في زمن التحولات السريعة والتحديات الكبرى، تتجدد الحاجة إلى صوت العقل، وإلى ذاك الكائن المختلف الذي لا يملك إلا الكلمة سلاحًا، ولا يملك من النفوذ سوى ما يمنحه له ضميره ويخطه قلمه : إنه المثقف. المثقف ذاك الذي لا يكتفي بأن يكون شاهدًا على العصر، بل يسعى لأن يكون أحد صُانعي احداثه، همّه أن يطرح الأسئلة قبل أن يُجيب، وأن ينير الدروب المعتمة أمام الناس، لا أن يتوه معهم في العتمة. يرى كارل ماركس أن ثمة صلات عميقة بين الفكر والواقع، وبين الوعي والفعل، مؤكدًا أن دور المثقفين والفلاسفة لا ينبغي أن يقتصر على تفسير العالم، بل أن يمتد لتطويره ، كما قال في عبارته الشهيرة: “إنّ الأفكار لا تتحوّل إلى قوة مادية إلا حين تمتلكها الجماهير.” وهذا بالضبط هو الدور المنوط بالمثقف ؛ أن يسعى لمخاطبة الفرد العادي، وأن يساهم في بناء وعي جمعي من خلال التثقيف وطرح الأفكار البنّاءة، بعيدا عن التنظير فالثقافة لم تكن يوما ما ترفًا، بل هي رأسمالًا معرفيً، يمنح صاحبه مكانة اجتماعية تتغير باختلاف البيئة والمجتمع. منذ القدم عندما كانت المجتمعات الأمية، قديما تحتكرها قلة من “النخبة”تمتلك المعرفة ، يصبحون أصحاب امتيازات، ويُعاد إنتاج الفجوة بين من يملك المعرفة ومن يجهلها. وان كان أدى هذا الاحتكار احيانا إلى استغلال بشع للمعرفة، كما حدث مع الكهنة والعرافين، أو فلاسفة أثينا، و رهبان أوروبا في القرون الوسطى، الذين قدموا أنفسهم كوسطاء بين الناس والإله، واحتكروا المعرفة وتفسير النصوص الدينية، واستخدموا معرفتهم لخدمة المحيطين بهم وخدمة مصالحهم الشخصية . ( هذا النمط من السلطة الاحتكارية للمعرفة تلاشى تدريجيًا مع انتشار التعليم، وثورة المعلومات، وسهولة تناقل المعرفة التي تدرّج بها الإنسان من مرحلة الإيمان بالأساطير والخرافات، الى تداول الحقيقة و إلى الفلسفة، وطرح الاسئلة ثم إلى التجريب والاختبار والبرهان، وسهولة الوصول للمعلومة حتى أصبح بالأمكان اليوم التقاط المعلومة بضغطة زر من على لوحة مفاتيح . المفكر عبدالإله بلقزيز في كتابه “نهاية الداعية”، يرى ان المثقف يتشكل ضمن ثلاثة محددات: •رأسماله المعرفي •المجتمع الذي يعيش فيه •والسلطة التي تراقب وتؤثر ويتكئ المثقف العربي على تيارين فكريين أساسيين يشكلان هويته الثقافية: الاول تيار أصولي يستمد رؤاه من الموروث العربي والإسلامي بجميع تشعباته (سلفي/تقليدي). والثاني تيار حداثي يستند إلى الإنتاج الفكري والثقافي الغربي (حداثي/عقلاني). وبحسب مدى انتماء المثقف أو انجذابه لأي من التيارين، تتحدد شخصيتة وهويته ونتاجه الأدبي والثقافي : فهو إما مثقف شعبوي يوجّه نتاجه إلى العامة. أو مثقف نخبوي يخاطب النخبة الثقافية والسياسية والاجتماعية. يقول بلقزيز واصفًا المثقف: “هو فقيه الحاكم، ونبيّ المحكوم، حسام الخليفة ودرع الخليقة، حارس الحضرة الشريفة، والفارس العضوي للحقيقة.” إن رسالة المثقف في مجملها ليست رفاهية فكرية، بل عبء ومسؤولية. فهو مطالب بأن يكون لسان حال مجتمعه يعبر ويناقش قضاياه ، لا أن يتحول إلى صدى لثقافات الآخرين. وأن يعيد تشكيل الأفكار بروح نقدية تستند إلى الوعي، لا الانبهار. فالمثقف الحق لا ينتمي لتيار بعينه، بل ينتمي للحقيقة، للحرية، للإنسان. وإذا فقد المثقف صوته وهويته تحت أي ظرف، فلا يبقى من رسالته سوى العنوان.