عوالم إنسانية لم يقترب منها صُنّاع السينما..

لماذا تغيب قصص البحارة عن الشاشات؟

الإبداع فكرة، والأفكار تتوارى، وربما احتجنا إلى من يشير إليها لكي نتنبه لها. لذا كان من الملفت، وأنا أقرأ مقالًا للناقدة السينمائية سهى الوعل ضمن كتابها المعنون بـ«كلمتين و١/٢ سينما » والذي تضمن قراءات صحفية رافقت المرحلة الأهم في تاريخ السينما (من العام 2017 حتّى 2023م)، حيث أشارت أن صُنّاع الأفلام السينمائية كثيرًا ما يتسابقون إلى فكرة ما ؛ فما إن تنجح فكرة حتى يسارع الجميع إلى تقليدها، إلى أن يملّها المشاهد، فيبدؤون بالبحث عن فكرة أخرى يتسابقون للعمل عليها. فما بين الطلاق، والعنوسة، والفقر، والعشوائيات، والإرهاب، والابتعاث، لم نعد نرى الأفلام تطير بنا إلى آفاق جديدة، رغم ثراء المجتمع بالمعطيات التي يمكن استثمارها فنيًا على نطاق واسع؛ إذ يتميز كل جزء من المملكة بحكاية وتاريخ وهوية. وتقول الكاتبة إن موسم الحج، على سبيل المثال، أحد تلك الموضوعات التي لم تُستغل سينمائيًا كما ينبغي، رغم آلاف القصص التي يمكن أن تتحول إلى أعمال روائية، لا أعتقد أنها قد حدثت في مكان آخر وهنا أتفق مع الكاتبة فيما ذهبت إليه، وأشير أيضاً إلى ملمح ثري بمخزونه القصصي وتسلسل أحداثه؛ جانبٌ حمل على عاتقه تاريخًا طويلًا يمكن أن يُصاغ في سياقات سينمائية متعددة، تختلط فيها المشاعر بين الحزن والفرح، والفراق واللقاء، والهول والدهشة، والخوف والصبر والأمل. إنه عالم قصص البحر والبحارة، وعلى وجه الخصوص ما حملته ذاكرة الآباء والأجداد على امتداد ساحلي البحر الأحمر والخليج العربي من قصص صاحبت جولاتهم من أجل التبادل التجاري. تلك القصص التي لا تزال حاضرة في نفوس أصحابها، حاملةً مشاعر توديع الأهالي لذويهم، وعذابات الانتظار الممزوجة بأمل العودة، وقصص المغامرة التي خاضتها السنابيك في رحلات محفوفة بالمخاطر، حيث البحر ومتاهاته، وهو كما قيل عنه: «الداخل فيه مفقود، والخارج منه مولود». الشعاب والجزر، والعواصف والأمطار، والفواجع؛ فجيعة أن يفقد البحارة على متن السفينة رفيقًا كان قبل لحظات إلى جوارهم، فيتحول حضوره إلى ذكرى، وصوته إلى صدى بعيد في ذاكرة الرحلة. كلها عوالم إنسانية ثرية لم يتسنَّ لصُنّاع السينما، أو لغيرهم، الاقتراب منها بما تستحقه من اهتمام. ولا تكاد الذاكرة تحتفظ إلا بالنزر اليسير منها، على غرار فيلم «بس يا بحر»، الذي أُنتج عام 1972م، ويتناول حياة صيادي اللؤلؤ. كما أن المواقع التي مرّ بها البحارة، من مصوع إلى السويس، ومن صنافير وتيران إلى العقبة وبور سودان، تحمل في طياتها حكايات جديرة بأن تُروى، وتجارب إنسانية تستحق أن تُستحضر على الشاشة. بل إن أحداثًا تاريخية كثيرة تقاطعت مع هذه القصص، فاكتسبت شيئًا من هذا الحدث أو ذاك، وطبعت في الذاكرة صورًا تختزل جانبًا مهمًا من تاريخ الأماكن على امتداد الساحل والمنطقة بأسرها. فهل يحين يومٌ من الأيام لنرى هذه الحكايات واقعًا نابضًا على شاشات التلفاز والسينما، فتخرج من ذاكرة الرواة إلى فضاء الصورة، ومن صفحات التاريخ إلى وجدان المشاهد؟