.

هل يجوز للشاعر ما لا يجوزُ لغيره..؟

لستُ هنا متحدثًا عن الشعر فهو رُمّانةُ الحديثِ لدى الكُتّابِ والأدباء منذ الأزل، ولستُ مُتكلِّمًا عن القصيدة فهي واسطة العقد بين فنون الأدب، وقد أخذا نصيبهما من الالتفات إليهما، ولكنني سأصف ذلك الكيان القابض على الماء، والمرتدي صلصال الحياة، والمنزوي في زاوية من الأبجدية الحية، ولن ألتفتَ إلى مزاياه ولا إلى خطاياه، ولن أُمعِن فيه وهو يتعاطى العناقيد، ويتناول القناديل، ويحمل الحقائب الـمُبتلّةِ بالصمت، لكنني سأرمقه من طرفٍ خفيّ، وفلسفة روحيةٍ عميقة، وبُعدٍ لا يتعرض للشعر، ولا يمسُّ الشاعرية؛ فأنا لستُ هنا واصفًا نصوصَهُ مهما بلغت شأوًا في الفن والجمال، ولست ناظرًا في تفاصيل ضفافه وإن كانت غارقةً في الخيال، ليس هذا مرادي، ولستُ ما أصبو إليه، وأبحثُ عنه، ولكنني أنعتُ ذلك الكيان قبل أن يكتب، وبعد أن ينفصل عن نصه ليُصبحَ مُلْكًا للقارئ كما قال رولان بارت، وإن كنت لا أومنُ بهذه الظاهرة النقدية؛ لأن الشاعر ملتصقٌ بنصه بَدءًا بالفكرة وانتهاء بنهايتها.. ذلك الكيان هو الشاعر.. فبينَ ما يتخيّلُهُ وما يعيشُهُ بونٌ شاسع، وفرقٌ كبير؛ لذا ليس من المنطق توجيه الاتهامات على حدسه الشاعرية، وسلوكه الأدبي، وانطباعه غير المألوف، وكأنه إنسان منزوعٌ منه هذا الوصف الذي يحرره من كثير من الممارسات الحدسية، والطقوس الحسية، وقد صدقت العرب حين قالت: “يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره”، وهذا الجواز -في ظني- ليس في اللغة، أو العروض فحسب، بل مجاله أرحب، وأفقه أوسع. الشاعر كونٌ خاصٌّ بعيدٌ عن كينونة الحياة الهُلامية، وذاكرةٌ مُتفردةٌ تخرجُ من الحقيقة المحضة لتدخل في عالمٍ الخيال والبعد، وتركيبةٌ تعيش في عالمٍ الحسِّ والدهشة والمجاز، ونُبوءةٌ تعبرُ الوعيَ لتستقرَّ في اللا وعي، وفي اللا انتباه، وهو فكرةٌ منبجسةٌ من مرايا الحياةِ تمتدُّ طويلًا ولا تنحسر، وتلينُ مقدارَ ألا تنكسر. الشاعرُ ليس إنسانًا يعيش على الأرضِ فحسب، بل هو قالَبٌ يقتربُ من السماء بروحهِ وتلويحه وإلهامه، وفيلسوفٌ يصنع ويحاكي الطبيعة، ويتمتع بحساسية أكثر حيوية، وروح أكثر شمولًا، وقد بلغ أسمى درجة من القوة والعنفوان، كما أشار إلى ذلك العالم بيرسي، يَشردُ تارةً ليصل إلى حنايا اليقظة والتركيز، ويتيه أحيانًا ليستقرَّ في عالمِ الرشد والاعتدال، وربما تبعثر لكنه سرعان ما يلملم بموسيقاه سنابلَ أحلامهِ وآلامه، يستخدم اللغة بطريقة تنزاح عن المألوف اليومي كما