سياحة الدّعة والاسترخاء،

يتذكّر سائحٌ عربي - لا يُمثّل كلّ السيّاح العرب بالضرورة - وهو يتنقّل من مدينة إلى مدينة، ومن بلد إلى بلد، أن أكثر ما أهمله في أسفاره هو زيارة المتاحف والآثار. فما أكثر ما ذهب إلى المطاعم والمقاهي والمحطّات والأرصفة والواجهات، لكنه تذكّر أيضاً، في شيءٍ من الخجل والشعور بالذنب، أنه لم يذهب مثلاً مرّة واحدة إلى متحف «اللوفر» في باريس، أو «المتروبوليتان» في نيويورك. وفي لندن كان يُقيم في فندقٍ يقع على مرمى حجرٍ من متحف «التاريخ الطبيعي»، وكان يشتري الصّحف والذُّرة المشويّة من أمام بوّابة المتحف، لكنه لم يُفكّر يوماً في الدخول إليه، وما لم يُشاهده من تُحفٍ وآثار معروضة على الطُّرقات، فإنه لم يُشاهده أبداً! يُحاول أن يُقنع هذا السائح نفسه بأننا قومٌ لُقّنا ألّا نذهب إلى المتاحف.. وبسبب اختلافنا على التاريخ؛ تجنّبنا الذهاب إلى حيث شواهده، وبدلاً من ذلك طرِبنا لعادة الذهاب إلى مطاعم السواحل والجبال، حيث تُحلّ الخلافات النظرية على مُتون الطاولات! ويُجادل صاحبنا في ذلك بأن: «الإنسان ليس كومةً من الذكريات فقط، بل إنه أيضاً كومة من العادات، ونحن نتصرّف بحُكم العادات، والعادة بنت التربية، وهي ليست طبيعة ثانية بل هي أقوى من الطبيعة عشرة أضعاف»! كما قال القائد الإنجليزي «دوق ولينغتون». ويُجادل أخونا بأننا في كلّ حال ليس من عاداتنا الذهاب إلى المتاحف؛ إلى تلك المعارض الدائمة التي يُقيمها لنا التاريخ، إذ يبدو أن المتحف بحدّ ذاته كنادٍ فنيّ لم يكُن معروفاً في آسيا كلّها، بل: «كان الشرقيون يُفضّلون المتاحف القائمة في العراء»، كما يدّعي الكاتب الفرنسي «مالرو».. ولكن كيف يُمكن أن نضع لوحة «الموناليزا» مثلاً تحت الشمس والمطر، وكأنها تمثالٌ روماني أو تابوتٌ فينيقي!؟ طبعاً هناك من يقول: «لماذا يذهب أهل الشرق إلى المتاحف، والشرق متحفٌ كبير؛ من بابل والبتراء وتدمر وبعلبك في بلاد الشام، ومدائن صالح والأخدود والفاو في الجزيرة العربية، والأهرامات في أرض الكنانة، وبابل في بلاد الرافدين؟ الحقيقة أننا نذهب ربما لأن المتاحف لم تعُد بيتاً من بيوت التاريخ، ولا قصراً من قصوره، ولا أعمدةً تنتصب كالشواهد على أن الأجداد كانوا أكثر عطاءً من الأحفاد، بل إن متاحف اليوم هي مزيج من مَعارض لصُّور المستقبل، ومقدرة الإنسان المُعاصر، وروعة العِلم، وتداخل الأحداث الكونية الآتية برؤية الإنسان القديم، الذي ترك لنا ما ترك، وأنقذ الأخيار منّا ما أنقذوا. ولذلك فقد قرّر صاحبنا أخيراً أن يُحاول أن يُعوّد نفسه على زيارة المتاحف والآثار، وأن يقسم وقته بين المطاعم والمقاهي وبين القلاع والحُصون. ومع ذلك فإنه عندما انضمّ أثناء زيارته لليونان إلى مجموعة سياحية، كان يتململ بينما كان الدليل السياحي يروي تاريخ جزيرة «كريت»، منذ الإغريقيين الأوائل إلى هزيمة «ألمانيا» في الحرب العالمية الثانية.. كان صاحبنا يحلم بأول مقهى يلجأ إليه هرباً من هذه المجموعة الغريبة من السيّاح. كان الدليل المسكين يبذل كل ما يستطيع لكي يُغري سامعيه بالإنصات، وكان يُغيّر في طبقات صوته وِفقاً لمُقتضيات الحكاية، لكنه لم يستطع أن يُقنع أحداً بالإصغاء، وبدا من دون شكّ أن هذه المجموعة الذين وُضِعتْ هذه الوجبة الفكرية على برنامجهم، كانوا يُفكّرون بوجباتٍ أُخرى مليئة بالسمك والسَّلطة اليونانية المصنوعة بالجُبنة البيضاء! إن صاحبنا يتذكّر بندمٍ تململه من شرح الدليل السياحي، فاليوم لا يكاد يقرأ كتاباً عن الحرب العالمية إلا وفيه ذِكرٌ لتلك الجزيرة، ويتذكّر أيضاً ماذا كان يعني أحد أصدقائه، حين قال له ذات مرّة: «سآخذ أولادي في هذا الصيف في جولةٍ إلى أوروبا، لكي يروا ملامحها التاريخية، لأنهم غداً عندما يكبرون لن تهمّهم مثل هذه الأمور»! لم يكن صاحبنا يفهم ما يعني صديقه، ولم يكن يعرف أن المرء عندما يكبر يتغيّر، وربما صار همّه ارتشاف كوباً من القهوة، حتى لو كان واقفاً على جبلٍ من التاريخ.. إذ كلّما تطلّعنا حولنا وجدنا أن هناك حكاية لكلّ شيء، وأن لكلّ حجرٍ قصّة، ولكلّ اسمٍ أصلاً مُعلّقاً في عتمات الماضي. فإذا وقفنا أمام محطّة القطار في «روما» مثلاً عرفنا أن «موسوليني» أراد منها أن يبزّ أجداده الرومان، وإذا مررنا في «كولونيا» عرفنا أن الألمان أعادوا بناء مبانيهم بعد الحرب حجراً حجراً، وإذا مررنا أمام مبنى الأُمم المُتّحدة في «نيويورك» عرفنا أن «روكفلر» تبرّع بقطعة الأرض التي يقوم عليها المبنى لكي يرفع سعر قطعة الأرض المُقابلة!