّ عن تلك الكلمة شأن نص “في كهرمانة الأغنية تلمعُ أيامك” فهذا النص قائم على كلمة الأغنية التي جرَتْ خيوطُها وتسرّبَتْ أنغامُها بكامل شجنها في ستٍّ وثلاثين جملة، والأمر نفسه في نص “السؤال ملاكك الحارس” الذي تفيض جُمَلُه المنفصلة من بؤرة كلمة “السؤال” لكنها بطابع تأملي نقدي ( نصّا “الأغنية” و”السؤال” وَرَدَا في كتاب “قصاصة نافرة، نادي الرياض الأدبي - 2015”). هذه الدورة الطويلة من بدء الكتابة ثم الكمون الطويل متبوعاً بفُجاءة التحوّل النوعي، تلخّص أو تفسّر مسيرة الكتابة عندي؛ تجربة الكتابة الذاهبة نحو ترشيد استخدام الكلمات وتفعيل آلية الحذف بسخاء لصالح شرارة تكنزُ وعداً وتأثيراً وإشعاعاً؛ وخزاً جماليّاً ينبعث من البياض المتروك والصمت “ الهارب من الصرخة، بتعبير موريس بلانشو” والذي خلّفه الحذف؛ نائساً بين الشعريّ الخالص وبين التأمّلي بأسبابه التي لا تنفكّ عن الشعرِ أبداً. شرارة مُطعّمَة، أحياناً، ببذرة سردية أو نكهة سردٍ ظلَّ مترحّلاً في كتابتي منذ الحرف الأول. زمنُ الاستهلاك.. زمنُ البوب كورن *في زمن الرواية، هل أصبح الشعر يعيش عزلة ثقافية حقيقية، أم أن القصيدة ما تزال الفن الأكثر قدرة؟ -ابتداءً، الفنون على اختلاف أشكالها وألوانها وتياراتها ومساراتها وتبدّلاتها لا تفاضل في ما بينها (وإن يكن للذوق الشخصي والتوجّه الثقافي تفضيلاته).. هذه الفنون لا تنفي بعضها بعضاً، ولا تعمل بمبدأ الإزاحة والإحلال حيث حضورُ لونٍ ينبغي معه غيابُ لونٍ آخر لزوماً وإكراهاً. الرواية لها جمهورها والقصيدة لها قرّاؤها. ومسألة الرواج لها علاقة بالسوق والتسويق والإشهار التجاري.. لا بالجدارة ولا بالاقتدار الفني والجمالي، وهذا العامل الفني إذا طبّقته على الرواية المعدودة أنّ هذا هو زمنها، ستجد أن السائد منها ليس المتميّز والعميق مالك أدواته الفنية في السرد. الغلبة هنا -وأكرّر: الغلبة- للروايات البسيطة السطحية؛ روايات البوب كورن المربوطة بالتسلية، وتلك الطبخة التي يتازع عليها كتّاب الماورائيات والجن والتي بعد فترة، ومع اختبار الزمن الذي تُنسَب إليه، لن تبقى في ذاكرة الرواية الحقّة إلا كرقم، وإلا كحدث في معارض الكتاب، ويَعرف هذا الأمر جيّداً “خبراءُ إدارة الفقاعة” الذين يدركون تماما متى تنفثئ تواقتاً مع الإشباع والتشبّع الجماهيري . سوف تبقى الرواية “الحقيقية” ومعها كل حقيقي وصلب ومتبلور من الفنون، والشعر “الحقيقي” في أرض البقاء هذه بالتأكيد؛ يبقى مستمرّاً في التأثير وفي الحضور، رغم العقبات المنثورة أمام الشعراء وحصار الناشرين لهم وتردّدهم في طباعة الكتب الشعرية لأنها عائدها غير مضمون وبطيء (واختصروها في: “الشعر لا يبيع”). إذاً، المسألة مسألة سوق وحسب. نحن في “زمن الاستهلاك” يا صديقي، وخارج هذه الدائرة الاستنزافية: في الهدأة، في الاستبصار، في التأمل، في التمهّل؛ نجد الشعر هناك. الجمال، دائماً، رفيقُ النّدرة *قصيدة النثر العربية قطعت رحلة طويلة من الجدل والرفض. هل تعتقد أنها انتصرت فنياً فعلاً، أم أن المعركة انتهت فقط لأن الجميع تعب منها؟ -مِن الثوابت في مشهدنا الاجتماعي والثقافي النفورُ من الطارئ الجديد الذي يأتي على غير العادة وخارج المألوف وما استقرّتْ عليه الأعرافُ الاجتماعية أو الثقافية. إحكامُ نظرةِ الارتياب نحوه والإبقاء عليها زمناً طويلاً مع ابتكار الأسباب ومراكمتها لتبرير ذلك الارتياب والاستمرار فيه إلى أطول فترة ممكنة حتى لحظة الاكتشاف - لا يعلم أوانَها إلا الله وحده- أنْ لا خطر في هذا الجديد وأن “حصوننا غير مهددة من الداخل”. وقصيدة النثر مرَّت بهذا الجدل منذ نهاية الخمسينيات، ولا ينقطع هذا الجدل إلّا ليُستأنف من جديد وعلى نحوٍ عنيف وبإطلاقات لفظية تحملُ من التبخيس والانتقاص ومن “الذكورية العالية” ما تحملُ (القصيدة الخرساء/ أحمد عبدالمعطي حجازي، القصيدة الخنثى/ عز الدين المناصرة). ولا أظن أنّ لهذا الجدل نهاية. طبيعةُ مشهدنا العربي البقاء على هذه الصورة، مفصولاً عن مسيرة قصيدة النثر في أجيالها المتتالية وعن فتوحاتها الجمالية وعن رموزها الكبيرة في عالمنا العربي؛ مشرقاً ومغرباً ومهجراً ومنفى، وقائمة الأسماء طويلة ومضيئة غير أنني سأذكر شعراء -على سبيل التمثيل فقط لا الحصر- من بلادنا أعدّهم بارزين ومؤثّرين ويملكون مساحة متفرّدة في القول الشعري على مدار السنوات الثلاثين الأخيرة وما قبلها وما يتبرعم ناهضاً أخيراً يصنع صوته ويحفر مجراه الخاصّ: (فوزية أبو خالد، محمد عبيد، إبراهيم الحسين، أحمد الملا، غسان الخنيزي، محمد الدميني، محمد الحرز، زياد السالم، حمد الفقيه، علي العمري، عبدالرحمن الشهري، عبدالله ثابت، محمد خضر، صبا طاهر، أحمد العلي، ماجد الثبيتي، عبدالله حمدان الناصر، صالح زمانان، أبرار سعيد، عبدالله المحسن، أحمد الصحيّح، المينا منور، …). قصيدةُ النثر تنكتب باقتدار في نماذجها الباسقة، وهنا يجدر بي التوضيح أن ليس جميع ما يُكتب في صيغة قصيدة النثر يتوفّر على تسويغه الفني والجمالي، بل إنّ أكثر ما يمرّ بنا منه (ومِن قصيدة الوزن، أيضا “هناك من يظنّ ظنّاً آثماً أن من دخلَ بيتَ الوزن فهو آمن، رغم وَهَنِ الموهبة وإدقاع التجربة”)؛ أكثره لا يُعتدّ به في باب الشعر. ودائماً الجمال رفيقُ النُّدرة، وعلى هذه النّدرة يجري التعويل وإليها يكونُ الاحتكام. تعطيل الرقيب النقدي *كيف تنظر إلى العلاقة بين الشعر والنقد داخل شخص واحد؟ ألا يخشى الناقد أحياناً من فوضى الشاعر، بينما يخاف الشاعر من صرامة الناقد؟ -المدونة الإبداعية العربية والمحلية؛ سرداً وشعراً، نقرأ فيها هذا التمازج والتداخل بين شخصية المبدع والناقد، ودون تأثير من مسطرة الناقد “الجافّة، ربما” على نصّه ( محمد برادة، إدوار الخراط، محمد الحرز، عبدالعزيز المقالح، عباس بيضون، عبدالله العقيبي، عبده وازن، أنطوان أبو زيد، …). والانطباع المُطْمَئن ناتج بحكم المتابعة والقراءة في كتابات هؤلاء وغيرهم إبداعاً ونقداً. لأني أتصوّر أنّ شخصية الناقد تأتي لاحقاً بعد إنشاء النص، وهذا ينطبق في رأيي على غالب التجارب الإبداعية. لحظة الإبداع تُعطَّل الرقابةُ على تدفّق النص، وتُؤجَّل الملاحظاتُ حتى توضع نقطة الختام. ومع كلّ العدة النقدية التي يتوفّر عليها المبدع الناقد، فإنه، أحياناً، يكون حائراً قبالة نصّه. لا يعرف أو هو في شكٍّ من جودة ما يكتب أو مدى إخفاقه؛ لا يطمئن إلا عندما يستنير بآراء أصدقائه. الذاكرة الشعرية وهالة الجوائز *هل تعتقد أن الجوائز والمنصات الإعلامية أسهمت في صناعة شعراء حقيقيين، أم أنها أحياناً تصنع أسماء أكبر من تجاربها؟ -إنّ الشاعر الحقيقي تصنعه موهبته وحوضُ التجارب التي يخوض غمارها على المستوى الشخصي والاجتماعي والثقافي وعلى مستوى التعرّض الجمالي إلى ما من شأنه يشحذ أدواته الفنية. في هذا الموضع يكمن الشاعر الحقيقي. هناك يتخلّق شعره وتتدفّق شاعريته. ثم لا خلاف بعد ذلك على: أين مكان هذا الشاعر “الحقيقي”. هل هو في الظل والهامش وضمن المنسيين في حصة إعلان أسماء الشعراء وفي حصة الدرس النقدي؟.. هل هو في منصة الجوائز والتكريمات؛ استحقاقاً وجدارةً وصدىً لمشروعه الشعري على مدى عقود وعلى مدى عديدِ إصداراته الوازنة في المشهد الشعري؟.. أمّا تلك الجوائز المصنوعةً صناعةً لـ الترفيه ولـ الضوضاء ولـ الاستعراض؛ فإنّ أسماء أصحابها الذين نالوها، لن يمكثوا تحت هالة الجائزة وفي كنف المنصّة الإعلامية/ الإعلانية، إلّا زمناً صئيلاً.. ثم يُنسَوْن. تنزاح أسماؤهم و”أعمالهم” من الذاكرة الشعرية ومِن دفتر الأيام. “القلعةُ” صامدة *في قراءاتك الشعرية، ما القصيدة التي تشعر أنها غيّرتك من الداخل، لا بوصفك ناقداً فقط، بل بوصفك إنساناً؟ -ذات يمامةٍ ثقافية في العام 1986، وكانت تحمل ما نشره الصديق سعد الدوسري: نص “القلعة” للشاعر قاسم حداد من مخطوطته “عزلة الملكات”. تلك المخطوطة وصَلَت وقتها من سعد إلى أحمد الملا الذي نسخ لنا -كعادته في تقاسم الرغيف الثقافي مع أصدقائه - صورةً كأجمل الهدايا وأثمن الذخائر في زمنٍ يندر فيه الكتاب ويعسر توفيره. “القلعة” لا أعتبره من أبرز وأندى نصوص “عزلة الكلمات” فقط. إنما من النصوص المؤسسة والتاريخية في تجربة حدّاد الإبداعية. أتذكّرُ قراءتي الأولى لـ “القلعة” وأَثَرَ الصاعقة الجمالية التي أخذتْني في مدارها مَن النشوةِ والنُّعمى والالتذاذ. كأنني في حالة انخطافٍ التي لا يُتدبّر التعبيرُ عنها بالكلمات، ولا يمكن إنزالُها في معنًى قارّ. إنها حالة فريدة في استقبال الكتابة الإبداعية، وهي ميزان الذهب الذي يقاس به جودة النصوص وعمق المسارات التي تنشأ عند القارئ؛ دهشة، وافتتاناً، وبالتالي تأويلاً في مرايا كثيرة تُغنِي القراءةَ عودةً بعد عودة: (أُرمّم أسوارَ القلعة/ أَدهنُها، وأُزيّنُها بالقناديل/ كي تُرشِدَ الهجومَ التالي/ فربّما يحلو لهم أن يَبغَتُوا في الليل// فها أنا وحدي/ والقلعة صامدة). وما تزال قلعةُ قاسم صامدةً قبالةَ عيني.. في ذاكرتي وفي ذائقتي. الزلزلةُ الأولى لم تزل كلما… الألم قنديلٌ ومعلّم *هل الشعر ابن المعاناة فعلاً، أم أن هذه الصورة الرومانسية القديمة لم تعد صالحة لفهم القصيدة الحديثة؟ -القصيدة كتجربةٍ إنسانية وكتجربةٍ فنية. تجربة معايشة القصيدة وينابيعها وتجربة الدرب إلى الورقة البيضاء تسويداً وإنضاجاً حتى الثمرة. تلك القصيدة، في الغالب، لا تخلو من “المعاناة” والمشقّة والمكابدة.. مِن العذابِ والألم، منذ شاعرنا القديم سويد بن كراع في قوله: (أَبِيتُ بأبوابِ القوافي كأنّما/ أُصادي بها سِرباً من الوحشِ نُزّعا) وحتى لحظة صديقنا الشاعر إبراهيم الحسين: (يجذبُهُ الألمُ، ويهوي به في الكتابة). الألمُ في تجربة كتابةِ القصيدة قنديلٌ ومُعلّم. الألم مصدرٌ لإثراء المكتوب كخبرةٍ في الجسد وفي الروح؛ وكذاكرةِ حصادٍ تجتمع في ذات الشاعر فتمثّل حصّةً منه لا يقوم حرفُه إلا بها إلا به. الألمُ ضوءُنا إلى القصيدة؛ إلى جمالها ظاهراً نلمسه.. وكامناً؛ جوهرةً نسعى بحثاً عنه. تقول سيلفيا بلاث: “إذا تناثرَ الدم شعراً لا توجد طريقة لإيقافه”، وقبل سيلفيا قرأنا لـ جلال الدين الرومي عن الدم الذي يتفجّر من فمه مع الكلمات. وتمرُّ بي الآن كطيفٍ جملةٌ، وردتْ في فيلم “الكلمة” للمخرج الدنماركي دراير، هي “في الألم ثمّة جمال” وفي الوقت نفسه يحضرُ رافايل أرغولّول بكلمته النافذة عن أنّ الجمال لا يمكن أن يوجد دون ألم.. وأحسبُ أن جمالَ القصيدة يتمرأى في هذا النهر. وفي كل الأحوال، ومهما يكن الألم ومهما تكن المعاناة، فإن الإبداعَ شفيعُنا الذي نَرضى به ويُرضينا كلّ الرضا. وهذا الرأي لا يصادر كامل مشهد كتابة النص الإبداعي على هذه الشاكلة وبهذه الطريقة. ينبغي لي ألّا أنسى ذلك النص الذي يأتي متنعّماً ومتألّقاً في هناءة اللعب والاستمتاع والطرافة {وما أطلقتُ عليه يوماً ضمن قصيدتنا المحلية الجديدة: (نافذة اللعب واللااكتراث والسخرية/ “القصيدة المرحة”) وهنا تبرز مجانيّة اللعب والعبثية والغرابة بمفاجآتها المدهشة، ولعلّ قسطاً وافراً من المقروء في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي في هذا الباب وبدرجة متفاوتة في القيمة الفنية مِن الإحكام إلى التفريط وصولاً إلى مجرّد اللفظية، وإنْ كان من “معاناة” في هذا التفريط/ اللفظي فإنها تقع على كاهل القارئ فقط!!! بين اللامسافة والمسافة *ما المسافة التي يتركها عبدالله السفر بين حياته الشخصية وقصيدته؟ وهل القصيدة اعتراف مقنّع دائماً؟ ما من مسافة ثابتة تنطبق تمام الانطباق على ما كتبته من نصوصٍ إبداعية. أحياناً، تصبح يومياتي ومشاهداتي الحياتية وما أَنغرِسُ فيه من مواقف وظروف.. تصبحُ هذه جميعها بعد الرصد والإضافة والحذف والتحويل؛ هي تماماً: “النص” سواءً في كتابتي المبكّرة أو المتأخّرة. النص هو ذاتي المكتوبة؛ منخرطةً أو شاهدةً. وتتزامن مع تلك المسافة المتروكة غير الموضوعة في الحسبان ولا وجود لها، مسافةٌ فاصلةٌ مُدرَكةٌ ومتعيّنة.. مسافةٌ أخرى تنشأ مع نصوص تأتي من خارج الترسيمة الشخصية واليومية والحَدَثية قائمةً على المخيّلة وعلى الغرائبية وفي بعضها قائم على التداعي مع اللغة وما ينداح معها إلهامياً من صور ومن تركيبات مشهدية خلاصتُها مركوزةٌ في ثنائية الخيال/ اللغة. وأحسبُ أن تلك المسافة المدرَكة موجودة مع وفي ما أنتجه من نصوصٍ قصيرةٍ جداً في صورتها الملتمّة على جنين السرد الخاطف أو الالتماعة الشعرية أو على تلك النظرة المتمهّلة تمشي هَوْناً إلى التأمّل والاستكناه.