قال بذلك جاكوبسون. حين نستعيد مسيرة الشاعر منذ عصر الجاهلية وحتى هذه اللحظة فقد كان -وما يزال- لسانَ قومهِ، ومُؤذّنَ قبيلته، حاملًا لواء الإنسانية، ورافعًا رايةَ الكلمةِ والفكر، يملك زمامَ الأجراس، ويقف على الأنهار حتى لا تتشعب، ويحرس الأشجار حتى لا تنهار.. لا تنكسِر في روحه جرارُ القيم والمثُلِ، ولا تنفرط عقود الأخلاق. الشاعر إذا اغترب ففي اغترابه تشظٍّ والتياع؛ لأنه ذو قلبٍ مُرهفٍ أسيف، وإذا حضر ففي حضوره انكشافٌ وبوحٌ وابتهاجٌ، لا يقبل الهزيمةَ والانكسار، ولا يطمئن إلى الخيبةِ والخذلان، صديق الأزمات، وخدين الحياة، يفكرُ خارج محيطه، ويسمي الأشياء بغير مسمياتها كنايةً أو مجازا، يملأ المكان بضوء فراشاته، ويتوضأ بماء العزلة، لا ينقطع عن السفر في خيالاته، حقائبه لا تُصغي إلى تعب الحياة ونصبها، ولا توسوس بالرحيل إلى الفراغ، ولا تتجه إلى بوصلة عمياء، ربما خلط بين الحزن والفرح، ومزج بين الحنين والألم، يكفيه أنه يحمل خبز أفكاره، وملح مشاعره وأحاسيسه وأخباره، يُلوِّحُ للغيمة السمراء المترعة بقطرات الحب، ويشم من بعيد سيول العشق، ويأنس إلى نار الغرام. الشاعرُ إنْ ثَمّ وطنٌ فهو مُطلٌّ على شُرفاتهِ، مُصغٍ إلى طرقاتهِ، مُبتلٌّ برذاذ كلماتهِ، متزمّلٌ ببياضِ رسائله وذكرياتهِ، ممسِكٌ بأرضهِ وسماواتهِ، وإن ثَمّ غِناءٌ كان كالسلالم الصاعدةِ إلى الشمس، والنوايا التي لا تتسع لأي ظنٍّ أو غوايةٍ أو زيف، والفوانيس التي تحمل قصاصات الحب والغرام، وإنْ ثَمّ شَجنٌ ثبت كالإنسان الراكد الذي لا يهتزّ، والجبل الذي لا يرتبكُ، لا يمدُّ يدَهُ للكلامِ العصي، ولا يبوح بسرهِ للسلالات المشبوهة، ولا يتأثر بالتراجيد المحمّلة بهشيمِ النيران المتقدةِ على الطريق. يظلُّ واقفًا على كل اشتعال، مؤمنًا بكل التآويل، يحاول أن ينتبذَ بروحه وظله مكانًا قصيّا، وإنْ ثَمَّ ابتهالٌ فهو كالمحاريب المؤثّثةِ بالنور، والصوامعِ التي تسكنُها تراتيلُ الإيمان والصفاء، والخيامِ المبللة بمدامعِ الأنقياء، لا ينحني للعابرين حدودَ الخرائطِ المثقلة، ولا يتوجس من الهوامشِ المهملة. إذن هو شكلٌ مختلفٌ، يتماهى مع الطبيعة، ويتآلفُ مع الكنايات، وينسجمُ مع المجاز، وهيأةٌ تبتلُّ بالنار إن أرادتْ، وتظمأُ مع الماء إن رغبتْ، وتقفُ على الهواء إذا شاءتْ، وحالةٌ فريدةٌ، لا تكاد تَظهرُ في أيِّ نفس، أو تُشاهَدُ في أيِّ حسّ، أو تُعرفُ في أيِّ جَرْس، أو تَشرُقُ عليها شمس. يُفترضُ أن يكونَ الشاعرُ كلَّ هذا وأكثر.. * جامعة نجران