السعودية... عندما يصبح الخيال واقعًا

لم أختر عنوان هذا المقال من باب المبالغة، بل لأن ما عشته على هذه الأرض جعلني أؤمن أن بعض ما نعدّه خيالًا يمكن أن يصبح واقعًا. في أحد الأيام، وبينما كنت أقود سيارتي مساء على طريق خريص، أحد أكثر الطرق ازدحامًا في مدينة الرياض، تعرضت لنوبة إغماء مفاجئة استمرت بضع دقائق. وعند عودتي إلى الوعي، وجدت نفسي سليمًا داخل سيارتي، خارج الطريق من لطف الله علي. اتصلت بالإسعاف، ولم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى وصلت سيارة الإسعاف، ترافقها دورية المرور. منذ اللحظة الأولى شعرت بكل الاهتمام والرعاية. كان أفراد الإسعاف يعملون باحترافية عالية، وتفان غير محدود بينما ظل رجل المرور إلى جواري، يطمئن عليّ ويهتم بحالتي النفسية، ولم يغادر الموقع حتى حضر أحد أقاربي، وساعده في إبعاد السيارة عن الطريق، مودعًا إياي بدعوات صادقة بالشفاء. بعد ذلك نُقلت إلى مستشفى الملك خالد الجامعي، وهناك بدأت رحلة أخرى من الإعجاب. فقد استقبلني الطاقم الطبي بكل حفاوة واهتمام، وأُجريت لي جميع الفحوصات اللازمة لمعرفة سبب فقدان الوعي، على أيدي أطباء سعوديين يجمعون بين العلم والخبرة والإنسانية. اقل ما يقال عنهم رسل محبة وطمانينة ،كانت ابتسامتهم، وحرصهم على شرح كل خطوة علاجية، جزءًا من العلاج نفسه. وخلال فترة تنويمي، لم أجد إلا الاحترام والتقدير من جميع العاملين في المستشفى؛ من الأطباء والممرضين والإداريين. ولم يسألني أحد سوى عن هويتي لفتح الملف الطبي والبدء في العلاج فورًا، في مشهد يجسد كفاءة النظام الصحي وسلاسة إجراءاته. إن هذا التكامل بين أجهزة المرور والإسعاف والمنشآت الصحية، وهذه الروح التي يعمل بها الجميع كفريق واحد، ليست وليدة الصدفة، بل هي ثمرة رؤية وجهود متواصلة لبناء دولة جعلت الإنسان محور اهتمامها، حتى أصبحت نموذجًا عالميًا في جودة الخدمات الطبية والإنسانية. ولا أكتب هذه الكلمات مجاملة، وإنما شهادة حق أرويها كما عشتها. فأنا أقيم في هذا البلد منذ أكثر من عشرين عامًا، ولم أجد فيه إلا المحبة والاحترام والتقدير، ولم أشعر يومًا أنني غريب عن وطني السودان. لقد احتضنتني المملكة كما تحتضن أبناءها، ومنحتني شعورًا بالأمن والانتماء، وهو شعور لا يُقدَّر بثمن. أسأل الله أن يديم على المملكة العربية السعودية أمنها واستقرارها ورخاءها، وأن يحفظ قيادتها وشعبها، وأن يبارك في كل من يسهم في خدمة الإنسان على هذه الأرض الطيبة. وأقول لكل مواطن سعودي: ازدد فخرا بوطنك، واملأ كل جوارحك بالاعتزاز كونك تنتمي لهذا البلد العظيم المعطاة، واسعد بما تحقق فيه من إنجازات، وحافظ على هذه النعمة العظيمة، فالأوطان لا تُبنى إلا بسواعد أبنائها، ولا تستمر نهضتها الا باخلاصهم ووفائهم لها . *القسم السياسي بسفارة سلطنة عمان بالرياض