بعض ملامح المشهد الثقافي في المنطقة الشرقية في السبعينيات الهجرية (3-4)

من بين الجوانب التي اهتممت بها قبل نحو ثلاثين عاماً خلال البحث في مجال الحياة الثقافية في المنطقة الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية موضوع المحاضرات العامة والأندية ذات الطابع الثقافي، خصوصاً وأنه كانت تنظم في مكة المكرمة محاضرات عديدة في بحر الخمسينيات الهجرية- الثلاثينيات الميلادية- في “جمعية الإسعاف”، كانت صحيفة “أم القرى” تنشر بعض نصوصها، وتنوه عنها صحيفة “صوت الحجاز”. وبالنسبة للأندية الثقافية أو الأدبية فقد وجدت مثل هذه الأندية في الكويت والبحرين منذ عام 1922 م، وكانت “جمعية الإسعاف” و”جمعية القرش” في مكة المكرمة ثم “المؤسسة الشعبية للثقافة العامة” في بداية السبعينيات في مكة المكرمة تؤدي بعض مهامها، لكونها كانت توفر ملتقى غير منتظم لعدد من المثقفين ومكاناً لتنظيم محاضرات عامة (عن هاتين الجمعيتين وما نظم فيهما من محاضرات انظر “محمد سرور الصبان...”، “اليمامة”، العدد 2847، في 13 فبراير 2025 م، وحول هذه المؤسسة انظر “جميل الحجيلان: مسيرة في عهد سبعة ملوك”، الجزء الأول، ص ص. 130-131). وقد أدى عدم وجود مكان مناسب لتنظيم المحاضرات العامة في مكة المكرمة والمدن الأخرى إلى أن يخصص عبدالله عريف افتتاحية يقترح فيها “إنشاء “قاعات للمحاضرات” الدينية والعلمية والأدبية والدينية والعلمية والأدبية، سواءً كانت هذه المحاضرات للجمهور المثقف أو خاصة بجماعة الطب والاقتصاد والزراعة والعلوم والآداب...” ورأى أن “هذه القاعات حاجة محلية ملحة اقتضتها جهود حكومة جلالة الملك المفدى حين نقلت هذه البلاد من حياة خامدة راكدة إلى حياة متحركة متطلعة ناهضة...” (“البلاد السعودية”، في 7/6/1373 هـ، الموافق 10/2/1954 م). المحاضرات العامة والأندية في المنطقة الشرقية لا شك في أن ملتقيات ثقافية “عفوية” كانت تنظم في مجالس عدد من علماء ومثقفي المنطقة، على نحو “ترويحي” غير مؤسسي وغير منتظم. وأول إشارة- وجدتها- عن تنظيم محاضرات شبه عامة كانت تلك المتعلقة بدعوة شركة أرامكو في الظهران لأربع شخصيات من الجامعة الأمريكية في بيروت لإلقاء محاضرات ثقافية وتوعوية لموظفيها وعمالها في ذي القعدة 1370 هـ، الموافق لشهر أغسطس 1951 م؛ باللغة الإنجليزية لموظفيها الأمريكان والأجانب من غير الناطقين بالعربية وبالعربية لموظفيها السعوديين والعرب؛ “لاطلاعهم على أصول الاجتماع والتاريخ والثقافة والتعليم والاقتصاد والسياسة والدور الذي لعبته المملكة العربية السعودية والشرق الأوسط في العالم”. وقد ذكرت “البلاد السعودية” ةأن هؤلاء المحاضرين وصلوا إلى الظهران في 8 ذو القعدة- 11 أغسطس-، وهم: الدكتور نبيه فارس والدكتور اسحق الحسيني والأستاذ ألبرت بدر والدكتور رزق جرجس؛ وأنهم سيقضون ثلاثة أسابيع في الظهران، ومن جانبها ذكرت مجلة “صوت البحرين” أنهم سيتولون “الإشراف على دراسات المعلمين