محمد العلي..

المرتابُ من (الأصنام).

 لا تبدأ الأفكار الكبيرة من الإجابات، إنّما من الشك. وليس الشك هنا نقيض اليقين، وإنما نقيض الكسل. فالإنسان الذي يتوقف عن السؤال لا يكتشف الحقيقة، هو يكتفي بالعيش داخلها كما ورثها. وربما لهذا السبب ظل محمد العلي ينظر إلى الثقافة بوصفها فعلاً يوقظ العقل، لا فعلاً يطمئنه. كانت الكتابة عنده محاولة مستمرة لإزعاج اليقين، لا لإنتاج يقين جديد. من يقرأ سيرته سيعرف أين ولد، وأين درس، وما الذي نشره من دواوين وكتب. غير أن هذه المعلومات، على أهميتها، لا تفسر لماذا بقي حاضراً بعد أن غاب، ولماذا ما تزال كتاباته تبدو أقرب إلى زمننا من كثير مما يُكتب اليوم. فالسير تحفظ الوقائع، أما الأفكار فهي التي تحفظ أصحابها. كان محمد العلي ينتمي إلى جيل وجد نفسه واقفاً بين عالمين، مجتمع يتغير بسرعة، ولغة لم تكن قد استوعبت بعد معنى هذا التغيّر. ولم يكن هذا التوتر عابراً في حياته، لكنه أصبح المادة التي اشتغل عليها طوال عقود. لم يبحث عن مصالحة سهلة بين القديم والجديد، كما لم ينشغل بإعلان القطيعة مع أي منهما. كان أكثر اهتماماً بسؤال آخر: كيف يفكر المجتمع عندما يتغير؟ وكيف تتغير اللغة عندما يتغير الإنسان؟ لهذا تبدو الحداثة في مشروعه مختلفة عن الصورة التي استقرت في أذهان كثيرين. لم تكن عنده معركة بين قصيدة عمودية وقصيدة حرة، ولا بين مفردة قديمة وأخرى حديثة. كانت الحداثة امتحاناً للعقل قبل أن تكون امتحاناً للذائقة. وحين يعجز العقل عن مراجعة نفسه، تصبح أكثر القصائد حداثة مجرد بناء جديد فوق أساس قديم. هذه الفكرة تفسر جانباً مهماً من تجربته. فقد كان شديد الارتياب من الكلمات عندما تتحول إلى (أصنام) صغيرة. الكلمة التي لا تُراجع نفسها تفقد معناها، والمفهوم الذي يتكرر بلا مساءلة يتحول إلى عادة، والعادة هي أكثر ما يخشاه الفكر. لذلك لم يكن غريباً أن ينشغل بالمفاهيم بقدر انشغاله بالشعر، وأن يكتب عن الثقافة بوصفها طريقة لإنتاج الأسئلة، لا مستودعاً للأجوبة. ولهذا أيضاً جاء عنوان ديوانه الأشهر “لا ماء في الماء” وكأنه استعارة كبرى لمشروعه كله. ليست القضية في الماء، بل في قدرتنا على رؤية ما نظنه بديهياً. فكم من كلمة نستعملها كل يوم، لكنها فقدت معناها من كثرة التداول، وكم من فكرة نكررها حتى نظن أنها حقيقة، وهي لم تخضع يوماً لاختبار العقل. كان محمد العلي يحاول أن يعيد الأشياء إلى دهشتها الأولى، وأن يحرر اللغة من استهلاكها اليومي، لأن اللغة حين تشيخ، يشيخ التفكير معها. ولم يكن ذلك موقفاً أدبياً فحسب، بل كان أيضاً موقفاً من الحياة نفسها. فالإنسان، في نظره، لا يعيش داخل العالم كما هو، بل داخل الصورة التي يصنعها عن العالم. وإذا فسدت الصورة، فلن تغير الواقع مهما تبدّلت أدواته. ولهذا كان يؤمن أن إصلاح الفكر ليس ترفاً ثقافياً، بل هو الشرط الأول لأي تحول اجتماعي أو حضاري. وربما لهذا قال يوماً إنه يفضّل أن يُعرف بأنه حاول تغيير الفكر الاجتماعي. لم يكن يبالغ، بل كان يصف مشروع حياته في جملة واحدة. لم يكن محمد العلي يطمح إلى أن يكون صاحب مدرسة، ولا قائد تيار، ولا ناطقاً باسم جيل. كان يدرك أن الأفكار الكبيرة تفقد حيويتها عندما تتحول إلى لافتات. ولهذا ظل وفياً لاستقلاله، حتى