“ ستموت في القاهرة” اسم رواية كتبها حميد رضا صدر و هو صحفى و مؤرخ وخبير اقتصادي ايرانى ارتحل عن عالمنا عام ٢٠٢١ ، و ترجمها العراقي غسان حمدان، و الخطاب في العنوان موجه إلى الشاه الثانى و الأخير من اسرة بهلوي. وهي في الحقيقة تعرض سيرةً للشاه و لكن الأسلوب الروائى كان في الخطاب الذي تقرأه، و هو حديث نفس دار في عقل و وجدان الشاه منذ اليوم الثامن عشر من مارس عام ١٩٦٥ م عاما كاملا، بدأ الرجل مهزوزا كئيبا تطارده هواجس تؤرق ليله وتفسد عليه ملذات الحياة، تحمل معها نًذرا قاتمة تهدده بنهاية سيئة كنهاية الملك فاروق الذي مات في تلك الليلة، منفيا بعد أن خسر عرشه، و خسر نفسه، فاروق كان أخا لزوجته الأولى الأميرة فوزية، تزوجها الشاه عندما كان وليا للعهد، كانت آية من آيات الجمال، وكان زواجه ربطا بين أسرتين امبراطوريتين في بلدين من أهم بلدان الشرق، إيران و مصر.، أدرك الشاب محمد رضا عندما زار مصر أن قصورها الملكية أجمل و أكثر بذخا و فنونا من قصور عائلته في طهران، و ما كان يتخيل أن تكون نهاية فاروق الوسيم نهاية بائسة، فتحت هذه النهاية في عقل الإمبراطور صندوق الرعب الذي لازمه طويلا، يطارده كل حين و يعزله عن كل الأجواء الاحتفالية و الفخامة التى تحيط به من كل جانب، تلك التى يستمتع بها أفراد عائلته و من حولهم من رجال دولته، بينما يتصدع رأسه من صراخ داخلى يحطمه، لكن لا أحد من حوله يستمع إليه. هو نفسه تعرض للقتل مرتين، استطاع حراسه مباشرة قتل من أطلقوا عليه الرصاص، ضاعت المعلومات المتعلقة بما وراءهم ومن وراءهم، التهم جاهزة ضد الشيوعيين ، قال له صديقه كينيدي : أنت ملك مناضل شجاع باسل، لو لم تكن لسقطت بلدك في هاوية الزوال، أنت وحدك منعت إيران من السقوط في مستنقع الشيوعية. لكن هذا لم يُعد إلى نفسه اليقين. كان زواجه بالأميرة فوزية أسطوريا ككل زواجاته، أهداها أبوه السيارة التي أهديت إليه من أدولف هتلر، ، بقيت عقدا من الزمان حزينة و منطوية على نفسها أنجبت إبنة، ثم نفد صبرها و عادت إلى مصر لتعيش مع الأمراء العرب الأصلاء. لم تبق لتعيش في القصور الفارهة التي بُنيت في عصر طليقها ، فإن قصر المرمر كان أكثر بهرجة وثراء بفنونه المعمارية من كل القصور الأخرى التي تنافسه. تظهر لنا الرواية أن عائلة بهلوي ليست عائلة ملوك و لم تكن تستند إلى عصبة قبلية، و لم تكتسب شرعيتها من خلال الإصلاحات التى لم يتفاعل معها الشباب سواء في عصر الأب أم في عصر الإبن حيث كانت الثورة البيضاء. مؤسس حكم أسرة بهلوي رضا الأب كان من أسرة محلية صغيرة، دخل السلك العسكري كوالده، و قام بانقلاب مدعوما من الإنجليز عام ١٩٢١م ، أصبح بعدها وزيرا للحرب ثم رئيسا للوزراء، ثم عينه مجلس الشورى الإيراني إمبراطورا منهيا بذلك حكم الدولة القاجارية الضعيف، حاول اكتساب الشرعية بإصلاحات لم يكن بعضها مقبولا عند الشعب مثل قرار نزع الحجاب، و لذا بقى مفتقرا إلى قاعدة شعبية، رغم كل أبهة الإمبراطورية التي عمل على ترسيمها من خلال محاولة خلق امتداد ملكى مع ممالك الفرس القديمة بدءا من الملك قورش الذي سبق بخمسة و عشرين قرنا. حاول الشاه الابن أن يعزز شرعيته بالإصلاحات، نفذ “ الثورة البيضاء “ قال : لقد قمنا بثورة لم تكن مسيئة لأى شخص، و بدلا من ذلك كانت محسنة للجميع، لم يكن هدفها إلا أن تعطى أبناء الشعب حقوقهم كما يريد الله، و على هذا الدرب، لا نخاف من أية قوة إلا