الصورة الأخيرة.
كان التصوير في جيلنا “العتيق” لا يخرج عن صورة للشهادة الدراسية، أو صورة للهوية الرسمية، وهو ما كنا نسميه آنذاك “العكس”، قبل أن تنقرض تلك التسمية مع آخر صورة باللون الأبيض والأسود! أو صورة لغرض الذكرى، نحتفظ فيها بملامحنا العفوية ،ثم فجأة أصبحت الصورة تحضر في كل تفاصيل حياتنا، بل وحتى مماتنا، فوصلت الفلاشات إلى المقبرة! لا أعرف متى حدث هذا الانقلاب، لكنني متأكد أن الكاميرا كانت في البداية وسيلة لحفظ اللحظة، ثم قررت فجأة أن تصبح هي اللحظة نفسها! في الماضي، كنا نذهب إلى المصور بملابس تشبهنا ، فقد كانت صورنا حقيقيه ، وشعرنا كذلك ، لذلك كنا نتعامل مع العدسة كما لو أنها موظف حكومي لا يمنحك فرصة ثانية لتغيير “الفلتر”! أما اليوم، فلدينا من الصور ما يكفي لإثبات أننا شربنا القهوة، ثم أثبتنا مرة أخرى أننا شربناها من زاوية أخرى، ثم نشرنا صورة ثالثة لنؤكد أن الرغوة كانت ناجحة. حتى الطعام ضاق ذرعاً بتفاهاتنا ، فلم يعد يؤكل وهو ساخن ، فأصبح يعاني من جلسة تعذيب حتى يفقد إحساس كونه طعاماً ، يجلس على الطاولة ينتظر جلسة تصوير كاملة وكأنه “فتاة غلاف” وقد يبرد وهو يراقب صاحبه يطلب من الجميع: “لا أحد يلمس… باقي ما صورت!” أصبحنا نصور كل شيء ، السيارة قبل أن نركبها، والبحر قبل أن ننظر إليه، والهدية قبل أن نفتحها، والمطر قبل أن نبتل، والقهوة قبل أن نشربها، والسفر قبل أن نستمتع به! بل إن بعض الرحلات تبدو وكأنها أُقيمت من أجل الصور، أما الاستمتاع الحقيقي فقد تأجل إلى إشعار آخر. والسيلفي قصة أخرى..اختراع عجيب جعل الإنسان يحمل الكاميرا بيد، وملامحه باليد الأخرى ، فيبتسم وهو متأخر عن موعد، ويبتسم وهو مرهق، ويبتسم في الزحام، حتى أصبحت الابتسامة وظيفة موسمية تؤدى أمام العدسة فقط. أما المؤثرون، فقد أقنعونا أن الاستيقاظ لا يبدأ بغسل الوجه، بل بتصوير كوب القهوة، وأن المطعم ليس مكانًا للأكل، بل استوديو بإضاءة جيدة ، وأن السفر لا يقاس بعدد الأماكن التي زرتها، بل بعدد القصص التي نشرتها! ولم تسلم المناسبات من هذا الهوس..ففي حفلات التخرج، هناك من لا يعرف اسم الخريج، لكنه يعرف المصور الشخصي ، وفي الأعراس، أصبح بعض الضيوف يعملون مراسلين ميدانيين، ينقلون الحفل لحظة بلحظة، وكأن من لم يحضر سيطالب لاحقًا بإعادة البث. حتى المرض لم يعد يمرض بهدوء، لا بد من صورة للسرير الأبيض، وصورة للمحلول، وصورة للسوار الطبي، ثم تنهال التعليقات: “سلامات”، بينما المريض منشغل باختيار الفلتر المناسب! وأخيرًا… وصلت العدسة إلى المكان الذي كنا نظن أنه آخر مساحة للصمت “المقبرة” أي والله المقبرة ، ونبرة العزاء أصبحت غير بشرية أيضاً! هناك أيضًا وجد بعضنا فرصة لالتقاط صورة أخيرة، وكأن الموت نفسه يحتاج إلى تغطية إعلامية ، أخشى أن يأتي يوم يُكتب فيه على شاهد قبر أحدهم: “رحل عن عالمنا… لكن لا تنسوا “اللايك” للصورة الأخيرة”!