والمدربين السعوديين والأميركيين لشركة الزيت العربية الأمريكية، وسيلقون محاضرات شعبية في الأميين”. وجدير بالذكر أن الجامعة الأمريكية في بيروت كانت تتلقى دعماً سخياً من شركة أرامكو ودأبت على إرسال أعداد من موظفيها السعوديين والعرب والأجانب في دورات قصيرة إلى مقر الجامعة في بيروت كل عام. والذي سهل ذلك هو تسيير ثلاث رحلات أسبوعية لشركة طيران الشرق الأوسط اللبنانية من الظهران إلى بيروت في تلك الفترة. ويستشف من صحيفة “أخبار الظهران” أنه كان لشركة أرامكو موسم محاضرات سنوي في مقرها في الظهران، إذ نشرت في العدد 27، في 20/6/1375 هـ، الموافق 3/2/1956 م، خبراً عن ابتداء الشركة محاضراتها للنصف الأول من عام 1956 م بمحاضرة للدكتور جبرائيل جبور عن “الأدب العربي في الجزيرة العربية”. وعَبَّرت الصحيفة عن استياءها من القاء المحاضرة في “قاعة الطعام للموظفين الكبار”، بحضور “عدد ضئيل جداً من المعنيين بشئون الأدب” في المنطقة، وأن “الدعوة وجهت إلى أشخاص لا يُمتون إلى الأدب بصلة”، الأمر الذي نتج عنه توجيه “أسئلة سخيفة إلى المحاضر”. واقترحت الصحيفة على الشركة “الاستعانة مستقبلاً بالمثقفين السعوديين للحصول على أسماء الأشخاص الذين يستحسن حضورهم...”. وإلى جانب ما كان ينظم من محاضرات عامة كانت الشركة تدعو شخصيات من خارج المملكة لإلقاء محاضرات عبر محطة تلفزيون أرامكو التي بدأت البث في آخر عام 1957 م- سيتم التطرق إليها بالتفصيل في الجزء القادم- إذ ذكرت صحيفة “أخبار الظهران” في العدد 80، في 18/7/1381 هـ، الموافق 26/12/1961 م، أنه “وصل إلى المنطقة الشرقية الدكتور عوض محمد عوض بدعوة من شركة الزيت ... لإلقاء بعض المحاضرات عن طريق تلفزيون الظهران، وسيلقي الدكتور عوض محاضرات أهمها المحاضرة الخاصة بجغرافية البلاد العربية”. ومع أن الشركة كانت تنظم باستمرار زيارات لصحفيين وكتاب وأدباء ... سعوديين من المنطقة الغربية والوسطى ومن مناطق أخرى من المملكة للظهران تتضمن جولات في المنطقة إلا أنني لم أجد ما يشير إلى تنظيم محاضرة لأحد منهم. من جانب آخر استرعى انتباهي ما يسمى بـ”ندوة الفضيلة الثقافية” بالخبر!! وظهر اسم هذه الندوة لأول مرة في إعلان بعنوان “ندوة الفضيلة الثقافية، في شارع الملك خالد في الخبر”؛ نشر في “الخليج العربي”، في 16/3/1378 هـ، الموافق 30/9/1958 م. ثم بعد ذلك التاريخ بقرابة العام نشرت الصحيفة نفسها في 5/4/1379 هـ، الموافق 7/10/1959 م، خبراً جاء فيه: “أقامت ندوة الفضيلة بالخبر حفلاً حضره عدد كبير من الأعيان ورجال التعليم والأدباء، وقد بلغ مجموع الحاضرين أكثر من ثلاثة آلاف قُدمت فيه أربع مسرحيات. (وهي:) “مشاكل جسوم” تمثيلية هزلية، “من أجل أمي” تمثيلية اجتماعية، “فداء الوطن” تمثيلية وطنية و”المؤامرة” تمثيلية إسلامية”. وذكرت الصحيفة أن “الزميل” علي أبو خمسين- وهو سكرتير التحرير- “ألقى كلمة مرتجلة في ندوة الفضيلة الثقافية بالخبر حيَّا فيها الشباب