العصبية الرقمية ..

الطريق الأقصر إلى تفكيك المجتمعات.

لم تعد الحروب الحديثة تُخاض على الحدود وحدها، و لا تُحسم بتفوق السلاح فحسب، بل أصبح وعي المجتمعات، و تماسكها الداخلي، أحد أهم ميادين الصراع في القرن الحادي و العشرين، فالدول التي تعجز القوى المعادية عن مواجهتها مباشرة، تسعى إلى إضعافها من الداخل، عبر إنهاك مجتمعها، و إثارة الانقسامات بين أبنائه، حتى تتحول طاقاتهم من البناء إلى الصراع، و من حماية الوطن إلى الانشغال ببعضهم بعضاً. ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس اختلاف الآراء، فالاختلاف سنة بشرية، و إنما انتقال هذا الاختلاف من دائرة الفكر إلى دائرة الهوية، بحيث يصبح الإنسان مؤيداً أو مرفوضاً لا بسبب قوة حجته، و إنما بسبب اسمه، أو قبيلته، أو منطقته، أو الفئة التي ينتمي إليها، و عند هذه اللحظة، يتراجع سلطان العقل، و يبدأ سلطان العصبية، و يصبح الانتماء بديلاً عن المنطق، و الاصطفاف بديلاً عن الحقيقة. و من هنا يبرز مفهوم «العصبية الرقمية»، و هي ليست ظاهرة جديدة في أصلها، و إنما صورة معاصرة لعصبية قديمة، أعادت المنصات الرقمية إنتاجها بصورة أكثر انتشاراً، و أكثر تأثيراً، فبعد أن كانت العصبية محصورة في مجالس محدودة، أصبحت اليوم تنتقل في ثوانٍ إلى آلاف الأشخاص، و تُضخمها الخوارزميات التي تكافئ المحتوى المثير للجدل، حتى يبدو الصوت المتطرف أعلى من الصوت العاقل، رغم أن الواقع قد يكون على خلاف ذلك. و من المهم التفريق بين الاعتزاز بالانتماء الاجتماعي، و هو أمر مشروع لا تعارضه قيم الدولة، و لا تعاليم الدين، و بين العصبية التي تجعل الانتماء معياراً للحكم على الناس، و تقديمهم أو تأخيرهم، و الوقوف معهم على الحق، و الباطل سواءً بسواء، فالقبيلة في المملكة العربية السعودية مكون اجتماعي أصيل، و تاريخ ممتد، و إرث يُعتز به، لكنها لم تكن يوماً بديلاً عن الهوية الوطنية الجامعة، و لم تقم الدولة السعودية على انتصار قبيلة على أخرى، و إنما قامت على جمع الجميع تحت راية واحدة، و وطن واحد، و قيادة واحدة. و تكمن خطورة العصبية الرقمية في أنها لا تُنتج مجرد خلافات عابرة، بل تعيد تشكيل وعي الأفراد بطريقة تجعلهم ينظرون إلى المجتمع باعتباره معسكرات متقابلة، لكل معسكر أبطاله، و خصومه، و حقيقته الخاصة، و عندما يحدث ذلك، يفقد الحوار وظيفته، لأن الهدف لم يعد الوصول إلى الحقيقة، بل الانتصار للجماعة، مهما كانت الوقائع، و مهما كانت الأدلة. و هنا تتحول بعض المساحات الصوتية، و بعض التجمعات الرقمية، إلى بيئات مغلقة، لا يُستقبل فيها الرأي لأنه صحيح، و لا يُرفض لأنه خاطئ، و إنما يُقبل أو يُرفض بحسب هوية قائله، و مع مرور الوقت، تتشكل دوائر من التصفيق المتبادل، و إعادة إنتاج الأفكار نفسها، حتى تنشأ حالة من الاستقطاب تجعل المختلف عدواً، لا مجرد صاحب رأي آخر. و هذه البيئة تمثل فرصة مثالية لكل من يريد الإضرار بالمجتمع، فالطابور الخامس الرقمي لا يشترط أن يهاجم الدولة بصورة مباشرة، بل يكفيه أن يزرع الشكوك بين المواطنين، و يغذي الانقسامات، و يحول التنوع الطبيعي إلى صراع دائم، فعندما ينشغل المجتمع بنفسه، يكون قد حقق للخصم ما عجز عن تحقيقه بالمواجهة المباشرة. و لهذا، فإن أخطر ما في العصبية الرقمية أنها قد تخدم أجندات خارجية، حتى و إن مارسها بعض الناس بحسن نية، فليس كل من يشارك في خطاب متعصب صاحب مشروع معادٍ، لكن كثيراً من الخطابات المنفعلة تصبح، من حيث لا يشعر أصحابها، وقوداً لمشروعات تستهدف إضعاف الثقة بين أبناء الوطن، و إشغالهم بخلافات جانبية لا رابح فيها. و من هذا المنطلق، جاء موقف الدولة واضحاً، و حازماً، حين أعلنت النيابة العامة قبل أيام إحالة عدد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى القضاء، بعد رصد مخالفات تضمنت إثارة العصبيات، و النعرات، و المحتوى المخالف للأنظمة، و هي رسالة تؤكد أن حماية السلم المجتمعي ليست مسؤولية أخلاقية فحسب، بل مسؤولية نظامية أيضاً، و أن حرية التعبير لا تمتد إلى كل ما يهدد وحدة المجتمع، أو يثير الفرقة بين أبنائه. إن المملكة العربية السعودية قدمت نموذجاً فريداً في بناء دولة حديثة احتضنت جميع مكوناتها الاجتماعية تحت مظلة المواطنة، و جعلت التنوع مصدر قوة، لا سبباً للتنازع، و من هنا، فإن المحافظة على اللحمة الوطنية ليست مجرد واجب وطني، بل هي دفاع عن أحد أعظم المنجزات التي قامت عليها هذه الدولة. و اليوم، تقع على عاتق كل صاحب قلم، و كل مغرد، و كل صانع محتوى، مسؤولية مضاعفة، فالكلمة لم تعد مجرد رأي عابر، بل أصبحت قادرة على البناء، كما هي قادرة على الهدم، و من يزرع الثقة بين أبناء الوطن يسهم في تعزيز أمنه، و استقراره، و من يوقظ العصبيات، أو يبررها، أو يغذيها، فإنه يفتح ثغرة في جدار الوطن، قد ينفذ منها من لا يريد لهذه البلاد إلا الفرقة، و الاضطراب. إن الدفاع عن الوطن لم يعد يقتصر على حماية حدوده، بل أصبح يبدأ أيضاً من حماية وعي مجتمعه، و صيانة وحدته، و ترسيخ مبدأ أن الهوية الوطنية هي المظلة الجامعة التي تسمو على كل انتماء فرعي، فحين يبقى الوطن هو الانتماء الأكبر، تبقى كل الانتماءات الأخرى مصدر ثراء، لا سبباً للانقسام، و يبقى المجتمع عصياً على كل من يحاول تفكيكه من الداخل.