المعنى الغائب :

المسرح للنجم أم للفعل الجماعي؟

يُثار في الحقل الثقافي تساؤل حول معيار الدعم المسرحي: هل يُوجَّه إلى الفنان بصفته اسمًا معروفًا وشخصيةً جماهيرية وهو معيار يجعل العرض المسرحي ناجحاً مادياً دون نص مسرحي رصين؟، أم إلى الكيان المسرحي بصفته بنيةً إنتاجيةً ومعرفيةً وجماليةً تنتج نصاً ذو قيمة فنية يمكن أن يتواجد بها نجم فني أو لا؟ عندما يصل الحال إلى طرح مثل هذه الأسئلة في وقت نؤصل فيه للتمكين فهذا يمسّ مفهوم العدالة الثقافية الذي يقوم على مبدأ أن الثقافة يجب أن تُتاح وتُوزع الفرص على الجميع دون إقصاء أو تهميش، والمشاركة في صنع القرار الثقافي. وفي نطاق ذلك فقد يميل بعضهم إلى الاعتقاد بأن الفنان هو المستحق الأول للدعم، لأن حضوره هو الذي يمنح العمل قيمته وانتشاره ومردوده المادي العالي. ولكن هذا التصور يحجم دور المسرح في شخص واحد فقط في الغالب ظهوره في العمل المسرحي دون أن ينظر للنص بعين الاعتبار، بينما المسرح في حقيقته يتمثل في الفعل الجماعي الذي تتداخل فيه الكتابة، والإخراج، والتمثيل، والتقنيات، والإدارة، والتسويق، والتلقي. الان شهرة الفنان يمكن أن ترفع من فرص انتشار العرض المسرحي، لكنها لا تؤسس وحدها لقيمة العمل أو استمراره وأثره على المتلقي. إن دعم الكيان المسرحي أكثر اتساقًا مع طبيعة الفن المسرحي نفسه. فالفرقة المسرحية، أو المؤسسة، أو المشروع الفني هي الحاضنة التي تُنتج الفعل المسرحي وتضمن استدامته بشرط أن يكونوا منتجين للفعل المسرحي الذي نطمح له إي يملكون جميع أوات العرض المسرحي الناجح، فإن ذلك يساهم في بناء بيئة ثقافية قادرة على الابداع، والتجريب، والتطور، والتنوع وبذلك يتم دعم البنية الثقافية، التي تنتج متلقي متذوق للفن وفنان يعرف كيف يصنع مسرحاً قيماً. كما أن الاعتماد على شهرة الفنان وحدها في توزيع الدعم قد يخلق خللًا واضحًا، فالأسماء التي تحظى بشهرة عادةً ما تحظى بفرص أكبر، بينما تُهمَّش التجارب الواعدة أو الفرق المسرحية أو المشاريع الناشئة، رغم أنها قد تكون أكثر حاجة إلى الرعاية والتوجيه. يمكن أن يصبح الدعم أداة لإعادة إنتاج التفاوت بين المسرحيين بدل أن يكون وسيلة للإبداع وصناعة فن مسرحي ذو أثر. لذلك فإن معيار الأحقية ينبغي أن يقوم على جودة المشروع المسرحي، ووضوح رؤيته، وأثره الثقافي، لا على نجومية ممثل دون أن ينظر للنص المسرحي ومدى رصانته. ومع ذلك لا ينبغي أن يُفهم أن دعم الكيان المسرحي على أنه إقصاء وتهميش للفنان. فالفنان يظلّ محورًا أساسيًا في العملية المسرحية، لكنه يُدعم باعتباره جزءًا من منظومة لا باعتباره قيمة منفصلة عنها. الأفضل إذن أن يُصاغ الدعم على نحو مزدوج: دعمٌ للمؤسسة أو الفرقة أو المشروع، ودعمٌ عادل للفنانين العاملين داخله عبر الأجور، والتدريب سواء كان للفنان المستجد أو المحترف، وأيضاً الفرص المستمرة المثمرة والتي لها أهداف على المدى القريب والبعيد. بهذا الشكل لا تعارض بين دعم الفرد ودعم الكيان المسرحي. إن المسرح في جوهره كمصطلح درامي هو فعل جماعي منظم يتحول فيه الصراع إلى حدث مؤثر على الخشبة وأمام المتفرج وذلك لهدف يتجاوز الفرد نحو الجماعة، لذلك أي دعم لا يرعى هذا الكيان المسرحي بشكل كامل يضيق مفهوم المسرح ويٌخل بالسياسات الثقافية. لذلك يمكن القول إن الدعم الأكثر عدلًا وفاعلية هو الذي ينهض بالمنظومة المسرحية كاملة، مع حفظ مكانة الفنان داخلها لا خارجها. *ماجستير في الأدب المسرحي.