العامل.. وكانت كلمة رائعة”. وإذا ما غضضنا الطرف عن صحة الرقم الضخم الذي أوردته الصحيفة عن عدد الحضور- أكثر من ثلاثة آلاف-، فمن المستغرب أن هذه الصحيفة التي كانت آنذاك الصحيفة الوحيدة التي تصدر في المنطقة الشرقية لم تنشر تقريراً مصوراً عنها؛ ويتوجب التذكير هنا بأن الصحيفة الأخرى- “أخبار الظهران”- كانت موقفة منذ 29 رمضان 1376 هـ، الموافق 29 أبريل 1957 م، ولم تستأنف الصدور إلا في 28 شوال 1380 هـ، الموافق 14 أبريل 1961 م، ولم تتطرق بعد استئنافها الصدور إلى هذه “الندوة”. من جانب آخر كان هنالك نادٍ أدبي في معهد الأحساء العلمي منذ افتتاح المعهد عام 1374 هـ، أسسه الشيخ عبدالله بن خميس وسعى إلى تفعيل دوره، ونشرت “البلاد السعودية تفاصيل حفله الختامي الأول في 24 رجب 1374 هـ، الموافق 18 مارس 1955 م؛ وبعد عامين تولى الشيخ عبدالرحمن الرويشد إدارة المعهد مدة ثلاث سنوات، وواصل النادي أنشطته، ومنها الحفل السنوي الكبير الذي أقامه النادي بحضور العديد من الشخصيات، ونشرت تفاصيله صحيفة “اليمامة”، في 29/7/1378 هـ، الموافق 8/2/1959 م. وقد كانت هنالك عدة مطالبات بإنشاء نادٍ ثقافي في المنطقة، قد يكون أولها- حسبما هو منشور- الاقتراح الذي تقدم به عبدالعزيز مؤمنة في زاويته الأسبوعية “مشعل الخليج”، التي نشرت في صدر الصفحة الأولى من العدد 52، في 22/2/1379 هـ، الموافق 26/8/1959 م، وفي الأعداد السبعة اللاحقة توالت الرسائل المؤيدة، وأولها في العدد التالي الذي قالت الصحيفة فيه: “أبدى كثير من الشباب استعدادهم التام للمساهمة مادياً وأدبياً في إنشاء النادي الثقافي الذي طرح فكرة إنشائه الأستاذ عبدالعزيز مؤمنة في العدد الماضي. كما أبدت شخصية كبيرة استعدادها للمساهمة في إنشاء النادي”. وذكرت الصحيفة في العدد 58، في 5/4/1379 هـ، الموافق 7/10/1959 م أن “محاولة تُبذل من قبل بعض الشباب ومن بينهم الشاب محمد سعيد قربان وعبدالله العلي السالم وعبدالله سعد العبدالهادي لإنشاء ندوة ثقافية لاستغلال أوقات الفراغ لدى الشباب والطلاب باسم- نادي الضياء- ولا يزالون ينتظرون الإذن لهم بذلك”. ومع أن مثل هذه المقترحات لم تر النور إلا أن محطة تلفزيون أرامكو العربية التي بدأت البث في آخر عام 1957 م قد قدمت من خلال عدد من برامجها الثقافية إضافة بديلة نوعاً ما، وملموسة للحياة الثقافية في المنطقة. وسيتم التطرق إلى ذلك بنوع من التفصيل في سياق الحديث عن دور شركة أرامكو في الجزء القادم. الطباعة في المنطقة الشرقية نٌشرت عدة كتب وكتبت الكثير من المقالات عن تاريخ الصحافة في المملكة، وأخص منها بالذكر مأ أسهم به عثمان حافظ ومحمد بن عبدالرزاق القشعمي؛ ومع ذلك فلا زال المجال واسعاً لإثراء المعرفة عن دورها وإسهاماتها ومزيد من التعريف المنصف بإسهامات روادها والشخصيات الفاعلة فيها، خصوصاً من الناحية المهنية والإصلاحية، ولا زال المجال رحباً للاستفادة من المادة الأولية التي تتيحها أعداد