كاتبة وباحثة عمانية تخصصت في اللسانيات وتحليل الخطاب ..
د. غالية الزبيدي : دراسة الخطاب القرآني علمتني أن قوة النص تكمن في الصدق لا في التعقيد .
حاورها : زهير بن جمعة الغزال - الاحساء في المشهد الثقافي العربي، تبرز بعض الأصوات التي لا تنشغل بالكتابة بوصفها فعلًا إبداعيا عابرا، بل باعتبارها مشروعا فكريا وجماليا يسعى إلى ترك أثرٍ ممتد في الوعي والوجدان، ومن بين هذه الأصوات تأتي الدكتورة غالية بنت عيسى الزبيدي، الشاعرة والكاتبة والباحثة في اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب من سلطنة عمان، التي نجحت عبر تجربتها المتنوعة في الجمع بين الحس الأدبي العميق، والاشتغال الأكاديمي الرصين، والحضور الفاعل في المشهد الثقافي والإعلامي. في هذا الحوار، نقترب من عوالمها الفكرية والإبداعية، ونتوقف عند تجربتها الشعرية الممتدة، ورؤيتها للعلاقة بين الأدب والأثر، وانعكاسات دراستها الأكاديمية المتخصصة في تحليل الخطاب والبلاغة على تجربتها الكتابية، إلى جانب حديثها عن تجربة السرد، والعمل الثقافي، وأهمية أن تتحول الكلمة من مجرد نص مكتوب إلى فعل حي يترك أثره الحقيقي في الإنسان والحياة، انطلاقًا من قناعتها الراسخة بأن الأدب الحقيقي لا يُقاس بلحظة التصفيق، وإنما بما يبقى بعد أن ينتهي الصدى. تمتلكين تجربة شعرية تمتد لسنوات طويلة، كيف تنظرين اليوم إلى الشعر، وما الذي تغير في علاقتك به؟ كلما تقدمت بي التجربة، ازددت اقتناعًا بأن الشعر ليس ما نكتبه، بل ما يتركه فينا من أثر. في بداياتي كنت أكتب بدافع الدهشة والانفعال، أما اليوم فأكتب بدافع التأمل. ولم يعد الشعر بالنسبة إليَّ مجرد وسيلة للتعبير عن المشاعر، بل أصبح وسيلة لفهم الإنسان، ومساءلة الحياة، وإعادة اكتشاف التفاصيل التي تمر أمامنا كل يوم دون أن ننتبه إليها. وأعتقد أن القصيدة الحقيقية لا تُقاس بعدد الصور البلاغية أو براعة الصياغة، وإنما بقدرتها على ملامسة وجدان القارئ. فاللغة الجميلة وحدها لا تكفي، إذا لم تحمل فكرة، أو رؤية، أو سؤالًا يظل عالقًا في الذهن بعد انتهاء القراءة. ولهذا أصبحت أكثر ميلًا إلى كتابة النص الذي يعيش طويلًا، وليس النص الذي يحصد إعجابًا سريعًا. فالإبداع الحقيقي، في تقديري، هو ذلك الذي يبقى أثره في الذاكرة، وليس الذي يكتفي بإبهار اللحظة. تناولتِ في دراستك للدكتوراه الخطاب الوجداني في القرآن الكريم. ما الذي أضافته هذه الدراسة إلى رؤيتك للغة والأدب؟ كانت دراستي في الخطاب الوجداني في القرآن الكريم رحلة علمية وإنسانية في آن واحد؛ لأنها كشفت لي كيف يخاطب القرآن الوجدان الإنساني بأرقى الأساليب البلاغية، دون أن يفصل بين العقل والعاطفة. فالخطاب القرآني لا يعتمد على الإقناع العقلي وحده، ولا على التأثير الوجداني وحده، وإنما يبني علاقة متوازنة بين الفكر والشعور، بحيث يصبح المعنى أكثر رسوخًا في النفس. ومن خلال البحث، لفتني التنوع المدهش في الوسائل البلاغية التي تُحرك المشاعر؛ كالتصوير البياني، والإيقاع الصوتي، ودقة اختيار المفردة، والانتقال بين الترغيب والترهيب، واستحضار المشاهد الحية، والحوار، والاستفهام، والنداء، والتكرار الذي يؤدي وظيفة شعورية، وليس مجرد وظيفة لفظية. وكل ذلك يأتي في سياق يخدم المعنى، ويجعل التأثير نابعًا من انسجام البناء اللغوي مع المقصد البلاغي. هذه الدراسة جعلتني أكثر وعيًا بأن البلاغة ليست زينة تُضاف إلى النص، وإنما هي الطريقة التي يتحول بها المعنى