تشهد الساحة الثقافية والفنية في المملكة العربية السعودية حراكاً استثنائياً غير مسبوق، حيث لم تعد السينما مجرد هواية تجمع الشغوفين، بل تحولت إلى قطاع استثماري واعد واقتصاد إبداعي متكامل يسهم في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030م. ولعل القراءة الفاحصة لواقع المشهد السينمائي المحلي المعاصر تكشف عن أرقام مذهلة؛ إذ تشير الإحصاءات الرسمية لعام 2025م الصادرة عن هيئة الأفلام السعودية إلى أن إيرادات الأفلام السعودية المعروضة تجارياً في دور السينما بلغت 122.6 مليون ريال سعودي، لتستحوذ على حصة سوقية بلغت 13% من إجمالي إيرادات شباك التذاكر الإجمالي بالمملكة. والمثير للدهشة أن هذه النسبة المعتبرة تحققت عبر مبيعات تذاكر تجاوزت 2.8 مليون تذكرة للأعمال المحلية وحدها، بالرغم من أن الفيلم السعودي لم يشكّل سوى 2% فقط من إجمالي عدد الأفلام الأجنبية والعالمية المعروضة بالمملكة والتي بلغت 538 فيلماً. النواة الإحصائية: قراءة بلغة الأرقام في مسيرة التأسيس إذا أردنا قراءة مسيرة السينما السعودية عبر نافذة المهرجان بلغة رقمية مجردة، فإننا نلحظ نمواً تصاعدياً حاداً يعكس بوضوح اتساع رقعة الشغف والإنتاج. فعندما انطلقت الدورة الأولى والافتتاحية للمهرجان في عام 2008م بتنظيم من الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بالدمام، كان إجمالي الأعمال المشاركة لا يتعدى 44 فيلماً وسيناريو، تنافست بخجل في فئات السيناريو والأفلام الروائية والوثائقية القصيرة. وبعد توقف اضطراري دام سبع سنوات، عاد المهرجان بقوة في دورته الثانية عام 2015م، ليسجل قفزة رقمية نوعية بنسبة نمو تجاوزت 100%؛ حيث استقبل المهرجان واحتفى بـ 104 أفلام وسيناريو قادمة من جميع مناطق المملكة. تميزت تلك الدورة باستحداث “مسابقة أفلام الطلبة” التي شهدت تفوقاً ملحوظاً للشباب، وخصصت لجان التحكيم جوائز ومنحاً مالية بلغت قيمتها 180 ألف ريال سعودي جرى توزيعها على الفائزين لدعم مشاريعهم السينمائية القادمة. الدورة الثانية (2015م): منجزات حفرت في الصخر بالعودة إلى الدورة الثانية التي شكلت الجسر الحقيقي لسينما اليوم، نجد أنها حققت مكتسبات معنوية وفنية بالغة الأهمية رغم الظروف البيئية الصعبة التي سبقت افتتاح صالات العرض السينمائي تجارياً بالمملكة: 1. إعادة إحياء الحراك بعد الركود: نجح المهرجان في كسر حاجز الركود الفني وتجميع شتات المبدعين المستقلين. 2. الاحتفاء والتأصيل المعرفي: شهدت تلك الدورة تكريم قامات فنية استثنائية مثل المخرج والفنان الراحل إبراهيم القاضي. 3. بروز سينما المرأة الطليعية: حققت المخرجات السعوديات في هذه الدورة اكتساحاً فنياً كبيراً. 4. التأهيل المعرفي المنظم: قدّم المهرجان ورشاً تخصصية مكثفة في كتابة السيناريو والإخراج السينمائي. تحدي المركزية والانتشار الجغرافي بالرغم من هذه المكتسبات، لا يمكن إغفال تحدٍ بنيوي شائك وهو تحدي المركزية والتفاوت الجغرافي. فالقراءة الفاحصة لخارطة السينما السعودية تكشف أن الثقل الإنتاجي والتنظيمي لا يزال يتركز بشكل رئيسي في المدن الكبرى الثلاث: الرياض، جدة، وحاضرة الدمام، بينما تظل بقية مناطق المملكة ومحافظاتها الطرفية في طور المحاولات الخجولة لكسر هذه العزلة الفنية. تطلعات مستقبلية: صناعة الاستدامة السينمائية مع التحول الشامل الذي تعيشه المملكة، وتأسيس هيئة الأفلام وتدشين البنى التحتية المتطورة لدور العرض والاستوديوهات، يتغير دور “مهرجان أفلام السعودية” من مجرد منصة عرض واكتشاف مواهب، إلى قيادة دفة الاحترافية المطلقة والاستدامة الاقتصادية.