تلك الصحف والمجلات. ويقتضي الأمر هنا التنويه بأن بعضاً مما سيرد لاحقاً يستند إلى مقابلات مطولة أجريتها مع عدد من الشخصيات المسهمة في تلك الفترة خلال عام 1411 هـ، الموافق لعام 1991 م. وإذا ما بدأنا بالطباعة، فيستدل مما نشر في تلك الفترة أن الأديب والشاعر الكبير خالد الفرج- الكويتي المولد والذي قضى العشرين سنة الأخيرة من حياته في المملكة وعمل مديراً لبلدية الأحساء ثم مديراً لبلدية القطيف- كان أول من أنشأ مطبعة في المنطقة الشرقية في مدينة الدمام، باسم “المطبعة السعودية، وتوفي عام 1374 بعد بدء المطبعة العمل بفترة وجيزة. وكان الفرج قبل قرابة ثلاثين سنة من ذلك التاريخ قد أنشأ مطبعة لطباعة الكتب العربية في بومبي بالهند، وهي تجربة شجعته على إنشاء مطبعة في المنطقة. وأول ذكر للمطبعة السعودية نشرته “البلاد السعودية” في 21 شعبان 1372 هـن الموافق 5 مايو 1953 م في خبر يقول: “قدم من الدمام إلى مكة لقضاء بعض الأعمال الهامة الكاتب المعروف الأستاذ خالد الفرج وقد علمنا منه أن المطابع التي قرر تأسيسها في الدمام قد وصلت، وأن الاستعدادات تجري لبناء الأماكن اللازمة لها، ومن المتوقع أن تستأنف أعمالها قريباً ...”. ثم نشرت الصحيفة لاحقاً ثلاثة إعلانات من “خالد الفرج- بالدمام” لطلب توظيف “عمال صف حروف وطباعين ومجلدين للعمل بالدمام برواتب معقولة”، أولها نشر في 19 شوال 1372 هـ، الموافق 30 يونيو 1953 م. وقد طبعت “المطبعة السعودية” في الأعوام الثلاثة التالية كلاً من صحيفة “الفجر الجديد” وأعداد مجلة “الإشعاع” والأعداد الشهرية الستة من مجلة “الخليج العربي”، بمستوى طباعي لا بأس به. تبعتها بعد فترة قصيرة جداً مطبعة “شركة الخط للطبع والنشر والترجمة”، التي أصدرت- أي الشركة- من خلالها صحيفتها “أخبار الظهران”، التي خرج عددها الأول في 1 جمادى الأولى 1374 هـ، الموافق 26 ديسمبر 1954 م. غير أن هذه المطبعة لم تبدأ في طباعة الصحيفة إلا ابتداءً من العدد 13، الصادر في 15/12/1374 هـ، الموافق 4/8/1955 م- أي بعد سبعة أشهر تقريباً-، إذ يجد القارئ ولأول مرة عبارة “طبع على مطابع شركة الخط... الدمام- المملكة العربية السعودية”، في أسفل الصفحة الثالثة من العدد. و”الخط” بالمناسبة اسم من الأسماء التاريخية للمنطقة تحدث عنه بالتفصيل مؤرخون وباحثون كُثُر. وفي الأعداد السابقة كانت الصحيفة تنشر إعلانات عن المطابع تذكر فيها استعدادها لطباعة الكتب والصحف والمجلات. وحسبما ذكر لي عبدالله شباط- رحمه الله- في مقابلة معه في الخبر في 14 نوفمبر 1991 م-، ساهم في تأسيس “شركة الخط” كل من عبدالله الملحوق وعبدالعزيز العيسى والخريجي- فاتني تدوين اسمه الأول- وعبدالعزيز التركي وعلي التركي وآخرون. وقد طبعت هذه المطبعة أعداد “أخبار الظهران” بعد استئناف صدورها في 28 شوال 1380 هـ، وحتى توقفها بعيد صدور نظام المؤسسات الصحفية عام 1383 هـ. وقد أسدت هذه المطبعة خدمة كبيرة للمنطقة لاحقاً، إذ طبعت فيها أعداد صحيفة “اليوم”، حتى منتصف السبعينيات الميلادية. وآخر المطابع التي أسست في الدمام وبإمكانيات طباعية متقدمة في المنطقة وفي المملكة هي “مطابع “المطوع”، وسيأتي ذكرها عند الحديث عن دور شركة أرامكو في الجزء القادم. صحافة المنطقة الشرقية بخلاف دوريتين شهرية وأسبوعية تحملان اسم “قافلة الزيت” بدأت شركة أرامكو في إصدارهما عام 1373 هـ، ظلت المنطقة الشرقية دون صحف أهلية حتى منتصف عام 1374 هـ، نهاية عام 1954 م. ولم يكن يملأ الفراغ الصحفي إلا ما كان يرد إلى بضع مكتبات من صحف سعودية تصدر في المنطقة الغربية ثم مجلة “اليمامة” ابتداءً من آخر عام 1372 م، وكلها كانت تنشر رسائل شبه منتظمة من قراء متطوعين من المنطقة الشرقية وتتضمن أخباراً عن بعض أنحاء المنطقة. ويضاف إلى ذلك سهولة الحصول على دوريات كانت تصدر في البحرين وتهتم بأخبار المنطقة الشرقية. وبوجه عام، وعدا المضمون المحلي، كل الدوريات الأهلية التي صدرت في المنطقة بين عامي 1354 و1380 هـ كانت متفاعلة مع الأوضاع السياسية في المنطقة العربية وفي منطقة الخليج بوتيرة أكبر مما نجده في الصحف السعودية الأخرى، ولم تكن تلك الصحف تخلوا من النفس القومي لدى بعض الكتاب، وكان هذا النفس سائداً في الصحافة العربية آنذاك. والانطلاقة كانت مع اصدار كل من عبدالله الملحوق وعبدالكريم الجهيمان صحيفة “الظهران” في الدمام، في 1 جمادى الأولى 1374 هـ، الموافق 26 ديسمبر 1954 م، والتي عدل اسمها إلى “أخبار الظهران”، ابتداءً من العدد السابع، في 15 رمضان 1374 هـ، الموافق 29 أبريل 1955 م. كان رئيس تحريرها واحد مؤسسي الشركة عبدالله بن عبدالرحمن الملحوق- وهو خريج كلية دار العلوم بالقاهرة عام 1940 م-يعمل حينذاك رئيساً لديوان إمارة الدمام، واستمر في رئاسة تحريرها حتى صدور العدد السابع عشر في 15 صفر 1375 هـ، الموافق 3 أكتوبر 1955 م، بينما كان عبدالكريم الجهيمان مديراً لتحريرها والمسؤول الفعلي عن عملية إعداد مواد الصحيفة وتجهيزها للطبع، ويلاحظ في العدد الثالث- ولا يعرف سبب ذلك- كتابة أن الجهيمان رئيس تحرير الصحيفة والملحوق مدير التحرير. ثم آلت رئاسة التحرير إلى الجهيمان بعد انتقال الملحوق للعمل في وزارة الخارجية مستشاراً للسفارة السعودية في بيروت. وقبل صدور “أخبار الظهران” كان الملحوق قد أسس في بيروت الكلية السعودية لتدريس المراحل قبل الجامعية، ونشرت الصحيفة في الاعداد الأولى عدة مقالات وتقارير مصورة عنها، منها مقال طويل بقلم حمد الجاسر. ورغم أن الشركة المالكة للامتياز- “شركة الخط...”- قد أسست مطابع في الدمام ذلك العام إلا أن أعدادها الثلاثة عشر الأولى كما أسلفنا طبعت في بيروت. وعلى ذلك يمكن القول إن صحيفة “الفجر الجديد”، التي صدرت في 11 رجب 1374 هـ، الموافق 5 مارس 1955 م، والتي سيرد ذكرها لاحقاً- والتي طبعت أعدادها الثلاثة في المطبعة السعودية- أول صحيفة تطبع في المنطقة الشرقية، إذ كانت صحيفة شركة أرامكو الأسبوعية ومجلتها الشهرية “قافلة الزيت” تطبعان في بيروت”. طوال الثمانية أشهر ونصف الأولى من حياتها كانت تصدر مرة كل أسبوعين، واتسم أسلوب الصحيفة بالحيوية من خلال النقد الذي لا يخلو من حدة لبعض من القضايا والظواهر المحلية مثل التعليم وخدمات البلديات والكهرباء...