تستند مسرحية “الدور السابع” للمؤلف ضياء محمد والمخرج هشام عطوة، إلى فكرة تبدو في ظاهرها مألوفة في المسرح الكوميدي ذي الطابع الغرائبي؛ إذ يجد البطل نفسه داخل عالم الجن في مواقف تتأرجح بين الرعب والسخرية ليقوم بتوظيفه في بناء رؤية أعمق تتصل بالإنسان وعلاقته بالواقع الذي يعيش فيه. تبدأ المسرحية من المكتب الصحفي، حيث يعمل يوسف في جريدة تحمل اسم “الحقيقة العارية|”. ويبدو هذا الاختيار محمّلًا بدلالة تتجاوز الوظيفة السردية للمكان، إذ يضع المسرحية منذ بدايتها أمام قضية الحقيقة في مواجهة المصالح والاعتبارات التي تحكم المجالين المهني والاجتماعي. فالشخصية الرئيسة تبدو واعية بما يحيط بها من اختلالات، لكنها تفتقد القدرة على مواجهتها، الأمر الذي يجعلها عالقة بين إدراك الخلل والعجز عن تغييره، مع ذلك تستمر في المسار الذي يحمل هذه الاختلالات. من هنا تبدأ الرحلة إلى العالم الغرائبي. غير أن عالم الجن الذي ينتقل إليه يوسف لا يقدم قطيعة مع الواقع، ولا يؤسس عالَمًا مستقلًا بقوانينه الخاصة بشكل كامل، إنما يعيد تشكيل الواقع نفسه في صورة أكثر وضوحًا ومباشرة. فالمؤسسات التي يواجهها هناك مثل: البنك، والمدرسة، والأسرة، ووسائل الإعلام، والمسابقات الفنية. هي ذاتها المؤسسات التي يعرفها في حياته اليومية، لكن المسرحية تجردها من أقنعتها المعتادة لتكشف تناقضاتها الداخلية وتفضح ما تستند إليه من هشاشة وخداع. وتتجلى إحدى أهم أفكار العرض في أن الشخصيات التي يصادفها يوسف داخل هذا العالم ليست بعيدة عن الأشخاص الذين يعرفهم في حياته الواقعية. وكأن المسرحية تقترح أن الإنسان لا يستطيع الهروب من أزماته بمجرد الانتقال إلى مكان آخر. ومن خلال تنقل يوسف بين أدوار متعددة مثل: الصحفي، ورئيس عصابة، وزوج، وأب، ومطلق، ومشارك في مسابقة غنائية. هنا الشخصية لا تحتفظ بصورة ثابتة لنفسها، بل تُدفع باستمرار إلى أدوار جديدة تفرضها الظروف والقوى المحيطة بها. ويمنح ذلك العرض بعدًا تأمليًا يتجاوز معالجة القضايا الاجتماعية المباشرة، ليطرح سؤالًا أكثر عمقًا: إلى أي مدى نختار الأدوار التي نؤديها في حياتنا؟ أو التي تفرض علينا؟ فهذه الموضوعات لا تظهر بوصفها قضايا منفصلة، وإنما وجوهًا مختلفة لمنظومة واحدة تؤثر في الفرد وتعيد تشكيل علاقته بنفسه وبالآخرين. وهنا تحديدًا تتضح قدرة المسرحية على الربط بين الخاص والعام، وبين السلوك الفردي والبنية الاجتماعية التي تنتجه. يبلغ الصراع ذروته عندما يبدأ يوسف في إدراك طبيعة اللعبة التي تحكم وجوده داخل هذا العالم. فبعد أن ظل لفترة طويلة منقادًا للأحداث، تتحول الشخصية تدريجيًا إلى فاعل يسعى إلى استعادة حقه في الاختيار. ومن هنا تكتسب مشاهد التمرد أهميتها الدرامية، لأنها تنقل الصراع من مستوى المواجهة مع عالم خارجي إلى مستوى أعمق يتعلق بالإرادة الإنسانية وقدرتها على مقاومة ما يُفرض عليها. في ختام العرض لا تبدو النهاية مجرد عودة إلى نقطة البداية. فالرحلة التي خاضها لم تكن انتقالًا بين أمكنة مختلفة بقدر ما كانت انتقالًا بين مستويات متعددة من الوعي. ولذلك تكتسب العودة معناها بوصفها لحظة إدراك أكثر منها لحظة انتهاء للأحداث. وعلى المستوى الفني، أسهمت السينوغرافيا في دعم هذا التصور من خلال تنوع حركة الدخول والخروج، وانسجام الإضاءة مع التحولات الدرامية، والاستفادة من عناصر الديكور في بناء الانتقالات بين المشاهد. مواطن الضعف في العرض منها الإفراط في فقرات التكريم والترحيب بمن حضروا المسرحية فقد أفقدت المسرحية تماسك الإيقاع، كذلك لم يكن التواصل البصري بين الفنانين في بعض الحوارات بالمستوى الذي يضمن انسجام الشخصيات. *ماجستير في الأدب المسرحي.