ترجمة تتجاوز السيرة
ترجمة الشخصيات في عالم الأدب تختلف عن أسلوب الكتابة فيما يسمى السيرة الذاتية، التي عادة ما يتقدم فيها الإنسان للحصول على وظيفة أو يعرّف بها بنفسه. في عالم الأدب نحتاج أن نقترب أكثر من شخصية الإنسان، سواء كان شخصية معروفة أو شخصية عامة، لكنها تركت في بعدها الإنساني والاجتماعي أثرًا يصعب تجاهله. وحين نتحدث عن سيرة أديب أو شاعر أو فنان شغل منصبًا مرموقًا، ماذا يضيف أن نتحدث عن المواقع التي شغلها والامتيازات التي حصل عليها؟ وهذه الأشياء لا نغفل أهميتها، لكن لها مكانها وسياقها في دفتر السيرة الذاتية. في عالم الأدب نحتاج، كما يقول صديقي نايف فلاح، أن نقرأ الشخصية بمختلف انفعالاتها، وأن نسبر أغوارها ونترجم لها كما عرفناها وعشنا معها في مواقفها وانفعالاتها المختلفة، يعني نقترب من سيرته الإنسانية وعلاقته مع الناس وما مثلته تلك المواقف لنا وكيف تفاعلنا معها، أكثر من سرد تلك الأشياء المعروفة عنه أو الاكتفاء بها. وحين أتأمل حديث صديقي فلاح، أجدنا بالفعل فرّطنا في ترجمة الكثير من الشخصيات الاجتماعية التي مرت بنا ولم نحكِ عنها كما عرفناها لا كما هو معلوم عنها، كما نفعل حين نقدم ملفاتنا لطلب وظيفة، أو حين يضع كاتب سيرته الذاتية نهاية فصول الكتاب أو على غلافه الخارجي إلى جانب صورته الشخصية. التعريف بالشخصيات والأماكن فنٌّ له أهله، لذلك نجح عدد من المؤلفات في النفاذ بنا إلى داخل مكنونات تلك الشخصيات، وتعرّفنا على عالمها أكثر، من بينها كتاب “شباك الذكريات” للكاتب علي حسون، الذي تناول فيه شخصيات اجتماعية وفكرية في المدينة المنورة، وكانت له علاقة معهم. استمتعت بقراءة الكتاب، ولاحظت كيف تمكن حسون من الاقتراب من عالم تلك الشخصيات البسيط، رغم ما يمثله بعضهم من ثقل إداري وقيادي. بالنسبة لي كصحفي، اشتهر هذا النوع من الكتابة فيما يسمى بـ”فن البورتريه” أو “البروفايل الصحفي”، الذي يقترب من الشخصية بسرد إنساني، لا بشكل جاف يقتصر على محطاتها الحياتية. عاشرنا الكثير من الشخصيات الثرية التي تستحق أن نترجم عنها، لا أن نكتفي بما هو مدوّن في سيرتها الذاتية. فالمنصب يُنسى برحيل صاحبه، أما الأثر فهو الجدير بأن يُروى، وذلك لا يعني تقليلًا من عطائه المهني ومنجزاته.