، والتفاعل مع القضايا العربية المتعلقة بالكفاح ضد الاستعمار وأولت الشأن السياسي العربي اهتماماً مفرطاً، كما أولت الأوضاع في منطقة الخليج اهتماماً متواصلاً، ومثال ذلك افتتاحية العدد 21 “فلنخرج الانجليز من بلاد العرب”، والعدد 26 “الاستعمار في الخليج العربي”، والعدد 34 “بريطانيا العظمى تنهار”... وبالفعل كانت بعض مضامينها ملتهبة؛ وليس غريباً أن يختار الجهيمان اسم “دخان ولهب”، عنواناً لكتابه الذي صدر عام 1381 هـ. ورغم محدودية قدراتها، كانت حصيلتها من الأخبار المحلية وفيرة نوعاً ما، وأولت الجانب الأدبي من نقد وقصة وقصيدة اهتماماً واضحاً. كما دخلت الصحيفة في سجال مع بعض الصحف الوطنية البحرينية مثل “القافلة” و”الوطن”، ووصل الأمر إلى توجيه نقد قاسٍ لصحيفة “الوطن” متهمة إياها بأنها تطالب حكومة البحرين بإباحة الخمر؛ بينما يجد القارئ لأعداد الصحيفة أن العكس هو الصحيح، إذ كانت “الوطن” شديدة الانتقاد للحكومة على عدم الوقوف موقفاً حازماً تجاه ما وصفتها بالآفة الخطيرة والمشاكل التي تنتج عنها (انظر “الوطن”: “اليد المجرمة التي تبيع الوسكي”، العدد 8، في 11 سبتمبر 1955 م). وللتنويه، كان من بين كتاب الصحيفة كاتبان سعوديان مقيمان في البحرين منذ مدة طويلة ويشاركان في تلك الفترة بالكتابة في الصحافة البحرينية، وهما عبدالعزيز بن محمد القاضي والشاعر الناقد عباس مهدي خزام؛ واستمرت مشاركاتهما في صحف المنطقة الشرقية في السنوات التالية. أوقفت الصحيفة بعد خروج العدد 44، الصادر 29 رمضان 1376 هـ، الموافق 29 أبريل 1957 م؛ وبذلك تكون قد استمرت في الصدور المتواصل عامين وأربعة أشهر؛ وقيل إن سبب ايقافها نشرها لمقال لكاتب غير معروف عن تعليم الفتاة ! ربما. والواقع أن صحفاً سعودية أخرى نشرت عن الموضوع نفسه ولم تتعرض للمساءلة، ومنها “اليمامة” التي نشرت عدة مقالات بهذا الشأن، ومنها افتتاحية بعنوان “أما لهن حظ من العلم؟!”، في 24 شوال 1375 هـ. من جانب آخر ذكر لي عبدالله شباط أن سبب إيقافها يعود إلى مطالبة شخص آخر اسمه حسين خزندار باسم “الظهران”! وقد أصبح خزندار لاحقاً أول رئيس لتحرير صحيفة “اليوم”، التي صدرت في 20 شوال 1384 هـ، الموافق 21 فبراير 1965 م، طوال الشهور العشرة الأولى من صدورها. استأنفت “أخبار الظهران” الصدور بالعدد 45، بعد احتجاب دام أربع سنوات، في 28 شوال 1380 هـ، الموافق 14 أبريل 1961 م، وهو يحمل اسم سعود المرشد العقيلي رئيساً مسؤولاً لتحريرها وعبدالعزيز الحمد العيسى مديراً للتحرير. خرجت بقطع صحف كبير جداً وبإخراج جميل؛ وتميزت بالثراء والتنوع في مقالاتها التي كانت تحتل معظم