حين يُستعاد تاريخ الحركة الثقافية في جازان، يحضر اسم حجاب الحازمي بوصفه أحد أبرز روادها، وأحد أكثر أبنائها إسهاماً في توثيق ذاكرتها الأدبية وصناعة حضورها الثقافي. فقد جمع بين الشاعر والباحث والمؤرخ، فامتدت تجربته عبر الشعر والدراسة والتوثيق، حتى غدا مرجعاً لكل من يتناول الحياة الأدبية في المنطقة. وفي مشروعه تتجاور حساسية المبدع مع دقة الباحث، ويقترن الشغف بالمعرفة بإحساس عميق بالمسؤولية تجاه المكان والإنسان. وُلد حجاب الحازمي عام 1944م في محافظة ضمد بمنطقة جازان، ونشأ في أسرة عرفت بالعلم والدين، وهو ما ترك أثراً واضحاً في تكوينه الفكري واللغوي. حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وتلقى علوم العربية في حلقات العلم، قبل أن يواصل تعليمه النظامي ويتخصص في اللغة العربية، لتبدأ رحلة طويلة في التعليم والبحث والكتابة، صنعت واحداً من أبرز الأسماء الثقافية في الجنوب. احتلت جازان مساحة واسعة في تجربته الإبداعية والفكرية، فلم يتعامل معها باعتبارها رقعة جغرافية فحسب، وإنما بوصفها ذاكرة نابضة بالحياة، ومصدراً للحكايات والتاريخ والشعر. انعكس ذلك في اهتمامه بتفاصيل المكان، ولهجاته، وموروثه الشعبي، وأعلامه الأدبيين، حتى أصبحت كتاباته سجلاً ثقافياً يضيء جوانب كثيرة من تاريخ المنطقة. ومن هذا الوعي بأهمية الذاكرة، انصرف إلى التوثيق، فأنجز عدداً من المؤلفات التي تحولت إلى مراجع أساسية، وفي مقدمتها كتابه «الشعر والشعراء في جازان خلال ثمانية قرون»، الذي يُعد من أهم الأعمال التوثيقية عن الحركة الشعرية في المنطقة، إذ أعاد قراءة تاريخها الأدبي، وأبرز أسماء وتجارب كان يمكن أن تتوارى مع الزمن. وامتدت اهتماماته إلى الشعر والمقالة والبحث التاريخي، فشارك في الأمسيات والملتقيات الثقافية داخل المملكة وخارجها، ممثلاً للأدب السعودي بروح المثقف المنفتح على الحوار. كما تولى رئاسة نادي جازان الأدبي لسنوات، وأسهم خلال تلك المرحلة في تنشيط الحراك الثقافي، واحتضان المواهب الشابة، وتعزيز حضور المنطقة في المشهد الثقافي السعودي. ومن السمات اللافتة في شخصيته قدرته على الجمع بين العمق الأكاديمي والقرب من المجتمع. فقد ظل منحازاً للناس وتفاصيل حياتهم، ورأى في الأدب وسيلة لحفظ الذاكرة الشعبية وتعزيز الانتماء للمكان. ولهذا جاءت أعماله نابضة بالحياة، تجمع بين المعلومة الموثقة وروح الكاتب الذي يعرف بيئته ويكتب عنها بمحبة صادقة. كما قدم نموذجاً للمثقف الذي يراكم منجزه بهدوء، ويؤمن بأن القيمة الحقيقية تصنعها المعرفة والعمل المستمر. لذلك حظي باحترام واسع في الوسط الثقافي، مستنداً إلى منجز علمي وأدبي راسخ، وإلى أخلاق ثقافية اتسمت بالتواضع والانفتاح والإيمان بالحوار. وعند التأمل في مجمل إنتاجه، يتضح أنه ينتمي إلى الجيل الذي أسهم في ترسيخ الحركة الثقافية السعودية الحديثة. فقد تعامل مع الكتابة بوصفها مسؤولية معرفية ووطنية، فخرجت أعماله بعيدة عن اللحظة العابرة، محتفظة بقيمتها لدى الباحثين والقراء على حد سواء. ولم يكن اهتمامه بالتوثيق عملاً أكاديمياً مجرداً، وإنما كان تعبيراً عن وفاء عميق لجازان وتاريخها الأدبي. أدرك مبكراً أن التجارب الإنسانية والأدبية معرضة للنسيان إذا لم تجد من يجمعها ويحققها ويقدمها للأجيال، فكرس جانباً مهماً من حياته لهذه المهمة، جامعاً بين دقة المؤرخ وشفافية الشاعر، حتى استحق مكانته بوصفه أحد أبرز حفظة الذاكرة الثقافية في الجنوب. يبقى حجاب الحازمي واحداً من الأسماء التي تركت بعداً ممتداً في الثقافة السعودية، بما أنجزه من شعر، وما وثقه من تاريخ، وما غرسه من وعي بقيمة المكان والهوية. وستظل كتبه شاهدة على مشروع ثقافي آمن بأن الأدب يحفظ الأمم كما تحفظها الوثائق، وأن المعرفة حين تقترن بالإخلاص تتحول إلى بصمة تبقى في الذاكرة، وتمنح الأجيال القادمة نافذة تطل منها على تاريخها الثقافي. (*) كاتب وصحافي سعودي