إلى تجربة شعورية يعيشها المتلقي. ولذلك انعكس هذا الفهم على كتابتي؛ فأصبحت أكثر اهتمامًا بطاقة الكلمة، وبالإيقاع الداخلي للنص، وبأن يكون لكل صورة أو استعارة وظيفة دلالية و حضور جمالي. وأحسب أن أعظم ما تعلمته من البلاغة القرآنية هو أن قوة النص لا تكمن في تعقيده، بل في صدقه، وفي قدرته على أن يصل إلى القلب والعقل في آنٍ واحد. فزتِ بجائزة “سرد الذهب” في دورتها الثالثة لعام 2026، التي ينظمها مركز أبوظبي للغة العربية. ماذا يعني لك هذا التتويج؟ كان الفوز بجائزة “سرد الذهب” لحظة أعتز بها كثيرًا، ليس لأنها جائزة فحسب، بل لأنها صادرة عن مركز أبوظبي للغة العربية، وهو مؤسسة ثقافية عربية لها دور بارز في رعاية اللغة العربية وتشجيع الإبداع السردي. لذلك شعرت أن هذا التكريم يحمل قيمة معنوية كبيرة، لأنه يأتي من جهة تؤمن بأن الأدب أحد أهم روافد النهضة الثقافية. وفي الوقت نفسه، لا أرى الجوائز بوصفها خط النهاية، بل أعتبرها بدايةً لمسؤولية أكبر.أكب، فالكاتب بعد كل تكريم يصبح مطالبًا بأن يكون أكثر صدقًا مع مشروعه، وأكثر حرصًا على تطوير أدواته، وألا يقع في فخ تكرار نفسه أو الكتابة من أجل الجوائز. وأؤمن بأن أجمل ما يمكن أن يحققه الكاتب هو أن يجد قارئًا يعود إلى نصوصه بعد سنوات، ويشعر أنها ما زالت قادرة على التأثير فيه. فالنص الذي يعيش في وجدان الناس أطول عمرًا من أي جائزة، والكتابة التي تصنع أثرًا هي التي تستحق أن تُكتب. إلى جانب الشعر، اتجهتِ إلى كتابة القصة. ما الذي وجدته في السرد ولم تجديه في القصيدة؟ الشعر والقصة عالمان مختلفان، لكنهما يلتقيان عند الإنسان. في الشعر أكتب اللحظة المكثفة؛ لحظة الشعور الخالص التي تحتمل الإيحاء أكثر مما تحتمل الشرح. أما في القصة، فأجد فسحة لبناء الشخصيات، واستكشاف دواخلها، وتتبع تحولات الزمن، ونسج العلاقات الإنسانية بتفاصيلها الدقيقة. وقد أغراني السرد لأنه يمنح الكاتب مساحة للتأمل في المجتمع، ويتيح له أن يناقش القضايا الإنسانية من خلال الحكاية، وليس من خلال الوعظ المباشر. لذلك أحرص في كتابتي القصصية على أن تكون الشخصيات قريبة من الواقع، وأن تحمل الحكاية أكثر من مستوى للقراءة، بحيث يجد كل قارئ فيها ما يلامس تجربته الخاصة. وأعتقد أن انتقال الكاتب بين الأجناس الأدبية يثري أدواته، ويمنحه مرونة أكبر في التعبير، ما دام يحافظ على صوته الخاص وهويته الإبداعية. جمعتِ بين الأدب، والعمل الثقافي، والإعلام، والصحافة. كيف أسهم هذا التنوع في تشكيل تجربتك؟ أشعر أن هذه المجالات لم تكن متفرقة في تجربتي، بل كانت تتكامل بصورة طبيعية. فالأدب منحني الحس الجمالي، والصحافة علمتني الانضباط والدقة، والإعلام أكسبني القدرة على مخاطبة الجمهور بلغة واضحة ومؤثرة، أما العمل الثقافي فقد جعلني أكثر قربًا من الحراك الفكري والإبداعي، ومن هموم الكتّاب والمبدعين. كما أن العمل في المؤسسات الثقافية والإعلامية جعلني أؤمن بأن الثقافة ليست نشاطًا نخبوياً، وإنما مشروع مجتمعي يلامس التعليم، والهوية، والإعلام، والتنمية. ومن هنا أصبحت أرى أن مسؤولية الكاتب لا تقتصر على إنتاج النص، بل تمتد إلى الإسهام في صناعة المشهد الثقافي، ودعم المبادرات النوعية، وفتح مساحات للحوار والتفكير. في النهاية، أنا أؤمن أن الكلمة لا تكتمل قيمتها بمجرد نشرها، وإنما تكتمل حين تتحول إلى وعي، أو فكرة، أو مبادرة، أو أثر يبقى في حياة الناس. وهذا هو المعنى الذي أسعى إليه في كل ما أكتب.