« تحديات السعودة»للدكتور حمد العقلا ..

دراسة في مستقبل سوق العمل ومستهدفات التنمية.

أهداني الدكتور حمد العقلا مشكوراً كتابه (تحديات السعودة .. الواقع والمأمول) والذي أهداه «إلى جيل الألفية الثالثة .. إلى من يراهن عليهم الوطن، ويعقد عليهم الأمل، إلى شباب وشابات المملكة، الرأسمال البشري الحقيقي، وثروة الوطن التي لا تنضب ... أهدي هذا العمل المتواضع ..الخ». قرأت الكتاب باستمتاع، وبهرني بما احتواه من تحليل ودراسة تفصيلية دقيقة، قال أن هذه الدراسة بدأت في ثمانينيات القرن الماضي، وتُوِّجت برسالة دكتوراه بجامعة ولاية ميشيغان عام 1990 بعنوان: (معوقات السعودة في سوق العمل بالقطاع الخاص في المملكة العربية السعودية»، وواصل دراسته وبحوثه مع التطورات والتحولات الجديدة، وطرح إشكالات التوطين لا يتوافق ورؤية المملكة 2030. قسم الكتاب إلى إحدى عشر فصلاً، وكل فصل إلى عدد من الأبواب أو العناوين، سأكتفي بذكر عناوين الفصول: الفصل الأول: التحديات الثقافية والاجتماعية المرتبطة بالبطالة وضعف السعودة. الفصل الثاني: جذور التحدي: قراءة تاريخية في نشأة وتطور سياسات السعودة. الفصل الثالث: التوطين في المشهد القطاعي: من هيمنة القطاع العام إلى تحديات القطاع الخاص. الفصل الرابع: مقاربات هيكلية وتشريعية مبتكرة لإعادة تشكيل سوق العمل وتسريع التوطين. الفصل الخامس: تقييم جهود الدولة والقطاع الخاص في التوطين: نطاقات، هدف، تمهير. الفصل السادس: التحديات الحالية في مؤسسات القطاع الخاص. الفصل السابع: الوظيفة في سياقها المؤسسي والتنظيمي. الفصل الثامن: الحوكمة ودورها في دعم أو إضعاف التوطين. الفصل التاسع: نظرية التعقيد الاقتصادي وتطبيقها في دعم توليد وظائف نوعية للسعوديين. الفصل العاشر: نحو شراكة حقيقية لبناء استراتيجية وطنية للسعودة. الفصل الحادي عشر: خلاصة عامة وتوصيات تنفيذية مقترحة لأصحاب العلاقة. وتزويدها بالجداول والبيانات التوضيحية والرسوم البيانية، والمراجع والمصادر. قال إنه استشار بعض أصحاب الخبرة والمهتمين، فعاد في العام الماضي 2025 ليستأنف الكتابة في موضوع السعودة من جديد بعد أن ناقشها برسالة الدكتوراه عام 1990 وبعد أن ازدادت الحاجة إلى تعميق النظر فيه واستدعاء أدوات البحث العلمي. وقد استعرض خطط التنمية الخمسية من عام 1970، واعتمد على الإحصاءات الرسمية، وقال في الخلاصة التنفيذية: «التوطين قضية استراتيجية تتجاوز حدود فرص العمل مروراً بالتوظيف وصولاً إلى عمق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. تتوفر فرص قابلة للتنفيذ، ولكنها تحتاج إلى سياسات أكثر حسماً وانفاذاً. يعد وجود جهاز تنفيذي رسمي، بقيادة وطنية واعية وهيكل وظيفي متخصص، مدعوماً بكفاءات بشرية مؤهلة، من أهم الأولويات والركائز الأساسية لتحقيق سعودة فاعلة ومستدامة في وظائف القطاع الخاص. دعم القيادة هو الضامن لعبور مرحلة التوطين من شكلية التنفيذ إلى مرحلة الكفاءة والعدالة وفعالية التمكين الحقيقي» ص 23 وقال في الفصل الثاني: «الأثر طويل الأمد لخلل سوق العمل وضعف توظيف السعوديين لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشكل تأثيرات اجتماعية وثقافية عميقة تحس استقرار المجتمع وجودة الحياة... أهم الآثار السلبية بعيدة المدى:  1- ارتفاع معدلات البطالة والفقر. 2- تآكل الطبقة الوسطى. 3- ضعف التماسك الاجتماعي وارتفاع التوترات. 4- تعزيز ثقافة الاعتماد والاتكالية. 5- تأخر سن الزواج وزيادة المشكلات الأسرية. 6- فقدان الثقة في المؤسسات وسوق العمل. 7- إبطاء التحول الاقتصادي الوطني. 8- تزايد الاعتماد الاستراتيجي المفرط. 9- تزايد معدلات ضعف الخبرة الوطنية. 10- استنزاف الاقتصاد المحلي الوطني. 11- ضعف الانتماء. 12- فقدان التوازن السكاني. إذا لهذه الأسباب وأخرى، يعد توطين الوظائف في القطاع الخاص أحد أهم المرتكزات الجوهرية لتنمية الاقتصاد الوطني، إلا أن تناوله غالباً يتم من زوايا محدودة لاتلامس جوهر التحدي، ومن هنا تبز الحاجة لطرح أعمق يعالج البعد التنظيمي والمؤسسي لضمان تحقيق الأثر المستدام» ص 50. وقال في الفصل الثالث عن أهمية المؤشر: «يعتبر معدل البطالة مؤشراً اقتصادياً حساساً يستخدم لتقييم صحة الاقتصاد وكفاءة السياسات، ومستوى التنمية البشرية، وهو معيار أساسي لدى المؤسسات الدولية وصناع القرار» ص 81 وعن أهمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة