قراءة في قصيدة (يا حب) للشاعر عبد العزيز محيي الدين خوجة..

بين خطابٍ وجداني ذاتيٍّ ورؤية فلسفية رومانسية مطلقة الدلالة.

مناجاةٌ تشفُّ عن وجدٍ تتعانق فيه أنفاس عشق مذخور، ونجوى تخفِق في زفراتها بأسرارِ حُبٍّ مأثور، وخفايا تتغلغل في جنبات صدرٍ ضاقت به لواعجُ الشّوق ، وتقطّعت به سبلُ الوصال، في تساؤلٍ مرير وعتابٍ محزون ، ينمُّ عن قسوة البعاد وألم الفراق ، في سلسلة من النفي المتكرّر والاستفهام المتعذّرعن دواعي الصّد ومظاهر القطيعة وإنكار المودة . حلقة وصل بين أليفين عبر رابطٍ نحويٍّ لُغوي مباشر؛ فالواو في عرف النحويين لمطلق الجمع( قلبي و قلبك) والنسبة لثنائي المتحدث و المخاطب، والتساؤل يحمل في طيّاته شعوراً بالمرارة وتوقاً إلى اللقاء عبر استفهامٍ إنكاريٍّ مثقلٍ بالصدمة في أقسى مظاهرها “(فعلامَ لا تلقي السلام) و الطلب متواضع في أدنى درجات الوصال (إلقاء السلام) والرويّ الساكن ينطوي على حسرة مكتومة ، والشكوى في أنغام محزونة وعواطف مشبوبة ، حيث تتناغم الآمال و الأحلام ، وتتلاقى أسباب الودُّ والوِئام ، في إيقاع تتناغم فية الحركاتُ و السكنات ، والعتابُ يصل به حدّ الملام في صورةٍ مشهديّةٍ تتراءى عصيّةً على الفهم و القبول ؛ حيث الإغضاء و التجاهل إلى درجة العزوف ، لا عن التحيّة المألوفة بين عامة الناس،وهو ما ينطوي على ألم مكتوم وإنكار لا يحتمله قلبُ عاشقٍ مُتيّم يعبّر عنه في عبارة بسيطة في لغة فوريّة مألوفة يستدعيها مقام العتاب ، تتبعها شكوى مريرة تتقصّى مشاعر المعاناة و العذاب ، وتتراسل الحروف و الكلمات ما بين تقريرٍ صارم وإنكارٍ صادم ، عبر تساؤلٍ يزلزل اليقين ، ووصف يُلمّ بأطراف المشهد الشّجِيّ ويحيط بأسباب الشَّجن ، وشكوى حارقة تستقصي مفردات الألم ( التعب و اقلى و الوجع و القسوة و الملام) مفردات حقلٍ دلاليٍّ مُترعٍ بالأسى ، وشكوى من تقلّب الأحوال ما بين رضاً مُشرق و قسوةٍ مفرطة (عين الرضا وقسوة الملام ) وتحوّلات محيِّرة تجمع بين نقائض الشعور وأسباب الفتور، ومفارقات الأطوار و الأحوال ، تتراسل فيها أسباب الجوى مع مظاهر البُعد و القِلى ، وتتدافع التساؤلات وتتزاحم أساليب الاستفهام مابين مد ّ الألم وطغيان السَّقم والحيرة التي تستدني القلق،وتستعدي الأرق ، في حِراكٍ لُغويٍّ متشابك في سُبل التعبير و التقدير ، مُوارٌ تتعالق فيه كل دواعي الإنكار و الاستنكار ، وتستدني مجازات القول واستعارات التّوْق في صورٍ فنّيّةٍ مُبتَكرة تنتمي إلى حُمّى القتال وداعيات الشجار، ما بين الدروع و السهام (صور تتعاقب فيها مشاعر مختلطة تغوص في حنايا القلب وتستلهم قسوة الظلم وطغيان الكبر وجحود المحبة) في استفهامات تتداعى بكثافة تعبيرية غاية في الشعور بالظلم وذروة الشعور بالألم في بيان بليغ وتشكيلةٍ لُغويّة بالغة الفصاحة ضاجّة بالحركة معبّرة عن الانفعال : أأقول طاغية الهوى أأقول جبار الغرام أو ليس يضنيك الجوى أم أن قلبك من رخام سلسلة من المجازات جزئية التصوير، ولكنها تستعيض بكثافة التعبير|(صمت الطود وهول الحطام ... القلب الرخام وطاغية الهوى وصبر الدروع على السهام ) تراكم يحدث تحوّلاً كيفيّاً يتمثل عبر تداعيات الخواطر تنثال في انهمار متوالٍ ، و اضطرابٍ متواتر في حيْرةٍ قاهرة ووجع مُمِضٍ وصمتٍ خانق وشُحٍّ مرذول على قارعة السكون ، وتتعالى نزعات الشوق حتى تلامس سقف الغضب ونفاد الصبر، في معجم يضجُّ بحقول المعاني الغاضبة و الدلالات المتمرِّدة، وفي التفاتة تشقّ سكون الصمت ، يتعالى صوت الحب نابعاً من شغاف القلب (فلكل حبٍّ في القلوب مكانة وله مقام) صوت عشق مكتوم وحبٍّ مُلتاع ، ومشهدٍ ترسمه يراع شاعر يغالبه الشعور، وتستفزّه الّلواعج فيرسم بيراعه النازف لوحة تتشابك فيها الخطوط و تتلاقح الألوان ، وتثجسّد عبر (بورتريه) أعني بذلك اللوحة الفنيّة التي تهدف إلى إظهار ملامح الشخصيّة و التعبير عن الحالة النفسية ، وهنا تتبدّى شخصية المعشوق عبر ما ينطبع في نفس العاشق الذي ينبض قلمه وقلبه بلوعة المعاناة وخشوع الواله واشتعال المحب، وجنون الشوق وحيرة التائه في براري العشق وظلمات التيه ، وغضبة من ضاقت به السّبل وحاصرته حمّى الشوق، واستبد به غضب الثورة وسلطان التمرّد ،فيخاطب الحب الذي تجاهل فيه المحب وازورّعنه ، وتماهى فيه التعيين والتحديد و التشخيص، وتعالى عليه متشامخاً فوق معطيات الألم ومعاناة القطيعة، فجعله معنىً مُطلقاً لائذا بكرامة تتأبّى على الخضوع و تترفّع عن الخنوع ، ولعل الشاعر بهذا ينكر أن تتعالق نفسه الشاعرة مع المحدود و المقصود ، فتتحرّرُ مشاعره من القيود وتخاطب المعنى و الجوهر، في مقصدٍ نبيل وشعورٍ صادق للمعنى و القيمة دون تحديد أو تشخيص. ويتراسل العتاب مع الشكوى مع الغضب و التمرد فتنبعث دواعي التهديد والوعيد في دلال العاشق : إني أخاف تمرّدي وأخاف من هول الحطام غلكل حب في القلوب مكانة وله مقام مشاعر مختلطة تضطرب فيها اللوعة ويُستَفزُّ فيها الغضب ؛ وينحسر فيها بين مد وجزر ؛ فيلوذ بحكمة العقل وعمق الوجد وثورة الوجدان ، وتشتعل في قلبه لواعج الشوق ومعاناة الحرمان ؛ إنه الحبّ في أقسى حالات تقلبات الهوى واضطراب المشاعر ، وما تستدعيه اللوعة من عذابات الحرمان(نار اللظى يهوى الحرمان) معجم العشق في مجمل مفرداته وحقول دلالاته وكثافة الشعور به واستدعاء مشاهد العذاب و تاريخ العشاق وجنون الهوى : و الهائم المجنون يخطو في دياجير الظلام والثائر الولهان كسر القيود فلا يلام تذكرنا هذه الصورة بقصة مجنون ليلى وما حل به من أعراض الجنون والتيه في الصحاري والبراري العنوان ودلالاته، فلو عدنا لاستعراض ملامح القصيدة فنّياً لوجدنا أن العنوان الذي يبدأ بالنداء وأداته التي تشير إلى البعيد (يا) تختزل الإحساس بالتنائي بين العاشق و المعشوق ، وهو يتوجّه إلى مطلق الحب بلا تحديد أو تعيين؛ ولذلك دلالته على الاستغراق و الاستحواذ من جانب، وعلى الأُنفة والاعتداد بالذّات في تجاهلٍ مقصود للمحبوب ؛ وربما للتعبير عن فلسفة الشاعر تجاه هذه العاطفة التي تأخذ بمجامع القلوب و الألباب في مقاربة فكريّةٍ و وجدانية ، وهذا ما أرجّحه، والدليل على ذلك التعميم و تجاهل التشخيص والبعد عن خصوصية التجربة و اللواذ بعمومية الدلالة . ولعل ممّا يحسب للشاعر وملكته الثريّة ورؤاه البعيدة، وامتلاكه ناصية البيان الشعري حرصه على تنامي الشعور وتراتب المعاني ، فهو يبدأ بتصوير اندهاشه ؛ بل صدمته من سلوك المعشوق الذي جعله معنى مطلقا متمثلا في (الحب) فهو يشعر بالصدمة لتغيّر الحال