.

أبحاثٌ لا تُقرأ: فخ البداية.

تزخر كتبنا التراثية بعناوين سجعيه لا تعكس المضمون بدقة وهي بذلك تُنافي ما تدعوا إليه المنهجية البحثية الحديثة! فمثلًا لا يهتم كتاب: “البيان والتبيّن” بالبلاغة فقط، بل هو سفر نقدي تضمن قضايا نقدية عميقة، وصراع فكري ضد الشعوبية. ولا يقتصر كتاب “الحيوان” على دراسة سلوك الحيوان، بل تميز بفرادة طرحه للنظريات البيئية المتقدمة. ولم ينحصر كتاب “الشعر والشعراء” بعرض تراجم بسيطة للشعراء وتصنيفهم، بل قدّم مشروعًا نقديًا ثوريًا أعاد تشكيل مفهوم النقد الأدبي. ونحن إذ نرتبط بإرثنا العلمي ونسير على هديه لنا أن نسأل الأسئلة الآتية: كيف سنّ القدماء هذه الطريقة في التأليف والعنونة؟ ولماذا لا تعكس عناوينهم الهادئة ذلك الزخم الفكري الجدلي؟ هل يعني هذا أن فداحة الخلط بين اختيار الموضوع وصياغة العنوان لم تكن حاضرة في وعيهم النقدي؟ سأجيب من منطلق تمييز الأشياء بأضدادها وبما يرتبط بموضوع مقالتي وأترك لكم متعة البحث عن أسباب ذلك التباين الظاهر! مؤلفات القدماء موسوعية بطبيعتها، تميل إلى الاستطراد وتعدد الموضوعات داخل الكتاب الواحد. فكان الهمّ هو جمع المعرفة وتصنيفها، لا تحديد الموضوع كما هو شائع في البحث الحديث. ومن يتمعن في الكتب النقدية القديمة يرى أن العنوان المسجوع هو جزء من المنهجية الراسخة عند العلماء؛ فالعنوان وسيلة للجذب والاستئناس، وسجعه وسيلة للحفظ والانتشار! وهنا، بلا شك، يتبادر لذهنك أيها الباحث السؤال الآتي: لماذا لا يحقّ لنا السير على منوالهم في العنونة طالما أننا سنناقش طروحات قيمة فالقارئ معتاد على هذا النوع من الكتب؟ إن تقليد القدماء في سكّ عناوين تخفي المتون ولا تبينها ليس وفاءً لهم، بل تلبيسٌ على القارئ، وخلطٌ بين موضوع البحث وعنوانه، فهل يعقل أن نُقحم أنفسنا في تلك التقاليد اليوم، وقد اختلفت الأزمنة وتغيرت الأدوات وتنوعت الجماهير! وحتى نفهم خطورة الخلط بين اختيار الموضوع وصياغة عنوانه سأمثل لك بالمثال الآتي: تخيل أنك تريد بناء منزل جديد. وتبدأ بحماس في وصف تفاصيل واجهة المنزل ونوع الطلاء وزخرفاته لمجموعة من الناس. لكنك فجأة اكتشفت أنك لا تعرف مساحة الأرض التي سيقوم عليها المنزل، ولا التصميم الهندسي الذي يناسبها، ولا عدد الغرف، ولا مكان الأبواب والنوافذ. هل سينجح وصفك في إيصال المعلومات الصحيحة لمساحة المنزل؟ ولو أسميته مثلًا “منزل الأحلام”، فهل يكفي هذا الاسم/العنوان في اكساب السامع/القارئ تصور واضح عنه؟ من ناحية أخرى يتحول الإشكال السابق من بسيط إلى مركب حين يستند شخص ما إلى فهمه الظنيّ لإعادة بناء ما ترمي إليه في موضع آخر، معتمدًا فقط على وصفك المضطرب، عندها ستكون النتيجة كارثية بلا شك! انظر معي عزيزي الباحث في العناوين الآتية وفكر في مثال المنزل السابق، “أثر التراث في الأدب الحديث”، “ الأسطورة في الرواية الحديثة”، “الاسم عند سيبويه”، “الاستفهام البلاغي في الشعر العربي”. قد يأخذك حسن اطلاعك على الشعر أو النحو أو السرد إلى الاعتقاد بصلابة أدواتك وتمكنها من النحت في الموضوع ودراسته، بل والإضافة فيه؛ لذلك أنصحك بأن تتوقف قليلًا حتى لا تقع في الفخ، وتعيش معي الافتراض الآتي: إذا اخترت أن يكون موضوعك هو “الأسطورة في الرواية الحديثة” فتخيل أن قارئًا ما سيقول لك: ما الأسطورة التي ستتحدّث عنها “تحديدًا”؟ ويسألك آخر: أية رواية تقصد؟ وهل الرواية من الأدب السعودي؟ أم العربي؟ أم العالمي؟ ويناقشك ثالث: العصر الحديث يبدأ من القرن الثامن عشر تقريبًا فأي حقبة منه ستدرس؟ ويستفهم رابع: هل تريد الحديث عن الأسطورة في الرواية من ناحية تأثيرها، أو دورها، أو معانيها واسقاطاتها؟ ذكرت في المقال السابق ضرورة استحضار القارئ والتفكير فيه قبل كتابتك لبحثك، وأؤكد هنا على أهمية امتلاك مهارة الجدل والحوار معه عند اختيار موضوعك وعنونته. فلو اجبت على جميع أسئلته، وتقبّلت نقده، وتحاورت مع اعتراضاته سيخرج موضوعك من إطاره العام ليستقر في إطار محدد! ليصبح “بين الظهور والتخفي: الأسطورة في بناء الهوية السردية السعودية، رواية ثالثة الأثافي أنموذجًا”. تأمل في “العنوان” وانظر لدقته وتحديده لأصل المشكلة البحثية وتمهيده لصياغة سؤال البحث وفرضياته بسهولة. ثم قارنه “بالموضوع” الأول الفضفاض قبل عرضه على التفكير النقدي ومحاصرته بالأسئلة الهادفة لتدرك حجم الانحراف المنهجي المدمر في العلاقة بين الموضوع وعنوانه! إن اختيار الموضوع-في أي مجال من مجالات المعرفة-قرار داخلي يخص الباحث، لكن صياغة العنوان وتحديد مجال البحث، مهارة خارجية تخاطب القارئ؛ والخلط بينهما سبب رئيس في فشل الأبحاث وضياعها بين رفوف النسيان!