بيتٌ يسكنه الإحسان
• لم أفكر يومًا في الكتابة عن والداي. فالأب والأم، في وجدان الابن، ليسا موضوعًا للكتابة بقدر ما هما جزءٌ من تكوينه، والإنسان يعجز أحيانًا عن وصف ما يسكن أعماقه، غير أنني منذ عدة أيام، قرأت مقالًا للأستاذ إبراهيم البليهي في مجلة اليمامة كتب فيه عن والدته “رقية الشمرية” وقبله كتب الدكتور فهد العرابي عن والدته “فاطمة الكنانية” فاستوقفتني تلك المواقف النبيلة: أن الوفاء لا يقتصر على الدعاء، بل قد يكون أيضًا في توثيق حياة من عاشوا للناس، ورحلوا قبل أن يكتب أحد عنهم. ظل هذا المقال يتَخَلَّق في ذهني، حتى أدركت أن الحديث عن والدتي” رقية الصقعبية” ووالدي “محمد الوابلي” ليس حديثًا عن أسرة فحسب، بل عن جيل كامل صنع المجتمع قبل أن تصنعه المؤسسات. تزوجت أمي “رقية بنت حمد الصقعبي “وهي في الثالثة عشرة من عمرها، وقد يبدو ذلك اليوم أمرًا يثير الدهشة، لكنه كان جزءً من طبيعة المجتمع في ذلك الزمن، حيث كانت الفتاة تعبر سريعًا من الطفولة إلى تحمل مسؤوليات الأسرة، كفاطمة الكنانية، ورقية الشمرية. غير أن ما يلفت النظر ليس صغر سنها، وإنما نضجها المبكر، وقدرتها على أن تتحول، في سنوات قليلة، إلى امرأة حملت على عاتقها رسالة إنسانية تجاوزت حدود بيتها. أما والدي” محمد بن يوسف الوابلي” الذي هو من أسرة تمتد جذورها إلى عنيزة، فقد ولد في بريدة سنة 1337هـ - 1918/1919م. وهي السنة التي تفشى فيها وباء الإنفلونزا الإسبانية، الذي اجتاح ثلث مساحة المعمورة، ولم تسلم منه “الجزيرة العربية” وراح ضحيته آلاف من البشر. روى لي جدي يوسف بن عبد الله الوابلي - رحمه الله - أنه بعد عودته من الكويت - بعد سنوات أمضاها في مهنة الغوص طلبًا للرزق - عايش انتشار الجائحة في تلك السنة التي أسماها الأوائل “سنة الرحمة” والتي لن تعود مرة أخرى بحول الله ورحمته. وكان عمره حينئذ ثلاثون سنة: أن الناس كانوا لمدة ثلاثة شهور- محرم، وصفر، وربيع الأول من عام 1337هـ يتساقطون صرعى داخل البيوت، وفي باحات المساجد، وعلى قوارع الطُرُق، وأن الفِتْيَة - وكان أحدهم - ونتيجة لعدم كفاية نعوش المساجد للأعداد المتزايدة من الموتى – خاصة في الشهر الثاني – اضطروا لخلع أبواب غرف المنازل لاستخدامها في تغسيل الموتى، وحملهم عليها كنعوش إلى المساجد، ومن ثم نقلهم إلى المقابر. وقال: أنهم في قمة الجائحة كانوا يحملون أكثر من جنازة على نعش واحد. كما ذكر رحمه الله: أن أسرة واحدة خرج من بيتها في يوم واحد سبع جنائز. وقال: كان أنين المرضى، وبكاء الأطفال، وعويل الثكالى، يسمع من خلف جدران البيوت. ففرت الناس إلى الله، وجأرت المساجد بالقنوت – متضرعين إليه تعالى - أن ينهض عنهم ذاك الوباء، حتى رفعه في نهاية ربيع الأول من تلك السنة. في زمن كانت فيه المعرفة شحيحة، لكن الشغف بها كان قادرًا على أن يصنع الرجال. نشأ والدي محمد في بيت عرف قيمة الكفاح، فكبر وهو يرى أن الحياة لا تمنح الإنسان شيئًا ما لم يسعَ إليه. لم يكن التعليم النظامي موجودًا آنذاك، ومع ذلك لم يقف عند حدود ما تلقاه في طفولته على يد الشيخ صالح الصقعبي – رحمه الله - بل جعل من نفسه مشروعًا دائمًا للتعلم. كان يقرأ الصحف السعودية والمجلات المصرية بنهم، ويتابع نشرات الأخبار منذ الحرب العالمية الثانية، حتى غدا المذياع جزءً من يومه، لا ليملأ به فراغ الوقت، بل ليبقى على صلة بعالم يتغير من حوله. وتعلم اللغة الإنجليزية بجهده الذاتي، فصار يترجم البرقيات التجارية الواردة من الهند وهولندا إلى تجار بريدة، في وقت كانت فيه معرفة تلك اللغة نادرة. وكان يؤمن، دون أن يصرح بذلك، بمعنى قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. لم يكن العلم عنده زينةً للعقل فحسب، بل وسيلةً لخدمة الناس. ولهذا، حين انطلق بناء العمائر في بريدة، في الخمسينات الماضية من القرن العشرين – قبل تأسيس البلديات - لم يقف متفرجًا، بل انخرط في تخطيط الفيلات والعمائر، كما أصبح مرجعًا في كتابة الوثائق، ومُحَكِّمًا في القضايا العقارية، وعضوًا في لجنة تثمين العقارات – في البلدية - ممثلًا للأهالي لأكثر من أربعين عامًا، يؤدي هذا العمل متطوعًا، لا ينتظر عليه أجرًا ولا مكافأة. ولم يكن يرى في ذلك فضلًا، بل واجبًا، فالناس، في نظره، لا يقاسون بما يملكون، وإنما بما ينفعون. وأحسب أن هذه الفكرة هي التي جمعت بينه وبين قرينته. فالحياة الزوجية لا تستقيم بطباع متشابهة فحسب، بل بقيم مشتركة. وقد اجتمع والدي ووالدتي على قيمة واحدة ظلّت تحكم حياتهما كلها: أن الإنسان خُلق ليكون نافعًا لغيره. ولهذا لم يكن زواجهما مجرد اجتماع رجل وامرأة، بل كان اجتماع رسالتين. كان هو يخدم الناس بعقله وقلمه. وكانت هي تخدمهم بقلبها ويديها، ومن هذا اللقاء وُلد بيتٌ لم يكن يشبه كثيرًا من البيوت. ولدت رقية بنت حمد بن فهد الصقعبي سنة 1353هـ في بريدة، في أسرة عُرفت بالمروءة والنجدة، لكن ما ورثته من أسرتها لم يكن وجاهة الاسم وحدها، وإنما الإيمان بأن قيمة الإنسان فيما يقدمه للناس. كانت الحياة آنذاك تُعجِّل بالنضج، وكانت المسؤولية تبدأ مبكرًا، غير أن كثيرًا من الفتيات يعشن المسؤولية، وقليلات منهن يحولنها إلى رسالة، وكانت “رقية الصقعبية” واحدة من أولئك القليلات. لم يكن بيتها نهاية عالمها، بل كان بداية الطريق إليه. في ليالِ الشتاء، كانت الريح تعصف في الأزقة، والسماء مثقلة بالسحاب، والأرض تغوص بالأقدام من أثر المطر. وفي ذلك الظلام تخرج وحدها، تضع على رأسها قطعة من الخيش لتقيها المطر، وتمضي بخطى سريعة، لا إلى زيارة، ولا إلى مناسبة، بل إلى بيت آخر، لأن فيه امرأة باغتها المخاض. لم يكن في بريدة يومئذ مستشفى، ولا سيارة إسعاف، ولا طبيبة مناوبة، كان هناك ضمير امرأة. وكان ذلك يكفي. فإذا جاءها من يستغيث بها من خارج البيت، خرجت إليه دون تردد، مهما كان الوقت، ومهما كانت قسوة الطقس. كانت تمشي في الأزقة الموحلة، تستضيء بوميض البرق، حتى تصل إلى امرأة يعتصرها ألم المخاض، فتجلس عندها حتى يطمئن قلبها ويخرج وليدها إلى الدنيا. وكانت إذا فرغت من ذلك، قد تُدعى إلى مهمة أخرى لا تقل مشقة ولا قداسة. امرأة توفيت، وأهلها ينتظرون من يغسلها. فتذهب في الليل كما في النهار، وفي الصيف كما في الشتاء. لا تحمل معها إلا خبرتها، وإيمانها بأن الإحسان لا يُؤجل. ولعل الآية الكريمة كانت تصدق على سيرتها وإن لم ترددها بلسانها: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. من أجمل ما قيل في “رقية الصقعبية” شهادة المُدَوِّن