حين أعيَتني الكتابة.

مع اختبارات الماجستير اضطررتُ للعودة إلى الكتابة بخط اليد، لأن معظم الاختبارات كانت توضع لنا في أوراقٍ نكتب عليها إجاباتنا التي تتطلب تحليلًا وعرضًا للمفاهيم ووجهات النظر، وعهدي في الكتابة بخط اليد قديم؛ فمن يوم عرفتُ لوحة المفاتيح صارت الأكثر التصاقًا بي، ولم أعد أمسك قلمًا إلا حين أضطر للتوقيع، وحتى هذا الأخير سطا عليه التوقيع الإلكتروني. دفعني ذلك إلى أن أعيد علاقتي بالقلم والأوراق، وتذكرت ما كنا نسميه أيام اختبارات الثانوية «فُروخ» أوراقٌ مسطّرة كانت تُوزَّع على الطلاب لكتابة إجابات الاختبارات..أكثر من ذلك، شاهدت عددًا من مقاطع الفيديو لطريقة مسك القلم السليمة للكتابة المريحة، وجلستُ أعيد علاقتي بالقلم من خلال الكتابة شبه اليومية. وكنت أذهب إلى المكتبة وأختار القلم المريح، وشعرتُ بالحنين لتلك الأيام؛ دفتر الخط المسطّر، والقلم الأزرق والأحمر الناشف يعتليان جيبَ الثوب الرئيسي، والإنسان بطبيعته كائنٌ يحنّ لأشيائه ولا يُلام، وقد قال المتنبي يصف إلْفَه وحنينه: خُلِقتُ أَلُوفًا لو رَجَعتُ إلى الصِّبا لَفارَقتُ شَيبي مُوجَعَ القَلبِ باكِيا كنا نكتب على أي ورقةٍ نجدها، وحتى فوق ظهر علبة كبريت أو منديل، كلماتٍ أعجبتنا، أو طرفًا من بيت شعر، ولا زلتُ أحتفظ ببعض تلك الخربشات. الكتابة على لوحة المفاتيح أسرع، وهي مهمة، خصوصًا لطالب الدراسات العليا الذي سيكون على موعدٍ مع كتابة البحوث والدراسات العلمية التي تحتاج لمثل هذه المهارات، لكنها ليست أمتع، وهي تحتاج تقنياتٍ كذلك وليس المجال الحديث عنها، لكنني أتحدث عن كيف يمكن للإنسان أن يفقد مهارةً كانت تلتصق به ولا يُظنّ أنها تُنسى، لكنها مثل أشياء كثيرة إذا قلّلتَ استخدامها أو جفوتَها تنساك، وإن عادت تحتاج وقتًا كي يعود معها ذلك الوهج والشغف. صحيحٌ أن الكتابة بخط اليد ربما تكون أبطأ، خاصةً لمن تعوّد مثلي على سرعة الطرق على لوحة المفاتيح، لكنه بطءٌ جميلٌ يشتعل معه التفكير أكثر؛ وحين تُخطئ فتمسح الكلمة الخطأ أو تشطبها، فذلك من طبيعتنا. أما على مستوى الذكريات، فكان مجرّدُ العودة إلى الكتابة بالقلم نافذةً أعادتني إلى مدرستنا العتيقة بين البساتين والنخيل، والسبورة الخضراء في فصلنا، والمقاعد الخشبية والمرسام، وذاك الطفل الذي للتو يتعلم الكتابة، ويحاول أن يلتقط الكلمات كما يفعل حين يجمع حبات النبق من أعلى السدرة.