الله”. رغم ذلك لم يكن مطمئنا إلى أنه قد اكتسب الشرعية من شعبه، مؤشرات كثيرة تقول ان الشعب كان منصرفا عنه ، كانت مباراة ملاكمة يفوز فيها محمد علي كلاي أكثر جذبا للإيرانيين من أي من الاحتفالات الأسطورية التي كان يقيمها ، رغم أن كبار الجنرالات كانوا يركعون للتحية و يقبلون أياديه ، و يتبارون في عبارات المديح و الثناء و التذلل. في اليوم الذي كان فيه قادما لتشريف الاحتفال بالعيد الرابع عشر لجامعة طهران ، حاول أحد حاملي الكاميرات اغتياله ، نجا الإمبراطور و قُتل المصور ، وبعد أربعة عشر عاما دخل رجلٌ ردهة قصره ، هرب الإمبراطور مذعورا، قُتل اثنان من الحراس و تركت الرصاصات بصماتها في غرفة المرايا الفاتنة في قصر المرمر. لو كان أبوه مكانه لفقد حراسُه رؤوسهم ، كان الرجال يصابون بالجنون في سجون بهلوي الأب، و تتحول النساء إلى عجائز متهدمات، يقال أنه كان يخلع ملابس قطاع الطرق و يكسر عظامهم ثم يرميهم أحياءً للكلاب و بنات أوى. وقف الشاه الإبن أمام المرآه، عيونه حمراء، جفونه منتفخة، شعره أكثر بياضا، ظهر رجلا متعبا مواتا قلقا مضطربا و خائفا. أقيمت الاحتفالات لشكر الله على نجاته في سائر أرجاء البلاد ، امتلأت الصحف بأشعار المديح، و التضرع لله أن يحمى الإمبراطور، لكن شيئا ما لم يسكن في نفسه الملتهبة. قبل اليوم الذي بدأ فيه تسجيل هواجس الإمبراطور بشهرين تم اغتيال رئيس الوزراء على باب مجلس الشورى، ، كذلك تم اغتيال رئيس الوزراء الثاني عشر عبد الحسين هجير عام ١٩٤٩ م ، و في عام ١٩٥١م اغتيل رئيس الوزراء الخامس عشر حاجي علي رزام . أصبحت هذه الذكريات تطارد الرجل ، كما تطارده حوادث مثل اغتيال الرئيس الأمريكي كينيدي ، لم تحم قوة أمريكا رئيسها ، أصبحت تلك المشاهد بعض كوابيسه التي تضطهده. بعد محاولات الاغتيال أصبح متوجسا من كل باب و من كل حائط، أيهم يختفي من خلفه صاحب مسدس يصوبه في اللحظة القاتلة على رأس الإمبراطور. يتأمل حياة إخوته، كلهم يعيشون سعداء مرحين بلا هواجس و لا هموم، و بلا مبالاة و بلا مسئوليات، لم يواجه أي منهم رصاصات، لم يصف أي منهم طعم الخوف، لا يعرفون أي معنى لارتداء سترة واقيه من الرصاص، أخته التوأم أشرف دائما ما تطلب الإعفاءات الجمركية لسياراتها الفارهة، و إخوتها يتملكون الأراضي في أرجاء إيران، يستثمرونها، ثم يستمتعون بصنوف الحفلات و الرحلات و الولائم في ظل الشاه، و يتوقعون منه في كل وقت أن يخدمهم، يمارسون الترف و الإسراف تحت لواء الإمبراطور، دائما و في كل مكان. أحيانا يترأسون مؤسسات خيرية ترعى المحتاجين، كادت أخته أشرف أن تغوي الملك فاروق، ثم أوقعت إبن وزير بلاطه أحمد شفيق في حبها، و تزوجته، أصبحت إحدى ثلاث نساء مسئولات عن منظمة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، كانت تريد أن تكون ولية عهد والدها ، وتتدخل في تعيين الوزراء و السفراء و تستأثر بجزء من العائدات الجمركية و جزء من عائدات بيع البنزين، تحب البذخ في الحفلات و السفر و لا تكف عن مراودة نجوم مثل مارلون براندو . لكنها و إخوتها جميعا تركوه يذوق مرارة الملك وحده. هل يشعر الشعب أن عائلة بهلوي منه و له؟ اختاره والده وليا للعهد عام ١٩٢٦ حين كان في السادسة. نص خطاب التولية “ نحن بهلوي إمبراطور ايران، إذ نعتبر أن سلطان ممالك الكون أي الرب الذي يؤتي الملك لمن يشاء في العالم حسب ما تقتضيه حكمته البالغة ، اشترط نظام مساحات الأرض وجود ولاة أكفاء و ملوك مؤمنين ملتزمين بالعدل، و من أجل تشييد مبادئ ادارة البلد وترسيخ أسس الملكية الدستورية في ايران.” بعدها طلب والده فصله عن محيطه العائلي ، لكي يعيش عيشة رجولية خالصة، أراده والده قويا صارما ، عهد بالإشراف على تربيته إلى سيدة فرنسية منضبطة وجادة، السيدة أرفع، أرملة الحاج حسن خان أرفع ، الذي يقال أنه كان راقص باليه في اسطنبول و كان يعرف أوروبا جيدا، معلمته المتشددة لم تكن تسمح للبنين و البنات الذين يعيشون في القصر الملكي بأن يدخلوا قصر ولي العهد ، مقابل ذلك علمته اللغة الفرنسية ، تحدثت له عن تاريخ الثورة الفرنسية، عن باريس مدينة الأضواء و الأحلام، عن عروس مدن العالم، شرحت له تاريخ و ثقافة الغرب و حدثته عن حياة الأوروبيين ، و علمته الآداب الإجتماعية للغربيين . في حفل تتويج والده كان في السابعة، لكنه يذكر كل التفاصيل، قام مسؤولون بالاتصال بسفارت بلجيكا و اسبانيا و السويد و درسوا حفلات تتويج ملوكهم، أعجبهم أكثر مراسم تتويج جورج الخامس ملكا على إنجلترا، جهزوا حفل تتويج ايرانى على شاكلتها. استورِد كل ما يلزم للحفلات من بريطانيا، حين تولى الملك، بعد أن تم نفى والده إلى موريشيوس، قرر أن يكون له حفل تتويج حين يبلغ الثامنة والأربعين أى في عام ١٩٦٧ ، حفلات الإمبراطورية البهلوية لم ير العالم لها مثيلا. لكنه لم يهنأ بحفل التتويج ؟ إبعاد والده كان مأساة ، عُزل بعد أن كادت جيوش بريطانيا و الروس تجتاح إيران، اتهموا والده بأنه كان على علاقات مع هتلر، وأنه أتاح للألمان مراكز مهمة في توجيه و صناعة الإقتصاد الايراني و كان ذلك صحيحا، ما أن هُزمت ألمانيا حتى كانت جيوش الحلفاء تجتاز الحدود و تستبدل الإبن بالأب. في ربيع عام ١٩٥٣ اندلعت إضرابات، عمال النفط، جامعة طهران ، عمال التبغ، مصانع الاسمنت، عمال السكة الحديدية، قال مصدق رئيس الوزراء: أولا و قبل كل شيئ يجب تحديد العلاقة بين البلاط والحكومة. تحت هذه الضغوط خرج الشاه إلى بغداد ثم إلى روما، خلال أيام دبرت المخابرات الأمريكية انقلابا معاكسا، أعاد الشاه إلى الحكم منتصرا، استقبله جنرالات الجيش والأمن وقبلوا أياديه، وقالوا أنهم عبيده. سيكتشف يوما أن عبيده هؤلاء لو أظهروا ما في بواطنهم سيكونون أعشاشا للثعابين و العقارب. بعد خمس و عشرين سنة من جلوسه على العرش أضيف إلى ألقابه لقب “آريامهر”، و يعنى شمس الأريين، كما خلع على لقب زوجته الثالثة فرح “ الشهبانو” . مثل الأمبراطورات السابقات. كان سخيا في الإنفاق على جيشه، في أحد الأعوام كان دخل الدولة مائتين و ثمانين مليونا من الدولارات سنويا، أُنفقت مائتا مليون دولار منها على الجيش! . و أخيرا اهتدى الشاه إلى أمير عباس هويدا، رئيس الوزراء الذي لا يرغب في منافسة امبراطوره، أصبح الشاه وحده من يتخذ جميع القرارات، و يصدر جميع الأوامر، لم يبق من يتسابق معه. الحفلات كانت طريقة صنعوها لتهدأ نفس الاريامهر، ملكته الثالثة فرح كانت خريجة المدارس الفرنسية و الإيطالية، صمم ملابس زفافها إيف سان لوران، كلفت عشرين مليون فرنك، . فى حفل التتويج (١٩٦٧) سترتدي الشهبانو فستانا طويلا من الساتان الأبيض مع ذيل طوله سبعة أمتار مخيط بالأحجار الكريمة. تنتهى هذه اليوميات المفترضة يوم عيد النيروز الإيرانى عام ١٩٦٦، تتركنا حائرين، هل نتعاطف مع هذا الرجل التعيس ، أم نقول إنه ما جناه عليه أبوه؟