وهو قريب من أكثر الأسئلة اشتعالاً في الثقافة العربية. لم يكن يخشى أن يراجع قناعاته، لأن الفكرة، في نظره، ليست عقيدة مغلقة، إنها كائن حي يكبر كلما تعرّض للاختبار. ولهذا يصعب أن نعثر في كتاباته على لغة الانتصار. لا يحتفل بأفكاره، ولا يعلن هزيمة أفكار الآخرين. إنه يكتب كما لو أن الحقيقة مشروع مشترك، لا ملكية خاصة. وهذه واحدة من أندر صفات المثقف، أن يكتب ليشارك في البحث، لا ليعلن نهاية البحث. ربما لهذا السبب بقي بعيداً عن الثنائية التي استهلكت الثقافة العربية طويلاً، الأصالة في مواجهة الحداثة، أو التراث في مواجهة المعاصرة. كان يرى أن هذه التقابلات، على الرغم من بريقها، تخفي سؤالاً أكثر عمقاً: هل نمتلك الشجاعة الكافية لمراجعة ما نعتقد أننا نعرفه؟ فالتراث، إذا تحول إلى يقين لا يُناقش، يفقد روحه. والحداثة، إذا اكتفت بالاعتراض، تتحول إلى تقليد جديد. بين هذين الطرفين اختار محمد العلي أن يجعل العقل هو المرجع الوحيد. ومن هنا جاءت كتاباته عصية على (الشيخوخة). فالكتب التي تتعلق بوقائع زمنها تنتهي بانتهاء ذلك الزمن، أما الكتب التي تتعلق بطريقة التفكير فإنها تبدأ حياة جديدة مع كل جيل. ولهذا يبدو محمد العلي اليوم معاصراً لشباب لم يولدوا في زمنه. ليس لأنهم قرؤوه جميعاً، إنّما لأن الأسئلة التي انشغل بها أصبحت جزءاً من المشهد الثقافي الذي يعيشونه. إن التحول الذي تشهده المملكة اليوم لا يمكن فهمه من زاوية الاقتصاد أو العمران وحدهما. فكل تحول حضاري يحتاج إلى بنية فكرية تواكبه، وإلى ثقافة تتسع للتنوع، وتؤمن بالحوار، وتحترم المعرفة بوصفها قيمة عامة. وعندما نقرأ محمد العلي في ضوء هذه المرحلة، ندرك أنه لم يكن يكتب للماضي، إنه كان يكتب للمستقبل. لم يكن يتنبأ بما سيحدث، وإنما كان يهيئ العقل ليكون مستعداً له. ولعل هذا ما يفسر حضوره الهادئ في الذاكرة السعودية. فهو لم يترك وراءه (فوضى)، بل ترك (بصمة). والفرق بينهما كبير. الفوضى تلفت الانتباه إلى صاحبها، أما البصمة أو الإنجاز فيجعل الآخرين يعيدون النظر في أنفسهم. الأولى تنتهي بانتهاء المناسبة، والثاني يواصل عمله في صمت، كما تفعل المياه التي تنحت الصخر من دون أن يسمع أحد صوتها. ولذلك فإن إرث محمد العلي الحقيقي لا يوجد في دواوينه وحدها، ولا في مقالاته، ولا في الجائزة التي استحقها. إرثه موجود في تلك المسافة التي فتحها بين الإنسان ويقينياته، المسافة التي تسمح بالتأمل، وبالمراجعة، وبالاعتراف بأن الحقيقة أكبر دائماً من قدرتنا على امتلاكها. ولعل هذا هو المعنى الأعمق لبوصلة محمد العلي هنا، فهي لا تمنح المسافر الطريق، وإنما تمنحه الاتجاه. أما الطريق، فعليه أن يكتشفه بنفسه. وقد فعل محمد العلي ذلك طوال حياته. لم يقد الناس إلى أجوبة جاهزة، لكنه علّمهم أن السؤال ليس علامة نقص في المعرفة، وإنما أول أشكالها. وعندما يصبح السؤال عادة للعقل، تتحول الثقافة من محفوظات نتوارثها إلى أفق لا يتوقف عن الاتساع. لم يكن يكتب القصيدة باعتبارها نهاية التجربة. إنه كان يستخدمها للاقتراب من سؤال أكبر، أيْ عندما يمكن للكلمة أن تجعل الإنسان أكثر حرية، لا لأنّ الحرية شعار جميل، إنما لكونها الشرط الأول لولادة عقل لا يخاف السؤال؟!  (*) كاتب وصحافي سعودي