لماذا يظن بعض المثقفين أنهم أوصياء على الثقافة؟!

كلما اتسع المشهد الثقافي، ظهر فيه من يتصرف وكأنه وكيل الثقافة، ووصيها، والناطق باسمها. لا يكتفي بعرض رأيه، وإنما يمنح نفسه حق تحديد من يستحق أن يُسمى مثقفًا، وما الذي يدخل في دائرة الثقافة، وأي الأفكار تستحق أن تُسمع، وأيها يجب أن تُهمَّش. وكأن الثقافة دارٌ لها باب، يقف عنده حارس يقرر من يعبر ومن يبقى خارجه. ولا تنشأ هذه الوصاية من منصب أو تكليف، وإنما تبدأ حين يقتنع الإنسان أن ما حصّله من معرفة يخوّله الحديث باسم الثقافة كلها. عندها يتغير معنى النقد، فلا يعود قراءةً للمشهد أو محاولةً لفهمه، وإنما يتحول إلى سلطة تمنح الشرعية لهذا، وتسحبها من ذاك، وترتب الناس في مراتب، وكأن الحقيقة استقرت عند طرف واحد. ومن هنا تضيق الثقافة بأهلها. فالوصي لا ينشغل بما يمكن أن تضيفه الأفكار، بقدر ما ينشغل بمن قالها. ولا يرى في الاختلاف فرصة لتوسيع أفقه، وإنما يعدّه اعتراضًا على مكانته. لذلك يكثر من إصدار الأحكام، ويقل عنده الإصغاء، حتى يصبح الانتصار لرأيه أهم من البحث عن الحقيقة. الثقافة لا تُبنى بهذه الطريقة. إنها تراكم طويل، يخطئ ويصيب، ويتقدم ويتعثر. ومن اعتاد أن يبحث عن الإخفاق في كل تجربة، فلن يرى المشهد كما هو، بل كما رسمه في ذهنه قبل أن يقرأه. والأغرب أن بعض الأصوات لم تعد تكتفي بقراءة الكتب أو نقد المبادرات، وإنما أخذت تمنح الناس ألقابًا وتسلبها منهم. فهذا مثقف، وذاك لا يستحق هذه الصفة، وهذا يمثل الثقافة، وآخر لا مكان له فيها. وكأن الثقافة امتياز يمنحه أفراد، لا رحلة يثبتها العمل، ويشهد لها الزمن. لهذا يبقى الفرق كبيرًا بين الناقد والوصي. فالناقد يقرأ ليكتشف، ويحلل ليُقوِّم، ويختلف ليُثري الحوار. أما الوصي فيقرأ ليحكم، ويكتب ليحسم، ويتعامل مع رأيه على أنه خاتمة النقاش. وهنا يفقد النقد رسالته، ويتحول إلى أداة للهيمنة لا وسيلة للفهم. إن المشهد الثقافي الحي لا يرهقه تعدد واختلاف الآراء، إنما يرهقه ادعاء امتلاك المعرفة. فما من فكرة نضجت إلا بعد أن صهرها النقاش، وما من معرفة بقيت حية إلا لأنها قبلت المراجعة والتفكيك. وما إن يظن أحدهم أنه أصبح المتحدث الرسمي باسم الثقافة، حتى يبتعد عنها في اللحظة ذاتها التي يتوهم فيها أنه يدافع عنها. فالثقافة لا تحتاج إلى من يتحدث باسمها، وإنما إلى من يضيف إليها. والوصاية لا تصنع مثقفًا، وإنما تصنع سلطة جديدة، يتغير اسمها، ويبقى أثرها واحدًا.