أمي: رقية الشمرية (4)..

حكايات من الحب والفقد والصبر.

الشاعر الصحفي الكاتب عبدالله الصيخان كتب عن أمه (زهرة الجنوب والشمال؛ فمن أبها أطلَّ وجهُها الأبهى) فأبوه من عنيزة وقد ذهب إلى الجنوب جنديًّا في الجيش السعودي ومن أبها تزوج زهرة التي أنجبت شاعرًا وصحفيا ومثقفا مبدعًا يقول الصيخان: (الطفولة دائمًا مرتبطة بالأمومة؛ فحين تكبر قليلا وتستعيد من أمك أهازيج وأغاني مهدك؛ تسمعها ثانية وثالثة؛ فتشعر أن هذا الإيقاع موجودٌ هنا؛ وتشير إلى قلبك؛ فالإيقاع يبدأ من قلب الأم وإليه يعود) ويضيف:(الأمومة والطفولة مَنْجَمان مشعان بالشعر والرحمة معًا. أما حين تموت أُمُّ الشاعر، وتَعصر فاجعةُ فقد الغالية حشاه؛ لأنه لم يكن ليتخيل في أقصى تخوم خياله الشعري؛ أن قلب أمه سيطاوعها لترد على داعي الرحيل؛ فإن الشاعر مضطر لئلا تتوقف الأرض عن الدوران؛ أن يجد في القصيدة امتدادًا متجددًا للأمومة؛ وهكذا فَعَل شعري بعد زهرة؛ هو قصائد زهرة) أما المبدع الكاتب الإعلامي محمد علوان رحمه الله فيكتب عن أمه: هيلة بنت أحمد الشهراني فيقول: (أمي حكاية الملاح؛ حكاية لم يحضرها سواي وأخَواتي وإخواني؛ هيلة كانت حكاية القرويات الملاح اللاتي يتزوجن من أبناء المدن؛ تحمل قلبًا يتسع للجميع، لا تغضب، إنها قليلة الكلام، كثيرة العاطفة، قريبة الدمعة؛ كانت سحابة تُغدق على البيت؛ كانت تملك من الصبر ما لا يحتمله مخلوق؛ لا تطفئ الحريق بمزيد من النار بل بمحبة الآخر والتغاضي عن الأخطاء) بعد أن يمعن محمد علوان في سرد المواقف والحكايات التي تؤكد مزايا أمه؛ يتذكَّر أن هذه صفات كل الأمهات؛ فيختم تفاصيل الثناء بالقول: (إنها تشبه كل الأمهات في الدنيا) وهذه من أصدق العبارات التي يقوم عليها من الشواهد بقدر ما مرَّ على أديم الأرض من أمهاتٍ رائعات. إنني حين أقتبس هذه النصوص عن الأمهات الرائعات؛ أستحضر صورة أمي (رقية الشمرية) مع كل نص. بعض المقالات يمثل نصًّا أدبيًّا يفيض إشراقًا، وجمالًا، وروعةً، وتأثيرًا؛ ومن هذا البعض مقالة الكاتبة منى اليوسف عن أمها (عفيفة) التي تزوجت قبل أن تُكمل الرابعة عشرة من عمرها، وأنجبت ثلاث بنات قبل أن تبلغ العشرين ولأن نسلها من البنات فقد عاقبها زوجُها بالطلاق؛ فبقيتْ بعد العشرين وحتى جاوزت السبعين؛ من دون زوج، ظلت مسؤولة عن إعالة ثلاث بنات تقول منى اليوسف عن أمها: (يُخيَّل لي أن أمي أفاقت يومًا لتجد نفسها زوجة، وأفاقت يومًا آخر لتجد أنها أصبحت أُمًّا، ثم أفاقت يومًا آخر لتجد نفسها في تمام نضجها مطلَّقةً؛ وفي عنقها ثلاث فتيات. يا ويل أمي من مجتمعٍ تقليديٍّ يُشفق على أم البنات؛ يستصغرها، ويستضعف أمومتها وأنوثتها، يا ويل أمي من قَدَر أمي) وتقول: (عاشت أمي العديد من الهزائم) وتقول: (هناك فرقٌ بين حبي لأمي، ورغبتي ومحاولاتي المستميتة أن لا أكون نموذجًا مكررًا من ضعفها وانكسارها؛ وبذلك خسرتُ؛ فلم أتعلَّم منها سرعة البديهة، وحسها المرح، وروح الفكاهة؛ خسرتُ فلم أفهم انكسارها مبكرًا) إن الكاتبة لا ترضى من أمها الإغراق في الطيبة، والاستعداد المطلق للتسامح؛ فأحيانا يكون الظلم فظيعًا لا يستحق أن يسامَح تقول: (أتذكر انكسار أمي وشموخها؛ عادت أمي شامخةً في انكسارها، متَوَّجةً بقلبها المهزوم؛ ولكن عفيفة كربَّات الجمال