أمي: رقية الشمرية (2)..

الأمومةُ معنى ممتد بعدد الأمهات اللاتي مررن على هذه الأرض.

الأمومةُ معنًى ضخمٌ، وعميقٌ، وممتدٌ، ومتجددٌ، ولكن الأمومة ذات مراتب تتفاوت بتفاوت الأمهات؛ إنها تتجسد في نماذج تتنوع بعدد الأُمَّهات اللاتي مررن على هذه الأرض؛ فمنهن من تفيض دومًا بالحنان، والعطف، والشفقة، والرحمة، والاحتواء؛ تكون منسوجةً من الإيثار المطلق، والتضحية الدائمة، والحنان الدافق، والمودة الغامرة؛ ومنهن من تكون متسلطة؛ تريد فرض رؤيتها على البنين والبنات وتتحكَّم بالأسرة كلها طبقًا لرؤيتها؛ حتى لو كانت رؤية عمياء؛ لذلك فإن اللغة لا تستطيع أن تُعَبِّر عن معنى الأمومة تعبيرًا يُجسِّد مضمونه العميق الفخم بكل دلالاته الواسعة العميقة، وبمختلف نماذجه المتنوعة؛ المضيئة والمظلمة، أو ما هو خليط من الظلمة والضياء؛ وكم كان رائعًا أن تبادر الشاعرة الدكتورة فوزية أبو خالد إلى استكتاب عدد من الأدباء والكتاب والكاتبات؛ كان ثمرته كتاب (سِيرة الأمهات) وقد شدني بغلافه المميز فاقتنيته فور صدوره؛ وشعرت بامتنانٍ عميق لصاحبة فكرة الكتاب. ورغم أن الكتاب في بداية فكرته؛ هو ثمرةُ رؤيةٍ رومانسية؛ إلا أن نتيجته تتجاوز ذلك بمدى بعيد؛ فالكتاب يؤسِّس لمجالٍ واسعٍ وعميقٍ ومتشعب من الدراسات؛ في المجال الأدبي، والتنموي، والاجتماعي، والتاريخي، وعلم النفس، وفي فروع معرفية متنوعة. ما أنْ لمحتُ كتاب (سيرة الأمهات) في مكتبة جرير حتى ابتهجتُ به؛ وما أنْ تصفَّحته حتى أدركتُ أنني أمام عملٍ فريد؛ يعالج مجالاً استثنائيًّا في ثرائه ودلالاته وأهميته؛ ورحت أقرأ التقديم الذي كتبتْه الشاعرة فوزية: (إن فكرة العمل على كتابٍ يدوِّن سيرة الأمهات؛ كانت تراودني منذ نعومة أظافري) وتقول: (عشت هاجس سيرة الأمهات؛ فكرةً رومانسيةً؛ تكون نوعًا من العرفان الصغير؛ بجميل الأم الكبير؛ في الحمل والولادة والتربية وفي العطاء السخي والحنان الجارف؛ الأم التي تسهر لننام وتطبخ لنأكل وتشقى لنرتاح) تُمرض حين نمرض، وتتألم كلما اعترانا عارضٌ من عوارض الحياة، ولا تدخر وسعًا في جعلنا أفضل. إن انشغال الشاعرة بالكتاب قد نمّى في ذهنها آفاق مفهوم الأمومة، ومراتب الأمومة، وتنوع تجليات الأمومة؛ فتجاوز هدفُ الكتاب فكرتها الأولى وتجاوز الكتاب حتى تصورات بعض المشاركين في كتابة فصوله. كانت الشاعرة فوزية تنظر إلى مفهوم الأمومة نظرة رومانسية تقديسية ولكن بعد تفاعلها العميق مع الموضوع، وبعد قراءتها لإسهامات بعض المشاركين؛ تفتَّح ذهنُها على مراتب الأمومة، وتجلياتها المتباينة؛ فليس كل الأمهات مثاليات. ولكن هذا التحفُّظ حول تنوُّع مراتب الأمهات؛ لا ينفي أن علاقة الأم بأولادها هي علاقةٌ ذاتُ خصوصيةٍ شديدة العمق، بالغة التأكُّد؛ فهي تستحق أن يتوقف أمامها كل والد، وأن يتأملها، ويُثَمِّنها كلُّ مولود؛ إن كل مولود قد تغذَّى من جسد أمه؛ خلال شهور الحمل؛ فهو بذلك جزءٌ منها بالمعنى الحرفي الحقيقي، ثم يستمر يتغذى من ثديها، ثم يبقى قلبها يخفق له في كل اللحظات؛ ومن هنا يكون حق الأم فوق كل الحقوق، وواجب الأولاد هو الأشد حضورًا والأقوى إلحاحًا. كأي عملٍ إنساني له طابع العموم، والتشعب، والتنوع، والتفاوت؛ مرَّت فكرةُ (سيرة الأمهات) لدى صاحبة الفكرة؛ بعددٍ من المراحل: (المرحلة الرومانسية) التي تَغفل عن حقائق الواقع وتنظر إلى الأمهات ككائنات مثالية. ثم (المرحلة التقديسية) وهي امتدادٌ للمرحلة الرومانسية. ثم (المرحلة التمردية) حيث انتبهتْ الشاعرةُ بأن الأمهات لسن كلهن على نفس المستوى من المثالية، بل قد تكون الأم مهمِلةً، وقد تكون مقصِّرةً، وقد تكون شرسةً، وقد تكون متسلطةً، وتتحكم بمن حولها؛ فتقول: (صرتُ أميل إلى فكرة أنه يصعب التفكير في سيرة