الصفحة الأولى، فضلاً عن الصفحات الداخلية، وخصصت منذ معاودتها الصدور صفحة كاملة للأدب يشرف عليها الأديب عبدالرحمن العْبَيِّد ابتداءً من العدد 79، في 11 رجب 1381 هـ. واهتمت الصحيفة بالمقابلات الصحفية أكثر من غيرها من الصحف، إذ نشرت مقابلات مطولة مع عدد من المسؤولين آنذاك ومنهم وزير المالية والاقتصاد الوطني الأمير طلال بن عبدالعزيز ووزير العمل والعمال والشئون الاجتماعية الأمير فيصل بن تركي وأمير منطقة الرياض بدر بن سعود ووزير المواصلات عبدالله السعد وغيرهم من مسؤولين في مؤسسات حكومية مختلفة، أجرى معظمها إبراهيم الناصر، أحد كتاب الصحيفة؛ كما أولت أهمية واضحة للمواضيع الاقتصادية المحلية بما في ذلك ما يخص شركة أرامكو، بالإضافة إلى الجوانب التعليمية مثل مساندة طلب المجلس البلدي بالدمام إنشاء جامعة بالمنطقة الشرقية، وافتقار المنطقة للمكتبات العامة... ويبقى أن آخر عدد تسنى لي الاطلاع عليه هو العدد 87، الصادر في 8 رمضان 1381 هـ، الموافق 13 فبراير 1962 م. وسبق أن سألت الجهيمان في مقابلة بحثية في منزله عام 1994 م،رتبها مشكوراً رئيس تحرير صحيفة “اليوم” الأسبق الأستاذ سلطان البازعي، عن أعداد الصحيفة بعد استئنافها الصدور فأسف لأنها غير موجودة لديه. وقد خص الأستاذ محمد القشعمي فترتها الأولى بحديث مطول في كتابه “عبدالكريم الجهيمان: رحلة العمر والفكر” ص ص. 31-46، وسبق لصاحب هذه السطور أن تطرق إلى اسهامات الجهيمان الصحفية في مقال نشر بجريدة “اليوم”، في 28/2/1415 هـ، الموافق 5/8/1994 م، بعنوان: رأي حول تكريم الجهيمان: حياة ثرية.. وريادة فاعلة في صحافتنا المحلية”. أما صحيفة “الفجر الجديد” التي أصدرها الأخَوَان يوسف وأحمد الشيخ يعقوب في الدمام في 11 رجب 1374 هـ، الموافق 5 مارس 1955 م فقد صدرت بحجم نصفي- تابلويد- وتميزت بحيوية مواضيعها السياسية والأدبية، ويرى من يقرأ أعدادها أنها شَطت في العدد الثالث والأخير في انتقاد بعض الدول “الاستعمارية” وخصوصاً في فترة شهدت فيها المنطقة حركة احتجاجات عمالية سرعان ما عولجت بسلام. ويبقى أن هذه الصحيفة كانت أول صحيفة تطبع في المنطقة، إذ كانت رصيفتها “أخبار الظهران” وقت صدور “الفجر الجديد” تطبع في بيروت. وليوسف الشيخ يعقوب مشاركات سابقة في الصحف البحرينية أطلعني عليها خلال لقاء معه في الدمام عام 1991 م، وتاه مني ما سجلته من أوراق خلالها للأسف؛ منها مشاركة في مسابقة القصة في مجلة “صوت البحرين”، وجدتها في العدد الثاني من السنة الرابعة الصادر في شهر صفر 1373 هـ، إذ كان الفائز الخامس من بين سبعة فائزين من ضمن مشاركين كثر من مختلف أنحاء العالم العربي وخارجه، نشرت أسماؤهم في عدد شهر صفر 1373 هـ. ومن المفيد التنويه هنا بأنه كان من بين أعضاء لجنة تحكيم المسابقة الأديب أحمد راشد المبارك الذي تم التطرق إلى مساهماته في الصحافة بنوع من التفصيل في الجزء الأول من هذه المقالات، والعضوان الآخران هما الأديب