وانتهاء المآل في مفارقة صادمة تتمثل في التحوّل المفاجئ من السلام و الوئام إلى الإعراض و النكران ؛ بل و الخذلان أيضاً ، وفي نُقلة انفعاليّة وجدانيّة يصوّرالشاعر أثرهذه الصدمة وما خلّفته في نفس المُحبِّ من مرارة وشعور بالخيبة ولقد تعبت من القلا و مللت من وجع الخصام والقلب يشكو من نوى والعين تسهد لا تنام ثم يمضي مستغرقا في تعمّق حالته الوجدانيّة ورؤاه الفلسفية وما انتهى إليه من تفسير لمفهوم الحب ، وهذا ا يؤيد ما ذهبت إليه آنفاً من تجاوز للتجربة الذاتيّة وتأمّلٍ في الحقائق الإنسانيّة إزاء هذه العاطفة بمعناها المطلق من القيود الذاتية إلى رؤية إنسانيّة عامة؛ من تحوّلات المحب إلى حالات متعددة : العاشق الواله الذي وصل إلى حافة الجنون مستذكِراً تجربة أجداده من الشعراء العذريين إلى تخوم الثورة والانقلاب على المحب ، وتراجعٍ يفضي إلى الاضطراب و التيه للعاشق الخاشع.، وأخيراً يلوذ بكرامته التي تتأبّى على الخضوع تأكيدا للمدخل الفلسفي للقصيدة ،وتجمع القصيدة بين تراثية المعجم ومألوف الانفعال وخفة الإيقاع التي تناسب ما يغلي في مرجل العاطفة وعمق التأمل و التمعُّن ؛فقد جاءت متسقةً مع ما تميزت به القصيدة من جمع بين غنائية مشبوبة وتأمّل في فضاءات الفكر. وفي قراءة أسلوبيّة للقصيدة يتضح أن الشاعر ارتكز على عدة ظواهر، من أبرزها الاستفهام الذي جاء على غير حقيقته مُكتسباً دلالات بلاغية تتمثّل في الإنكار الناشيء عن صدمة المفاجئة المثيرة للدهشة و المعزّزة لمفهوم العتاب والحيْرة ، وهذا مألوف في البلاغة التقليدية ؛ ولكن أهميته تنبع من اتّساقه مع الرؤية في القصيدة وتناغمه مع النبرة الوجدانيّة الغنائيّة ، كذلك التعامل مع المعاني المحورية المطلقة بوصفها كائنات إنسانية حيّة يخاطبها ، ولعله أضمر في نفسه ما يكافئها من ذوات بعينها ، فالحبُّ و القلبُ والعين و الصمتُ وما إلى ذلك من معانٍ وجوارح ، وكذلك الثنائيات المتضادة التي تكسب القصيدة سمةً دراميّة حيويّة تستنقذها من سكونية الفكر (الرضا / القسوة والوئام / الخصامو الصمت / الكلام) وكذلك منهجه في التصوير القائم على التقاط الحالة النفسية في بساطة لافتة صبر الفؤاد على الجفا صبر الدروع على السهام ويروعني الصمت الطويل كأنه نفد الكلام والمعتاد في منهج تحليل النصوص الإشارة إلى الحقول الدلالية، و في اعتقادي أن ذلك تحصيل حاصل مرتبط بالمضمون و محور الرؤيا ؛ ولكن المهم انسجام هذه الحقول مع بنية التشكيل (حقل الحب و الهوى والغرام والقلوب و الوئام) مع مراعاة وقع الظلال الإيحائيّة لكل مفردة من هذه المفردات وانسجامها مع ما يتصل بها من معانٍ ؛ فالحب بما يدور في فلكه من ألفاظ له دائرة دلالية تلازمه وتستكمل مضامينه المعتادة ، وتتمثّل في (حقل الألم و القلى و الجوى النوى الجفا والخصام والسهدو الحطام) ولكن اللافت غير المألوف في ملازمة هذه المعاني تلك التي ترفد الصورة الشعرية متمثّلةً مفاهيم الحرية و مناقضتها للعبودية ، وهنا تتجلّى عبقرية الشاعر الذي يجعل من المألوف مدهشاً؛ فيستحضر مفردات (الحرية و القيود والضيم و الثورة) وليس من شك في أن الشاعر الذي ربما أطلت في تقصّي ظواهرأسلوبه جعل من قصيدت العمودية هذه مدخلا لفهم هذه العاطفة الإنسانية