والأمومة؛ أحب عفيفة ولا أريد أن أكون هي؛ أتبع تعليماتها وقوانينها بالحرف، أرافقها كما تريد لكنني أعرف أنني لن أكون هي) وتقول: (هذه المرأة القادمة من زمن الأحلام؛ لتعيش في زمن الانكسارات بشموخ طفلة) وتقول: (هي أمي عفيفة؛ بوصلتي وشراعي، هزيمتي وانكساري، وجهٌ يشبهني؛ امرأة تختزن بين أناملها امتداد تاريخ أمومتي؛ أمي الطفلة التي تحتويني تحت رداء عباءتها؛ لأعود طفلةً في محراب أمومتها) إنها مقالةٌ موجعة ومؤثِّرة؛ إنها زاخرةٌ بالألم والشكوى؛ مقالةٌ تَصرخ احتجاجًا؛ الاحتجاج ضد الأب، والاحتجاج ضد المجتمع، والاحتجاج ضد التقاليد المتكلسة، والاحتجاج ضد استسلام أمها واستعدادها للمسامحة مع من دمَّر حياتها. أما المبدع سعد الدوسري فمشاركته نصٌّ إبداعي مكتظٌّ بالدلالات؛ نصٌّ أسَرَني؛ نصٌّ اسْتَلَّتْه الدكتورة فوزية أبو خالد من عملٍ إبداعيٍّ طويل؛ وأنا أحاول أن أستلَّ منه شيئًا يعيد لنا صورة الماضي القريب ويرينا كيف كنا وكيف صرنا؛ فهو نصٌّ جميل ومثير وزاخر بالإيحاءات العميقة الموجعة؛ ففي ثلاث صفحات فقط كثَّف سعد الدوسري صورةً مكثَّفةً ناطقةً عن الحياة في هذه البيئة الصحراوية القاحلة قبل استخراج الخيرات من باطن الأرض، لكننا من هذا النص القصير الكثيف عَرَفْنا كيف عاش أبوه عبدالله بن محمد في كَدٍّ وشقاء، وكيف عاشت أمه موضي بنت منصور، في كدح وضيق، وكيف عاشت جدته الكفيفة فاطمة التي سلب منها الجدري عينيها، وكيف عاشت وكافحت وتعلمت أخته حصة: (سأصبح مُعَلِّمة؛ -وهكذا كانت فحققت أمنيتها- من الرس إلى الرياض، إلى معهد المعلمات بالمربَّع، إلى دفاتر التحضير والتصحيح في مدرستها الابتدائية الأولى في حي ثليم؛ كانت أقوى من الوقت؛ تصحو فجرًا، ولا تكل، ولا تمل من العمل مع والدتها في بيتٍ طينيٍّ صغيرٍ خانق؛ بالكاد تتنفَّس فيه عشرةُ أجساد، وعشرات الكراريس، ثم تسهر حصة ما بقي من الليل؛ تخيط ما تمزَّق من العمل؛ ضاغطةً بكفيها على كليتيها؛ متخيِّلةً أنه ألَمُ ظهرها؛ كان الألم في رأسها؛ ورْمٌ دماغيٌّ كان يلتهم مراكز حيويتها؛ ويجعلها تتلاشى شيئًا فشيئًا؛ فلم يبق من شللها الكامل سوى ابتسامتها الساحرة؛ زال هذا السحر لتَعْبُر خارج الحياة) وهكذا ماتت أخته حصة؛ مودعةً الجميع بابتسامتها الساحرة. المبدع سعد الدوسري؛ يكتب أن أُمَّه موضي تزوَّجت أباه عبدالله وأنجبت وتغَرَّبت وهي ما تزال طفلةً، كان الناس يتحملون المسؤوليات مبكرين منذ الطفولة؛ فالفقر لا يعترف ببراءة الطفولة؛ انتقلتْ موضي مع زوجها من القصيم إلى الطائف: (كان عليهما العيش في غرفةٍ من الصفيح على سطح عمارة؛ عاشا مزيدًا من الشقاء والفقر) في غرفة الصفيح وُلد أخوه صالح وأخته حصة. مات صالح في الستين من عمره بسرطان الرئة، وماتت حصة بسرطان في الدماغ وهي في الستين من عمرها. يقول المبدع سعد: (أمي هي بطلة معظم أعمالي؛ كل حرف كتبته عنها؛ قرأته لها) الجدري اختطف من أمه في طفولتها إحدى عينيها؛ بقيتْ موضي تعيش: (بالعين التي نجت من الجدري) أما أبوه فإن: (الصحراء رافقتْ طفولةَ رَعْيِه للأغنام) أخته بدرية تزوجت وأخذها زوجها معه إلى خميس مشيط فحدثت في بيتهم مناحة على هذا السفر البعيد !!!. مات أبوه في السابعة والخمسين من عمره. هكذا هو ونسله قَصَفَهم الموتُ قبل الستين.