قال: «في إطار رؤية السعودية 2030 تسعى المملكة إلى رفع مساهمة المنشآت الصغيرة جداً والصغيرة والمتوسطة إلى 35٪ من الناتج المحلي الإجمالي، من خلال تطوير البيئة التنظيمية والتمويلية وتحفيز الابتكار وريادة الأعمال، وتعزيز مشاركة المرأة والشباب في الاقتصاد» ص 112 وفي الفصل الخامس قال: «يمثل (نطاقات) العمود الفقري لسياسات التوطين الحديثة في السعودية، ابتكرته وزارة العمل كآلية تصنيف وتحفيز الزامية، تقيس أداء المنشآت الخاصة في توظيف السعوديين .. الخ» ص 171 وفي الفصل العاشر قال عن الشراكة: «.. من هنا تبرز الحاجة إلى تحول جذري في فلسفة السعودة، يعيد الاعتبار إلى فكرة الشراكة، ويؤسس لاستراتيجية وطنية تبنى من القاعدة إلى القمة لا العكس ..» ص 286 وفي ختام الفصل قال: المهارة ليست بنداً في السيرة الذاتية بل هي رأس مال حقيقي للفرد، وشرط جوهري لإنجاح التوطين، ورافعة اقتصادية واجتماعية للمملكة في رؤيتها المستقبلية .. وحين يصبح المواطن السعودي متمهناً بجدارة، لا موظفاً بالاسم، نكون قد بدأنا فعلاً لا قولاً بتوطين الوظائف من الجذر لا من القشر… ص 321. وفي الفصل الأخير تناول علم الإحصاء أداة للتخطيط لا للتجميل، قال: «الإحصاء ليس مجرد أرقام تجمع، بل هو منهج علمي يحكمه الصدق والدقة والموضوعية، بل يعد علم الإحصاء وأيضاً (علم الاحصاء الرياضي) كأحد أهم العلوم المتطورة في النصف الثاني من القرن العشرين، وزاد التعامل والاعتماد عليه لكونه أداة حقيقية ترشد متخذ القرار إلى الهدف المنشود بدقة ووضوح ... لكن ما يفسد هذه الأداة الفاعلة هو تسيس الأرقام أو تزييفها من قبل بعض الممارسين، حين يطلب بعض المسؤولين (رفع الأرقام جزافاً) فقط لتحسين الصورة أمام القيادة العليا دون اعتبار لمصداقيتها ..» ص 386 واختتم الكتاب بعرض موجز للتجربة الصينية «لأنها تمثل نموذجاً مذهلاً في دمج التقاليد العريقة بالقوة الانتاجية الحديثة، لم تفقد هويتها في خضم التقدم بل جعلت منه محور قوة للموارد البشرية الصينية بوجه عام، فالعامل الصيني لا يعمل فقط لأنه موظف، بل لأنه جزء من منظومة قيمية متجذرة في: - احترام الوقت. - التزام جماعي صارم - تناسق بين الطموح الفردي والمصلحة العامة ..» ص 401 و «سند 360 لیس برنامج تدريب عادياً .. بل رحلة عبور ذهني، الهدف ليس فقط اكتساب المهارة، بل استيراد النمط العقلي خلف المهارة .. بحيث يفهم الشاب السعودي: كيف يفكر العامل الصيني قبل أن يعمل؟، كيف تنظم خطوط الإنتاج من دون فوضى؟ كيف تبنى الثقة داخل الفريق؟ كيف تزرع الروح الجماعية في بيئة الأداء قبل المكافأة؟. ومن ثم العودة إلى الوطن: من الانبهار إلى التوطين. وقال إن (سند 360) هو اسم عربي أصيل، يوحي بالدعم والتمكين، وقال: اسم البرنامج المقترح: برنامج سند 360 للتدريب التعاوني الدولي في الصين. لتمكين الشباب السعودي من ممارسة التدريب العملي .. وتمكين 1000 شاب وشابة في المرحلة الأولى من التدريب العملي داخل المؤسسات الصينية وسوق العمل الصيني... والمستهدف خريجو الجامعات والكليات والمعاهد الصناعية والمهنية... إن نجاح جهود التوطين لا يتوقف على السياسات الحكومية وحدها، بل يتطلب منظومة تنموية متماسكة، تتشارك فيها الدولة والقطاع الخاص، والمؤسسات الأكاديمية، والمجتمع المدني والمواطن نفسه ضمن رؤية موحدة تُعلى من قيمة الإنسان، وتؤمن بدوره المركزي في التنمية. ص 412 تحية تقدير وإعجاب بأبي خلدون على هذا الجهد وهذا العمل الموجه إلى كل من يعنيه مستقبل سوق العمل، الباحث، وصانع القرار، والمهتم بالشأن التنموي، بوصفه محاولة جادة لفهم الواقع كما هو، والعمل على تحسينه بما يحقق مستهدفات التنمية بصورة أكثر واقعية واستدامة.. عرفت الدكتور حمد العقلا عندما كان يدرس في أمريكا وبعد عودته وعمله الجاد بمعهد الإدارة العامة ثم كلية التربية بحائل، ثم أمين عام المجلس العربي للطفولة والتنمية في القاهرة قبل 25 سنة وكان لي شرف حضور بعض الندوات التي كان ينظمها، أذكر منها: معالجة مشكلة (أطفال الشوارع) وندوة أخرى حضرتها بدعوة كريمة منه برفقة الراحل فهد العريفي، ثم عمله عميداً لكلية التقنية بحائل، ثم نائباً للمحافظ للتعليم والتدريب في المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني. وشهادتي به وله مجروحة، عرفته جاداً ومخلصاً ومتحمساً لتحقيق الهدف الذي يسعى إليه، وفقه الله لما فيه الخير للمجتمع.