والناقد البحريني إبراهيم العريّض وكارنيك جورج ميناسيان، صاحب صحيفة “الخميلة” الأدبية التي كانت تصدر في البحرين آنذاك. وبعد فوزه في المسابقة نشر عدداً من القصص في مجلة “اليمامة”، ثم أصبح لاحقاً- بعد توقف صحيفته- أحد كتاب “اليمامة”- الصحيفة-، إذ نشرت له فيها افتتاحيات بتوقيعه، أولها في العدد 30 في 5/8/1375 هـ، الموافق 15/4/1956 م بعنوان “وعي الشعوب”، بالإضافة إلى اثني عشر مقالاً في زاوية بعنوان “من بيادر الحياة”، يوقعها باسم “فتى الخليج العربي، واستمر نشرها حتى نهاية عام 1377 هـ، يونيو 1958 م. وقد استمر في التعاون مع “اليمامة”، مراسلاً لها في المنطقة الشرقية، وقالت عنه الصحيفة في عددها الصادر في 14/5/1379 هـ بأنه “مراسل الصحيفة الخاص في المنطقة الشرقية”، حيث أجرى للصحيفة لقاءات مع عدد من خبراء الزيت العرب. أما مجلة “الإشعاع” الشهرية التي أصدرها سعد البواردي في الخبر في محرم 1375 هـ، الموافق لشهر سبتمبر 1955 م، فقد سبق الحديث عنها في الجزء الأول من مقال تناول نشاطاته واسهاماته في تلك الفترة، نشر في العدد 2837 من هذه المجلة الصادر في 5/12/2024 م. وطبعت هذه المجلة في المطبعة السعودية أيضاً طباعة متواضعة، وأوقفت نهائياً بصدور العدد العاشر من السنة الثانية في شوال 1376 هـ، الموافق لشهر مايو 1957 م، لا لشيء إلا لأنها خالفت التقيد بترخيص صدورها الذي ينص على أنها “مجلة أدبية اجتماعية”، إذ نشرت موضوعين سياسيين أولهما يتعلق باليمن وبريطانيا- “ما وراء الاعتداء الأخير”-، والثاني “بريطانيا سفاح القرن العشرين” عن بريطانيا والبحرين، وموضوع ثالث ذا طابع اجتماعي: “تمزيق وحدة السعوديين لماذا!؟” عن حصر تأسيس شركة كهرباء المدينة في أبناء المدينة المنورة فقط، وموقع باسم “سعودي حر”. وقد أحسن الأستاذ عبدالرحيم الأحمدي-صاحب “دار المفردات للنشر”- في إصدار أعداد المجلة في مجلد واحد، خدمة لذاكرة الثقافة في بلادنا. وعدا “الإشعاع”، صدرت في المنطقة مجلتان أخريان خلال تلك الفترة، أولاهما في الأحساء، وسميت بأحد أسماء منطقة الأحساء: “هجر”؛ أصدرها “النادي الأدبي” بالمعهد العلمي بالأحساء، في محرم 1356 هـ، أغسطس 1956 م. طبعت في بيروت، وتوقفت بسبب عدم حصول المعهد على ترخيص مسبق. رأس تحرير عددها الوحيد عبدالله بن خميس، وتولى سكرتارية تحريرها عبدالله شباط الذي أصدر بعد تخرجه صحيفة “الخليج العربي”. أما الثانية فهي نشرة “مارد الدهناء” التي صدرت عن المؤسسة العامة للسكك للحديد في مطلع شهر رمضان 1380 هـ، التي تحولت إلى مجلة في محرم 1383 هـ. أما الصحيفة الأثيرة لدي، بسبب طول عمرها نسبياً في المنطقة قبل توقفها عند صدور نظام المؤسسات الصحفية عام 1383 هـ، ولكونها لم تنل ما تستحق من الدراسة... فهي “الخليج العربي”، التي صدرت كمجلة ثم صحيفة بين عامي 1376 و1383 هـ. وتحتاج إلى إطالة سأدعها لحديث منفرد بعد الجزء القادم، عنها وعن صاحبها عبدالله شباط، رحمه الله.