كنت في ثانوية تبوك عام 1980م حين صدر كتاب الدكتور غازي عبد الرحمن القصيبي «سيرة شعرية»، في سنتي قبل الأخيرة قبل أن أتفرغ لاستكمال متطلبات رسالتي للدكتوراه في القاهرة، ولم يكن الحصول على الكتاب متاحاً لي آنذاك، فكتبت إليه - رحمه الله - أطلب نسخة موقعة، فاستجاب، ووصلتني نسخة مهداة ظل وقعها حاضراً في الذاكرة، وحين فكرت في إعداد هذه المقالة الأسبوعية، كان الخامس عشر من أغسطس 2010م، تاريخ رحيل القصيبي، ماثلاً أمامي؛ إذ تحل في عام 2026م الذكرى السادسة عشرة لوفاته، (غازي عبد الرحمن القصيبي، «سيرة شعرية»، الرياض: دار الفيصل الثقافية، 1980م) ومع ذكر القصيبي يحضر أبو الطيب المتنبي؛ فقد كان المتنبي من الشعراء الذين تعلق بهم القصيبي منذ وقت مبكر، ثم ازداد إعجابه به مع اتساع قراءته وتقدم تجربته، ولم يقف ذلك عند الاستشهاد بأبياته، بل امتد إلى قراءته نقدياً؛ ففي كتاب «قصائد أعجبتني» اختار قصيدته التي مطلعها «واحَرَّ قلباه ممن قلبه شبم»، وقرأها بوصفها بناءً درامياً تتحرك فيه المواجهة بين المتنبي وسيف الدولة والوشاة، ويبدو أثر هذا التعلق بالمتنبي في شعر القصيبي نفسه، وفي لغته النقدية، وفي ميله إلى استحضار الشاعر القديم لا بوصفه أثراً تاريخياً، بل صوتاً قابلاً للحوار والتجدد، (غازي عبد الرحمن القصيبي، «قصائد أعجبتني»، ط2، الرياض: دار ثقيف للنشر والتأليف، 1403هـ/1983م) وقد بدا لي من الوفاء للقصيبي أن أشارك، ولو بقدر يسير، في إحياء ذكراه بإطلالة على ما أحدثه في وعي معاصريه من أثر، وعلى صدى منجزه الإبداعي والإداري في الدراسات والحوارات واللقاءات التي تناولته، فقد كان حضوره الإعلامي وثيق الصلة بالمناصب التي تقلدها، كما كان وثيق الصلة بشعره ورواياته وكتبه ومقالاته، وما أطمح إليه هنا ليس الإحاطة، فذلك عسير، وإنما تلمس بعض الملامح التي رسمها له محاوروه ونقاده: شاعراً، وروائياً، وكاتب سيرة ومقالة، وإدارياً ودبلوماسياً ومثقفاً انشغل بأسئلة عصره أكثر من انشغاله بالتنظير المجرد، ولم تكن خبرته الإدارية مفصولة عن كتابته، فمن عمله في الجامعة والوزارة والسفارة عرف المؤسسة والبيروقراطية والمساءلة وقياس الأداء، ومن علاقاته الدبلوماسية عرف اختلاف الثقافات ومواقع التفاوض، لذلك اتسعت كتاباته لمعضلات الحياة اليومية وللأسئلة الحضارية الكبرى معاً، وكان في موقفه الثقافي أقرب إلى الوسط؛ لا ينكر على المحافظ محافظته لمجرد المحافظة، ولا يمنح الحداثة حصانة من النقد لمجرد أنها حداثة، كما دخل أشكالاً متعددة من الكتابة: القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة، والرواية والسيرة والمقالة، واستثمر الرمز والسخرية والمفارقة، حتى غدا مجموع أعماله أقرب إلى مشروع ثقافي متعدد الوجوه منه إلى إنتاج أدبي يسير في خط واحد، وقد لمست بعض جوانب هذا الموضوع في محاضرة ضمن نشاطات كرسي غازي القصيبي، ثم عدت إليه لأن غزارة إنتاجه وتعدد أدواره استقطبا قراءات مختلفة: دراسات جامعية محكمة، ورسائل علمية، ومقالات صحفية، وشهادات شفوية ولقاءات مرئية ومسموعة، وما يلفت النظر أن الاختلاف حوله لم يكن اختلافاً على وجوده في المشهد، بل على كيفية قراءته، وفي ندوة «غازي القصيبي... الشخصية والتجربة الإبداعية» التي أقيمت ضمن مهرجان كتارا للرواية العربية سنة 2025م، دعا سعيد السريحي إلى تحرير أعمال القصيبي من الهالة التي صنعها الاسم والمناصب؛ أي إلى قراءة النصوص بوصفها نصوصاً قابلة للتأويل لا بوصفها امتداداً لشهرة صاحبها، وفي الندوة