الأمهات دون الإشارة لتلك السياسة القمعية التي ترتكبها أُمَّهاتٌ براحة ضمير، في حق أي من مظاهر الشغب في حق السائد أو التمرد على القائم) فلا (يمكن تجنُّب الحديث عن تلك السلطة العاتية) لكن هذا لا ينفي أن الأصل أن: (الأم تعطينا من ضعفها قوةً، ومن تقشُّفها رفاهًا، ومن ضيقها سعةً؛ الأم هي التجسيد والرمز معًا للكمال الإنساني؛ الذي من طبيعته النقص؛ خارج هذا المفهوم الرحمي والتقديسي للأمومة) وتقول: (الأمومة تجربة مقدَّسة) وتحت عنوان (سيرة الأمهات بعين التساؤل)؛ تنتهي فيه إلى القول: (التعامل مع الأمومة كمنتَجٍ أرضي؛ ومع الأمهات كمخلوقاتٍ من لحمٍ ودمٍ وأعصابٍ؛ لهنَّ ما عليهنَّ؛ من أحاسيس، ومشاعر، وفكر، ومزاج، وتقلبات، وميول، وهوى، وعقل، وعاطفة، وأفراح، ومعاناة) لكن إذا كان قد يحصل التقصير، أو ضيق الأُفُق، أو التسلُّط من بعض الأمهات؛ فإن الأم وليس سواها هي وحدها التي تقدم من الرعاية ما يستحيل أن يقوم به سوى الأُم؛ ومن أروع نماج الأمهات (نعيمة) أم هيلة المحيسن؛ تصوَّر بنتًا تولد من دون يدين؛ فتكافح أمها ليس فقط لتجعل بنتها مثل الأخريات؛ بل لتدفعها نحو التفوق وإثبات الذات بشكل خارق؛ هيلة المحيسن التي كتبت تقول: (وُلِدتُ كطائر بلا جناح؛ ولكن أمي بالتشجيع والتعليم والتعزيز؛ حاكت لي أجنحة) وتقول هيلة المحيسن: (وُلِدْتُ طفلةً بلا يدين ولكن أمي لم تعبأ بنظرات الناس ولم تعاملني بشفقة؛ ولكن اعتزت بي أمام الناس وعاملتْني بتقدير واحترام بينها وبيني وفي بيتنا وبين إخواني ودَرَّبتني على تطوير قدرات بديلة لليدين؛ من طفولتي الأولى إلى أن بلغتُ اليوم عمر الثانية والعشرين؛ وأمي يدها هي يدي ونبضها هو نبضي؛ تتبع خطواتي لكي لا أسقط. وكم من مرة أوشكتُ أن أيأس أو خفتُ أن أهوي أو مادت بي الأرض أو تعثَّرتُ بصخرة؛ ففتحتُ عيني وإذا بي في حضنها؛ فبين ذراعيها؛ أجد ذراعيَّ المفقودين، وعلى أصابع يديها أعدُّ شموع الأمل في يدي الغائبتين) وتقول: (إن الأمومة إلهامٌ وأمانة ومهمة يومية؛ قد تعجز الجيوش والجامعات والمعجزات والساحرات عن القيام بها؛ فتقوم بها تلك الإنسانة الرقيقة القوية التي اسمها الأُمُّ) ولكن الرائعة هيلة المحيسن تدرك أنه ليس كل الأمهات يشبهن أمها؛ وهنا يظهر الاختلاف الشاسع؛ إنه فارقٌ هائل تقول هيلة: (هناك أمومة تنفيذية لأدوار ووظائف معتادة ومتعارف عليها، وهناك أمومة؛ مستقلة، مبادرة، متجددة، ومجددة؛ تواجه الحاجة بالاختراع، وتقاوم الكبوات بالابتكار) وتقول: (المرأة التي اسمها نعيمة أو أم هيلة؛ تمثل تلك الأمومة الصعبة الطموحة التي تغزل بظلف الذئب، وتُحَوِّل المحال إلى واقع معاش) وتقول: (أنا هيلة المحيسن ابنةٌ لسيدةٍ حالمةٍ قويةِ المراس، شديدةِ الفطنة؛ كتبتُ بقلبي وليس بقدمي؛ صبَرَتْ أمي وعلَّمتني الصبر؛ ونالتْ؛ وجعلتني أتذوق معها طعم المنال) لا أحد يُحَوِّل إعاقةً جذريةً؛ كهذه الحالة؛ إلى مثل هذا النجاح الباهر سوى أُمٍّ استثنائية؛ فرغم أن هيلة ما تزال في الثانية والعشرين من العمر؛ فإن المقال الذي كتَبَتْه هيلةُ؛ يبدو وكأنه من إنتاج أديب قد تجاوز الخمسين من العمر؛ إنه مقالٌ بليغٌ، وحافلٌ بمضمونٍ رفيعٍ بمستوى رائع؛ يدل على الإدراك المعرفي العميق، ويؤكد المراس الأدبي الواسع؛ إن هذا النجاح المذهل لا يصح أن يبقى ضمن نطاقه الضيق؛ وإنما يجب أن يُشاد به، وأن يتناقله الناس، وأن يرويه الآباء للأبناء، وترويه الأمهات للبنات؛ إن (نعيمة) وبنتها (هيلة) كلٌّ منهما تستحق أرفع الأوسمة؛ وأشد النياشين لمعانًا؛ إن هذه الحالة يجب أن يعرفها القريب والبعيد، القاصي والداني؛ وأن تتناقلها الأجيال؛ فهذه النجاحات المضيئة؛ لا تتكرر، وينبغي أن تشاع لتكون قدوة، وأن تُعرَف على أوسع نطاق ممكن.