الأستاذ عثمان الهبدان، وهي شهادة تكتسب قيمتها لأنها صادرة عن شاهد من المجتمع، لا عن فرد من الأسرة. لقد وصف بيت الوابلي بأنه كان أشبه بجمعية خيرية قبل أن تعرف بريدة الجمعيات الخيرية، وقال إن الغرفة التي خصصتها رقية الصقعبي في منزلها للولادات كانت معروفة عند أهل الحي، بل إنها كانت تخرج في أي ساعة من الليل أو النهار لتوليد النساء أو تغسيل الموتى من النساء والأطفال – احتسابًا لوجه الله تعالى - حتى غدت معروفة في المدينة كلها باسم “أم الوبالا” وأحسب أن هذه الشهادة تختصر حياة كاملة. فالإنسان قد يكتب سيرته بنفسه، لكنها تبقى روايته، أما حين يكتبها الاخرون عنه، فإنها تصبح جزءً من الذاكرة العامة. ولم يكن والدي محمد بعيدًا عن هذه الرسالة، بل كان شريكًا فيها. فحين تخرج رقية لأداء واجبها، تعلم أن في البيت رجلًا يساندها، ويقدّر ما تقوم به، ويرى في عملها عبادة لا تقل شأنًا عن أي عمل آخر. وهكذا، من غير اتفاق مكتوب، ومن غير شعارات، تقاسم الزوجان أدوارهما، هو يحفظ حقوق الناس بالقلم، وهي تحفظ كرامتهم بالرعاية. هو يصلح بين المتخاصمين، وهي تواسي المنكوبين. هو يفتح بيته ودكانه لطالب المشورة، وهي تفتح بابها لصاحبة الحاجة. وكان البيت في النهاية، بيتًا واحدًا، لكن رسالته كانت تتسع لمدينة بأكملها. وقديماً قال الشاعر: أحسنْ إلى الناسِ تستعبدْ قلوبَهُمُ ..... فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ ولم يكن والداي يعرفان هذا البيت أو يستشهدان به، لكنهما عاشا معناه. لم يكونا ينتظران شكرًا، ولا ثناءً. وكانا يدركان، بفطرة المؤمن، أن الخير الذي يُبتغى به وجه الله لا يضيع. ولذلك، بقي ذكرهما بعد رحيلهما، لأن الأعمال الصادقة تسبق أصحابها إلى قلوب الناس. من يتأمل حياة البشر، يدرك أن البيوت ليست سواء، فهناك بيوت تُغلق أبوابها على أهلها، فلا يجاوز خيرها جدرانها، وهناك بيوت يفيض خيرها على الجيران، ثم على الحي، ثم تصبح - من حيث لا يشعر أصحابها - جزءً من ذاكرة مدينة بأكملها. وكان بيت والداي من هذا الصنف. لم يكن بيتًا واسعًا في مساحته فحسب، لكنه كان واسعًا في معناه، ولم يكن عامرًا بالأثاث الفاخر، بقدر ما كان عامرًا بالأرواح الطاهرة، والنيات الطيبة. وأحسب أن أجمل ما يمكن أن يقال عنه: أن هذا البيت لم يكن يعرف الفرق بين صاحب الحاجة والقريب، فالحاجة كانت هي القرابة. ولم يكن يميز بين غني وفقير، ولا بين معروف ومجهول، فالإنسان، عندهما، إنسان قبل كل شيء. كنت أراقب والدي في طفولتي، ولم أكن أدرك أنني أتعلم. كان يجلس ساعات طويلة بين أوراقه. يكتب عقدًا، ويصحح وثيقة، ويراجع حسابًا، ثم يرفع رأسه إذا دخل عليه أحد، فيترك ما بين يديه، ويمنح زائره كامل اهتمامه، ولم أره يومًا يُشْعِر أحدًا بأنه أثقل عليه. لقد تعلمت منه أن احترام الناس يبدأ بالإنصات إليهم، وأن الكلمة الطيبة ليست أدبًا اجتماعيًا فحسب، بل عبادة، وكان، رحمه الله، قليل الحديث عن نفسه، فإذا أثنى عليه أحد، غيّر مجرى الكلام. سألته ذات مرة: لماذا تتصرف هكذا؟ فأجاب: حتى لا يتسرب العُجْب إلى نفسي. أما والدتي، فقد كانت مدرسة أخرى. لم تكن تقرأ – لأنها كانت أمية - كما كان يقرأ أبي. لكنها كانت تقرأ الإنسان، كانت تعرف من نبرة الصوت حجم الألم، ومن ملامح الوجه مقدار الخوف، ومن صمت المرأة أكثر مما تعرفه من كلامها، وربما لهذا السبب، كانت النساء يطمئنن إليها قبل أن تبدأ واجبها معهن. وقد كانت تحن على النساء الصغيرات اللائي كان أهلهن يقطنون خارج بريدة، كما كانت تستقبل في منزلها النساء اللائي يعانين من تخلف عقلي، فتطعمهن وتُحْسِن إليهن. فالرحمة، قبل أن تكون مهارة، هي طمأنينة يبثها الإنسان في قلب غيره، وقد وهبها الله هذه النعمة، ومع مرور السنين، أدركتُ أن البيت الذي نشأت فيه لم يكن يعلم أبناءه الفضائل بالمواعظ، بل بالمشاهدة. فلم يقل لنا والدي يومًا: كونوا نافعين.، لكنه كان نافعًا. ولم تقل لنا والدتي: ارحموا الناس، لكنها كانت ترحمهم. وهكذا – أحسب – أن القيم قد تسللت إلى نفوسنا، دون أن نشعر. لقد كانت التربية عندهما سلوكًا، لا خطابًا، ولعل هذا هو السر في بقاء أثرها. فالطفل قد ينسى ما يسمعه، لكنه لا ينسى ما يراه. وحين أستعيد تلك السنوات، يخطر لي سؤال كثيرًا ما راودني: هل كان والداي يدركان أنهما يؤديان عملًا استثنائيًا؟ وأميل إلى أن الجواب: لا. لقد كانا يعيشان حياتهما ببساطة. فلم يكن أبي يتصور أن دوره الاجتماعي، سيصبح بعد عقود مادة يرويها الأبناء والأحفاد، ولم تكن أمي تظن أن مئات الأطفال الذين استقبلتهم إلى الدنيا على يديها، سيصبح بعضهم شيوخًا يذكرون اسمها بعد نصف قرن، أو أكثر. كانا يعيشان يومهما، وكان الله يكتب لهما الغد. وهذه - في ظني - من سنن الله في عباده. فالذين يخلصون العمل، لا ينشغلون بأثره، أما الأثر، فيتكفل الله ببقائه، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾، ولم يكن الأجر الذي أبقاه الله لهما مالًا، ولا شهرةً، وإنما محبة الناس. وهي نعمة لا تُشترى. ثم جاء اليوم الذي انطفأ فيه ثلاثة مصابيح من ذلك البيت. في لحظة واحدة. ففي العاشر من شهر صفر سنة 1398هـ، وقع الحادث الأليم على طريق الرياض القصيم القديم، فرحلت والدتي، ومعها أخواي أحمد أكبر الأبناء، ويوسف أصغرهم. إلى جوار ربهم، ولم يكن ذلك الفقد خاصًا بأسرتنا وحدها، فقد فقدت بريدة امرأة كانت تعرفها أحياؤها، كما تعرف أسماء شوارعها. امرأة دخلت بيوت الناس في لحظات الميلاد، ثم دخلت بعضها في لحظات الوداع، وكانت، في الحالين، تحمل السكينة، ولذلك، لم يكن رحيلها مجرد خبر صادم فحسب، بل كان فراغًا شعر به كثير من الناس. أما والدي، فقد حمل حزنه بصم، وصَبرٍ منقطع النظير. لم يكن ممن يجعلون أحزانهم حديث المجالس، لكنه ظل وفيًا، فلم يكن يرغب في الزواج بعد وفاتها، حتى ألححنا عليه – بناته وأبناؤه - فتزوج بعد ذلك بسنوات، وبقي وفيًا لشريكة عمره الأولى، كما أحسن إلى زوجته الأخيرة الخالة / حصة بنت الشيخ عبد الله بن سليمان البطي – القاضي في المحكمة الكبرى في بريدة - التي قامت بواجبها نحوه ونحونا خير قيام- رحمها الله رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته. كلما تقدم الإنسان في العمر، ازداد اقتناعًا بأن الزمن لا يأخذ كل شيء. إنه يمحو الوجوه، ويسكت الأصوات، لكنه يعجز عن أن يأخذ القيم التي عاشها أصحابها بإخلاص. ولذلك، ليس كل راحلٍ غائبًا، وليس كل حيٍ حاضرًا. فكم من أناس يمشون بيننا، ولم يتركوا في قلب أحدٍ أثرا، وكم