في كرة القدم، اعتدنا أن تلاحق الكاميرات الكرة، فهي بطل المشهد الظاهر. لكن المباراة الحقيقية كثيرًا ما تُحسم بعيدًا عنها؛ في لاعب يركض إلى مساحة خالية، أو يتراجع خطوة، أو يتوقف لثانية، أو يقرأ ما سيحدث قبل أن يحدث. في إحدى مباريات كأس العالم الأخيرة، لفت انتباهي هدف النرويج الأول أمام البرازيل. لم يكن أكثر ما شدني التسديدة، ولا التمريرة الأخيرة رغم جمالها، بل الحركة التي قام بها إيرلينغ هالاند قبل وصول الكرة إليه. تحرك مبكرًا إلى المكان الذي ستصل إليه الكرة، لا إلى المكان الذي كانت فيه. قرأ المشهد كاملًا قبل الجميع، بينما كان معظم المدافعين منشغلين بردة الفعل على ما يحدث أمامهم. هذه المهارة الكروية تمثل نموذجًا ذهنيًا نحتاجه داخل الشركات، خصوصًا تلك التي ما زالت تقيس قيمة الموظف بعدد الاجتماعات التي يحضرها، أو بعدد الرسائل التي يرسلها، أو بساعات بقائه في المكتب. أصبح الانشغال معيارًا غير معلن للإنتاجية، حتى بات الموظف الذي لا يرفع رأسه عن شاشة الحاسب يبدو أكثر قيمة من زميله الذي يجلس دقائق يفكر في حل قد يوفر على الشركة مئات الساعات من العمل. ويغيب عنها أن القيمة لا يصنعها دائمًا الأكثر حركة، وإنما الأكثر فهمًا، وأن هناك فرقًا كبيرًا بين من يتحرك كثيرًا، ومن يتحرك في الاتجاه الصحيح. المنظمات الناجحة تقوم على أصحاب المهارات، وأصحاب الجهود العالية، لكنها تحتاج أيضًا إلى أصحاب الذكاء السياقي؛ أولئك الذين يقرؤون الأنماط، ويربطون بين الأحداث، ويستبقون المشكلات قبل وقوعها، ولا يكتفون بتنفيذ الإجراءات. هم من يساعدون على تحديد الاتجاه، ويسائلون الإجراءات، ويعيدون التفكير فيها، ويفهمون الغاية قبل الوسيلة، ولا ينتظرون التعليمات في كل مرة. قد يكون ذلك الشخص الهادئ الذي يطرح سؤالًا واحدًا يغيّر مسار المشروع بأكمله، أو يقترح تعديلًا بسيطًا يوفر ملايين الريالات على مدى سنوات. وليس بالضرورة أن يكون الأكثر شهادات، أو الأعلى صوتًا في الاجتماعات، وبالتأكيد قد لا يكون ممن يحضرون قبل موعد العمل بساعة ويغادرون بعد انتهائه بساعة. وجود هؤلاء داخل المنظومة ضرورة استراتيجية، ومورد مهم للاستدامة. ولكن، كيف تنتج المؤسسات موظفين بهذه العقلية، أو بالأحرى، كيف تهيئ الظروف المناسبة للاستفادة من نقاط قوتهم؟ في كثير من بيئات العمل، أصبح الفراغ تهمة. إذا لم يكن الموظف منشغلًا طوال الوقت، فهناك من يعتقد أنه لا يعمل. لذلك تُملأ الجداول بالاجتماعات، وتمتلئ الساعات بالمهام، حتى تختفي المساحة الوحيدة التي يمكن أن تولد فيها الأفكار، مع أن أعظم الحلول الإدارية لا تولد أثناء الانشغال، بل أثناء التأمل. العقل يحتاج إلى مساحة يعيد فيها ترتيب المعلومات، ويربط بين التجارب، ويختبر الاحتمالات. الموظف الذي لا يجد دقيقة واحدة للتفكير سيبقى منفذًا جيدًا، لكنه نادرًا ما يصبح مبتكرًا. ولهذا بدأت كثير من الشركات العالمية تنظر إلى وقت التفكير باعتباره استثمارًا، وجزءًا مهمًا من وقت الموظف، لا وقتًا ضائعًا. وبالإضافة إلى عامل الوقت، قد يمتلك الموظف أفضل فكرة، ثم يقرر الاحتفاظ بها لنفسه. ليس لأنه بخيل بها، وإنما لأنه لا يشعر أن أحدًا سيستمع، أو لأنه يخشى أن تُرفض، أو تُنسب لغيره، أو تُقابل بالسخرية. وهنا يتحول الذكاء إلى طاقة معطلة. يبدأ تمكين الموظفين بتفويض الصلاحيات، وبإقناعهم بقيمة صوتهم. عندما يشعر الموظف أن فكرته ستُناقش بجدية، وأن اقتراحه قد يتحول إلى مشروع، فإنه يبدأ بالنظر إلى المؤسسة بعين مختلفة. لم يعد مجرد منفذ، بل أصبح شريكًا في صناعة المستقبل، وهنا يتولد الدافع الأهم الذي لا يمكن شراؤه بالرواتب والحوافز، وأعني الانتماء. حين يحب الموظف المكان، يعمل من أجل نجاح المؤسسة نفسها. يبدأ في ملاحظة التفاصيل التي لا يطلبها منه أحد، ويبحث عن فرص التحسين دون تكليف، ويشعر بالقلق على نتائج الشركة كما يقلق على نجاحه الشخصي، عوضًا عن الاكتفاء بتنفيذ التعليمات وانتظار انتهاء وقت الدوام. الانتماء هو الوقود الذي يحول الأفكار إلى مبادرات. ولهذا فإن المؤسسات التي تنجح في بناء علاقة إنسانية مع موظفيها، وتحترم مساهماتهم، وتمنحهم الثقة، تحصل على ما هو أثمن من الالتزام الوظيفي؛ تحصل على عقول تعمل حتى عندما لا يطلب منها أحد ذلك، وتضع مصلحة الكيان نصب عينيها، وتتذكره في كل فكرة عابرة، وفي كل فرصة تحسين. ربما لهذا السبب لا أتذكر هدف هالاند بقدر ما أتذكر حركته قبل الهدف. فالكرة دخلت الشباك في لحظة، أما الهدف الحقيقي فقد صُنع قبلها بثوانٍ، عندما قرأ لاعب واحد المشهد بطريقة مختلفة. لاعب كان يمشي قبل الهدف بطريقة لو عكسناها على بيئات العمل وطريقة إدارة كثير من المؤسسات، لربما اتُّخذ قرار بإنهاء عقده قبل أن يسجل الهدف الأهم. وفي الشركات أيضًا، كثير من الإنجازات لا تبدأ عند التنفيذ، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ عندما يجد موظف ذكي مساحة للتفكير، وبيئة تؤمن بفكرته، ومكانًا يشعر أنه ينتمي إليه. هناك فقط، تتحول الحركة الصحيحة إلى هدف، وإلى نجاح يصعب على المنافسين اللحاق به. * مستشار موارد بشرية / مدير تنفيذي