عَبْرَةٌ في صرخة طفل.
هناك مشاهدٌ تنتهي في المكان لكنها لا تغادر الذاكرة وما شهدته في ذلك اليوم كان واحدًا منها. لم تكن الطريق مزدحمة لكن الزمن في تلك اللحظة بدا وكأنه توقف كانت آثار الحادث تملأ المكان ووجوهٌ يعلوها الذهول وصمتٌ يقطعه صوت استغاثة ترجّلت مسرعًا ولم يكن بيدي سوى الاتصال بالإسعاف علَّ دقائق الانتظار تصبح أرحم من قسوة المشهد. وسط ذلك كله استوقفني مشهدٌ لن أنساه ما حييت طفلٌ وقف أمام سيارتي يصرخ بكل ما أوتي من براءة لم يكن يعرف كيف وقع الحادث ولا كيف يغيّر شيئًا لكنه كان يصرخ وكأن صوته وحده قادرٌ على أن يعيد والديه إليه. كانت عيناه تبحثان عن وجهٍ يطمئنه وعن يدٍ تعيد إليه الشعور بالأمان بينما كانت الحياة تمضي في امتحانها القاسي لا تلتفت إلى دموع صغير ولا إلى رجاء قلبٍ لا يعرف من الدنيا سوى حضن أبٍ ودفء أم ولكن رحمة الله فوق كل شيء. غادرت المكان بعد اتصالي بالإسعاف والشرطة والجهات المختصة وتدخلهم السريع الذي يُشكرون عليه لكنني لم أغادر ذلك الصوت. ظل يرافقني وكأنه يهمس ما أضعف الإنسان حين يظن أن الغد مضمون وما أقرب النهاية حين يغفل عن حقيقتها. منذ تلك اللحظة أدركت أن الدنيا لا تمنح أحدًا عهدًا بالبقاء وأن ما في الحياة من تباغضٍ وحسدٍ وضغينةٍ قد لا نجد فرصةً للاعتذار عنها غدًا فلا الجاه يبقى ولا المال يدوم ولا القوة تمنع قدرًا كتبه الله. ويبقى شيءٌ واحد لا يرحل مع صاحبه أثره. يبقى المعروف الذي أسداه والرحمة التي منحها والكلمة الطيبة التي قالها واليد التي امتدت بالعون والقلوب التي دعت له بعد رحيله. أما صرخة ذلك الطفل فلم تكن مجرد صرخة خوف بل كانت موعظةً أيقظت في داخلي حقيقةً كثيرًا ما ننساها أن الإنسان قد يخرج من بيته وهو يظن أنه سيعود بعد ساعات بينما يكون قد حان أجله الذي كتبه الله له. في ذلك اليوم لم أعد أحمل معي صورة الحادث بل حملت درسًا لن يفارقني أن أعمارنا ليست بما نخطط له بل بما كتبه الله لنا وأن أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس ما جمعه بل ما زرعه من خيرٍ في قلوب الناس. رحم الله من رحل وحفظ الله من بقي وجعل لنا أثرًا طيبًا يبقى شاهدًا لنا بعد أن تغيب أصواتنا وتُطوى صفحات أعمارنا.