حمى الاستدراك.

من الظواهر اللطيفة المزعجة في آنٍ واحد ما يمكن أن نسميه “حمى الاستدراك” ، وهي ليست مرضًا جسديًا ، بل حالة ذهنية تصيب بعض الناس كلما سمعوا فكرة أو نصيحة أو تذكيرًا بفضيلة ، فما إن يكتمل الكلام حتى يهبّ أحدهم مستدركًا : “نعم، ولكن...”، أو “لا تنسَ أيضًا...”، أو “ينبغي أن نضيف...”. تحدث عن فضل قيام الليل ، فيذكّرك أحدهم بألا تنام عن صلاة الفجر ، وأذكر بر الوالدين ، فينبّهك آخر إلى حقوق الزوجة والأبناء ، وحثّ على الصدقة ، فيأتي من يذكّر بأهمية الادخار وعدم الإسراف ، ولا تكاد تنتهي من فكرة حتى تجد من يسابق إلى وضع ملحقٍ لها أو هامشٍ عليها أو قيدٍ يرافقها . والمفارقة أن هذه الاستدراكات تكون صحيحة في كثير من الأحيان ، فلا أحد ينكر أهمية صلاة الفجر ، ولا مكانة الوالدين ، ولا ضرورة التوازن في الإنفاق ، لكن السؤال ليس عن صحة الاستدراك ، بل عن دوافعه وتوقيته ، لماذا يشعر بعض الناس بحاجة ملحّة إلى إضافة شيء على كل كلام يسمعونه؟ لعل السبب أن التلقي الخالص مهمة أصعب مما نظن ، فالإنسان يحب أن يشعر بأنه مشارك في صناعة المعنى لا مجرد متلقٍ له. وبعض النفوس تستثقل موقع المستمع ، فتبحث سريعًا عن أي زاوية تتيح لها الانتقال إلى موقع المعلّق أو المصحح أو المكمّل ، وهكذا يتحول الاستدراك إلى وسيلة سهلة لإثبات الحضور وإعلان المشاركة . ومع الوقت قد تفقد الموعظة أثرها ، لا لأن مضمونها ضعيف ، بل لأن الأذهان انشغلت بالحواشي قبل أن تستوعب المتن ، وبالاستثناءات قبل أن تتأمل الأصل ، فليس من الحكمة أن نحاصر كل فضيلة بعشرات التحفظات ، ولا أن نغرق كل نصيحة في بحر من الاستدراكات حتى تفقد بريقها وتأثيرها . إن من حسن الأدب الفكري أن نمنح الفكرة حقها قبل أن نضيف إليها ، وأن نصغي قبل أن نعقّب ، وأن نسمح للكلام أن يؤدي رسالته قبل أن نسارع إلى تعديله ، فليس كل مقام مقام تصحيح ، وليس كل حديث بحاجة إلى ملحق أو تنبيه . وربما كانت الحكمة أحيانًا أن نقاوم رغبة الاستدراك ، وأن نكتفي بالإنصات والانتفاع ، فالكلمات لا تحتاج دائمًا إلى من يكملها ، بل إلى من يفهمها أولًا ، ومن أجمل صور النضج أن يعرف الإنسان متى يتكلم ، ومتى يترك الفكرة تبلغ غايتها دون أن يزاحمها بحاشيةٍ جديدة . ولعل أول علاج لحمى الاستدراك أن ندرك أن المشاركة الحقيقية ليست في إضافة تعليق على كل شيء ، بل في العمل بما نسمع ، فكم من شخصٍ أتقن فن الاستدراك ، وأخفق في فن التطبيق .