من أناس غابوا منذ عشرات السنين، وما زالوا يعيشون في ذاكرة مدينة بأكملها، ومن هذا الصنف كان والداي. لقد علمني أبي: أن العلم لا تكتمل قيمته إلا إذا تحول إلى منفعة، وأن القراءة ليست ترفًا ثقافيًا، وإنما مسؤولية أخلاقية، وأن الإنسان يستطيع أن يتعلم ما دام قلبه حيًا وعقله مفتوحًا. لم يكن يطلب مكانة بين الناس، لكنها جاءت إليه راغمة، لأن الناس بطبيعتهم يبحثون عن الرجل الأمين قبل أن يبحثوا عن الرجل المشهور. وعلمتني أمي أن الرحمة ليست عاطفة عابرة، وإنما قرار يتجدد كل يوم. كانت ترى أن من استطاع أن يخفف عن إنسان ألمًا، ثم تأخر، فقد فرّط في نعمة أودعها الله بين يديه. ولهذا لم تكن تسأل: ماذا سأجني؟ بل كانت تسأل نفسها سؤالًا واحدًا: من يحتاج إليّ الآن؟ لقد عاش كل واحد منهما حياته بطريقته، لكنهما التقيا عند المعنى نفسه: معنى العطاء، ومعنى الواجب، ومعنى أن يعيش الإنسان لغيره، كما يعيش لنفسه. كما علمتني الحياة أن الإنسان لا يورث أبناءه المال وحده، إنما يورثهم سمعته، وربما كانت السمعة الطيبة أعظم ميراث يتركه الآباء للأبناء. فالمال قد يذهب، والعقار قد يباع، والمناصب تزول، أما الذكر الحسن، فإنه يزداد مع الأيام رسوخًا، لأن مصدره ليس الأوراق الرسمية، ولا وسائل الإعلام، وإنما قلوب الناس. ولعل أجمل ما بقي من إرث والداي، أنني كلما التقيت رجلًا أو امرأة من الجيل السابق في بريدة، أسمع كلمات لا أملك أمامها إلا الصمت. هذا يذكر موقفًا لأبي، وتلك تروي قصة مع أمي، وآخر يقول: “رحم الله أم أحمد “ولا يدري أنه، وهو يقولها، يضيف صفحة جديدة إلى كتاب لم يُكتب بالحبر، وإنما كُتب بالوفاء. ليس المقصود من تدوين هذه الصفحات أن أجعل من والداي شخصيتين من صفوة البشر، فهما، كغيرهما من الناس، عاشا أفراح الحياة وأحزانها، وأصابا وأخطآ فيما لا يخلو منه بشر، لكن ما يستحق أن يُحفظ من حياتهما هو ذلك الخيط الرفيع الذي انتظم أيامهما كلها: الإخلاص في خدمة الناس. ولعل هذا هو ما جعل شهادات الآخرين عنهما تتشابه، على اختلاف أصحابها. لم يصفهما أحد بكثرة المال، ولا بعظيم الجاه، بل وصفوهما بما هو أبقى من ذلك كله: بالنفع. وهنا أتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناس. وأحسب أن هذا الحديث يلخص سيرتهما أكثر مما تلخصها الكلمات. وهنا أود أن أقول كلمة إلى الجيل الجديد: إن الحضارة لا تشيد بالمباني، ولا تحكم بالأنظمة، ولا تُدار بالمؤسسات فحسب، بل إنها تحيا حين يشعر الإنسان أن مسؤوليته لا تنتهي عند باب بيته. وهكذا كانت الأجيال التي سبقتنا، فلم تكن تقتني كثيرًا من الوسائل والتقنيات الحديثة، لكنها كانت تملك كثيرًا من المبادرات والمشاعر الطيبة، ولذلك استطاعت أن تؤسس مجتمعًا متماسكًا، قبل أن تؤسسه القوانين. ومهما تغيرت المدن بعمرانها، فإنها تبقى بذاكرتها. ولا تُختزل ذاكرة بريدة في سِيَر أعلامها وحدهم، وإن كانوا أصحاب أثرٍ عظيم، بل تمتد لتشمل كل من أسهم في بنائها ونهضتها؛ من أمرائها وعلمائها وتجارها، ومن الرجال والنساء الذين عاشوا بعيدًا عن الأضواء، فكانوا، بإخلاصهم وعملهم الصامت، يضعون لبنات المجتمع جيلًا بعد جيل. ولهذا رأيت أن من الوفاء للمدينة، قبل أن يكون وفاءً لوالديّ، أن تُكتب هذه السيرة.