الرايس وعبق ذكرى.
علاقتي بالرايس قديمة، منذ أن كنت معلمًا في محافظة بدر، وكان ذلك في ثاني سنة تعيين لي بعد محافظة جدة، وما راح أقولكم عام كم عشان ما تكبروني! كنت بين الفترة والأخرى أذهب إليها لأنها لا تبعد عن بدر سوى نحو 35 كيلومترًا، وهي اليوم بعكس ما كانت بالأمس، حين لم يكن يوصل إليها سوى طريق ترابي، وعددُ محلاتها ومرافقها على أصابع اليد الواحدة. والرايس بلدة ساحلية خلابة على شاطئ البحر الأحمر، تتبع لمنطقة المدينة المنورة وتبعد عنها 180 كيلومترًا، شواطئها تشرح الصدر، وتُعدّ متنفسًا للعائلات وهواة الصيد. ومن جاءها من عمق البر تستقبله نسمة رطبة فيها نفَس البحر، فيعرف أنه اقترب من شواطئها. وحين كنت في بدر معلمًا كنت أقطن مع زميلين أذكر صحبتهما بخير، ورحم الله غازي القصيبي: والصحبُ؟ أين رفاقُ العمرِ؟ هل بَقِيَتْ سوى ثُمالةِ أيامٍ.. وتذكارِ خرجنا ذات يوم إلى الرايس قبيل الغروب بنصف ساعة، وجلسنا على شاطئها الرملي نستمتع بهوائها العليل، والشمس أمامنا تصافح البحر على مهل، حتى توارت بالأفق. ولم ننتبه في طريق عودتنا، فدخلنا في منطقة طينية اختلط فيها الماء بالطين نسميها بالعامي «خفاش»، ولم نتمكن من إخراج السيارة إلا بمساعدة أحد سكان القرى المجاورة، كان يمر مصادفةً من هناك ومعه جيب. وكان الظلام قد لفّ المكان، فأخطأ صديقي طريق العودة إلى الشارع الرئيس، وبالكاد وصلنا إليه متتبعين أضواء المركبات من بعيد. وبين الرايس التي زرتها معلمًا والرايس اليوم حلمٌ يشق طريقه؛ الإضاءة في كل مكان، والمنطقة وجهةٌ تستحق أكثر من زيارة ، وبرامج الرؤية كفيلة بأن تجعل منها مستقطَبًا عالميًّا؛ لأنها تملك المقومات إضافة إلى قربها من المدينة المنورة، وتحيط بخاصرتها مدن صناعية وساحلية كينبع ورابغ وجدة. وقد ودّعت بدر وبحر الرايس معلمًا منتقلًا إلى قرية العشيرة، لكنني عدت إلى الرايس ذات يوم بدعوة من أمانة محافظة بدر للمشاركة في مهرجان الرايس الشعري الذي كان يقام حينها. أقيمت الأمسية قريبًا من الشاطئ، وبين الشعر ونسائم البحر امتد السهر ذلك المساء. الرايس تطورت وما زالت تواصل طريقها، ولها عشاقها من هواة البحر والصيد، والباحثين مثلي عن نسمة هواء في ليالي الصيف، وما زال قلبها مفتوحًا للكثير من الأحلام.