وقفتُ عند حافة السرير، صغيرةً إلى درجة أن السرير بدا لي مرتفعًا كجدار. رأيت الطبيبة تثبّت قناع الأكسجين على فم جدتي وأنفها، بينما صدرها يعلو ويهبط كأنما يحمل شيئًا أثقل من الهواء. رغم أن البرد غدا أليفًا كأحد أفراد العائلة، إلا أنه ظلّ غريبًا على أصابعي؛ فلففتُ طرف الشرشف حول يدي مرة بعد مرة. ظننتُ في حينها أن الدفء شيء يمكن الإمساك به إذا شددت عليه بما يكفي. التفتُّ إلى النافذة المفتوحة. كان الضباب يمر قريبًا من الأرض، أبيضَ وخفيفًا، كحبالٍ متينةٍ انحلّت عقدتها في مكان بعيد وأخذت تنساب نحونا. يومها بدا لي أن جدتي تختنق في الغرفة، وأن الضباب الذي يعبر تحت النافذة ليس إلا أنفاسها التي أفلتت منها وضلّت طريق العودة إليها. لن يصدقني أحد حين أقول إنني قضيت تلك الليلة أغرف الضباب بكفّي. وقفتُ على رؤوس أصابعي عند النافذة، ألتقطه من الهواء وأحمله إلى سريرها مرارًا، ثم أدسّه عند وجهها كما تُعاد الأشياء الضائعة إلى أصحابها. تسرّب من بين أصابعي، لكن ما بقي منه كان يكفي ليصلح إيقاع أنفاسها. وحين فتحت جدتي عينيها، وعلى ملامحها هيئة غائب، سألتْ بنبرة سأم عن موقع اليوم من بقية الأيام. تباهيت أمامها بأنني من وجدت أنفاسها كلها وأعدتها إليها الليلة الماضية، ثم فتحت النافذة لأريها الدليل: سماءٌ شاحبة، لا ضباب يسيل فيها. *قاصة وروائية