نفسها رأى معجب الزهراني أن رمزية القصيبي لا تفسرها الموهبة وحدها، بل يفسرها أيضاً وعيه الإنساني واتصاله بقضايا المرأة والعاطلين والمهمشين، (ميرزا الخويلدي، نقاد سعوديون في كتارا يستعرضون سيرة القصيبي الذي انحاز للمهمشين، صحيفة الشرق الأوسط، 15 أكتوبر 2025م) وقد اتسعت خريطة التلقي النقدي لشعره حتى صارت موضوعاً لكتاب مستقل، فقد رصد فهد مرسي البقمي البيئات التي أنتجت هذا النقد، فميز بين البيئة الأكاديمية، وبيئة الدراسات العليا، والبيئة الصحفية، ثم قسم الدراسات إلى نقد سياقي تاريخي واجتماعي ونفسي، ونقد فني يتناول الأسلوب والصورة والموسيقى، وهذا التنوع في مناهج القراءة شاهد على أن شعر القصيبي لم يبق ظاهرة جماهيرية فحسب، بل صار متناً نقدياً قائماً بذاته، (فهد مرسي البقمي، (الحركة النقدية حول شعر غازي القصيبي)، ط1، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، بالشراكة مع النادي الأدبي بالرياض، 2015م، 312 صفحة ويظل ديوان «معركة بلا راية» محطة رئيسة في سيرته الإبداعية لما أثاره من نقاش حول التجديد في مرحلة حساسة من تاريخ الثقافة السعودية، وقد جاء الجدل حوله في سياق أوسع كانت فيه المواقف من الحداثة موزعة بين قبول واسع، ورفض واسع، وموقف يحاول التمييز بين تجديد يضيف إلى التجربة الأدبية وتجديد يقطع مع أصولها، (غازي عبد الرحمن القصيبي، «معركة بلا راية»، ط1، بيروت: مطابع دار الكتب، 1391هـ/1971م، 174 صفحة؛ حسن بن فهد الهويمل، «الحداثة بين التعمير والتدمير»، ط1، الرياض: دار المسلم، 1412هـ/1991م) وأحسب أن القصيبي كان، في كثير من مواقفه الشعرية، أقرب إلى تلك المسافة الوسطى، لم يكن تقليدياً بالمعنى الذي يجعل الوزن الخليلي غاية في ذاته، ولم يكن مستعداً في المقابل لأن يجعل الانفصال عن الإيقاع معياراً وحيداً للتجديد، وتنسجم هذه الصورة مع قراءة عبد القادر القط لشعر القصيبي، إذ رأى فيه الحنين والقلق والغربة، ولاحظ في لغته صلة بالبناء العربي الموروث مع نزوع إلى شفافية العبارة الحديثة، وفي ندوة سوق عكاظ سنة 2015م عبّر صالح زياد عن معنى قريب حين قال إن استراتيجية القصيبي الشعرية تقف «عند منتصف المسافات»، وإن تجربته تتحرك بين الرومانسي والوجداني والواقعي، وبين العمود والتفعيلة، (عبد القادر القط، «الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر»، بيروت: دار النهضة العربية، 1401هـ/1981م؛ فواز الغامدي، «شعر القصيبي يثير الجدل وناقد يصفه بالشروائية»، صحيفة الوطن السعودية، 16 يناير 2015م) وفي شعره تلتقي التجربة الخاصة بالهم العام من غير أن يذوب أحدهما في الآخر، وقد أشار أحمد اللهيب، في الندوة نفسها التي نقلتها صحيفة الوطن، إلى أثر البيئة والأسرة وتجارب الفقد المبكر في تكوينه الشعري، ففي رثاء أخيه عادل يقول: (فواز الغامدي، شعر القصيبي يثير الجدل وناقد يصفه بالشروائية، صحيفة الوطن السعودية، 16 يناير 2015م؛ غازي عبد الرحمن القصيبي، «حديقة الغروب»، ط1، الرياض: مكتبة العبيكان، 1428هـ/2007م أخي! رُبَّ جرحٍ في الأضالع لا يهدأ أعانقه... والليل يمطرني سُهداً وأستصرخ الذكرى فتسكب صابها ويا طالما استسقيت من نبعها الشهدا في هذا المقطع يتجسد السهد مطراً ينهال على الشاعر، ثم يتسع الحقل الدلالي للماء في «تسكب» و«استسقيت» و«نبع»، غير أن الماء لا يؤدي وظيفة الحياة المعتادة؛ فالذكرى التي كانت شهداً صارت صاباً، ومن هذه المفارقة تتولد مرارة الرثاء: لا تتغير الذكرى في ذاتها، وإنما يتغير طعمها بعد الغياب، وفي رثاء صديقه يوسف الشيراوي، في القصيدة المعروفة بـ«يا أعز الرجال»، يقول: يا أعزَّ الرجالِ! ماذا تقولُ أطويلٌ هذا الأسى... أم يطولُ؟ وليالي الفراقِ كيف تراها وشعاعُ الصباح فيها قتيلُ؟ يبدأ الرثاء بالسؤال، وكأن الشاعر يطلب من الغائب جواباً يعرف استحالته، وفي «أطويل هذا الأسى أم يطول؟» صدى لا يخفى لبيت المتنبي «نحن أدرى وقد سألنا بنجد / أطويل طريقنا أم يطول»، وهو تناص لا يبدو زينة لغوية، بل يرد التجربة الخاصة إلى ذاكرة شعرية ظل القصيبي شديد الاتصال بها، أما«شعاع الصباح فيها قتيل» فينقل أثر الفقد من النفس إلى الزمن نفسه، فيغدو الصباح عاجزاً عن أداء وظيفته في إزاحة الليل، (غازي عبد الرحمن القصيبي، «حديقة الغروب»، ط1، الرياض: مكتبة العبيكان، 1428هـ/2007م) وتبلغ هذه النزعة ذروتها في قصيدة «حديقة الغروب»، حيث ينتقل الشاعر من رثاء الآخرين إلى تأمل أفول عمره، ولعل هذا ما يفسر كثرة صور الغروب والخريف والطيور الراحلة في مرحلته المتأخرة؛ فالموت لم يعد حادثة تقع للآخرين فحسب، بل صار أفقاً يراه الشاعر مقترباً منه، ومن التقنيات التي حظيت باهتمام نقدي في شعره المفارقة، فقد خلص محمد موسى البلولة الزين إلى أن المفارقة اللفظية والسياقية والموقفية أسهمت في تكثيف الدلالة وإبراز التناقضات النفسية والاجتماعية والوطنية في شعره، (محمد موسى البلولة الزين، «جماليات المفارقة في شعر غازي القصيبي»، المجلة العلمية لجامعة الملك فيصل: العلوم الإنسانية والإدارية، جامعة الملك فيصل، مج22، ع1، 31 مارس 2021م، ص445-453، DOI: 10.37575/h/lng/2502) أما الجانب الإيقاعي ومفهوم الشعر عنده فقد أفرد له علي بن عتيق المالكي كتاباً مستقلاً، فدرس صلة القصيبي بالتراث الوزني، وموقفه من التجديد والغموض وقصيدة النثر، وعلاقته بالمتلقي ووظيفة الشعر، وأصل الدراسة رسالة جامعية سبقت نشر الكتاب، وتنبغي قراءة مواقف القصيبي النقدية في ضوء كونه شاعراً يتأمل صنعته من داخلها، لا ناقداً يسعى إلى بناء نظرية مدرسية مغلقة، (علي بن عتيق المالكي، «مفهوم الشعر عند غازي القصيبي»، ط1، بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، بالاشتراك مع نادي مكة الثقافي الأدبي، 20 فبراير 2014م، 440 صفحة، ردمك 9786144045053) وكغيره من الشعراء، تتفاوت أعمال القصيبي في درجة تحققها الفني، وهو أمر لا ينتقص من قيمة التجربة في مجموعها، وقد ظهر هذا النقاش بوضوح حول «سحيم»، حين اقترح محمد الصفراني مصطلح «الشروائية» لوصف النص بوصفه هجينا بين الشعر والرواية، بينما رأى صالح الغامدي أن وصفه بالسيرية قد يكون أقرب، وسجل التقرير نفسه رأي صالح الغامدي في تفاوت إنتاج القصيبي من حيث الموضوعات والأشكال والأجناس، وربط ذلك بما سماه قلق الهوية الفنية والبحث المتصل عن الذات، (فواز الغامدي، «شعر القصيبي يثير الجدل وناقد يصفه بالشروائية»، صحيفة الوطن السعودية، 16 يناير 2015م) أما ما يؤخذ على بعض شعره من تقرير ومباشرة، ولا سيما في القصائد الوطنية والسياسية والمناسباتية، أو من تكرر بعض المفردات والأوزان، فلا يصح أن يتحول إلى حكم كلي، فالحكم الأدبي مناطه التخصيص لا التعميم؛ وثمة قصائد يكون فيها الوضوح جزءاً من غرضها ووظيفتها، وأخرى كان يمكن أن تذهب أبعد في الإيحاء، وربما كان انتشار جانب من شعر القصيبي متصلاً بوضوح خطابه وقدرته على مخاطبة قارئ لا ينتمي بالضرورة إلى النخبة المتخصصة، وهذه نقطة قوة في سياقات، وقد تكون موضع مساءلة فنية في سياقات أخرى، أما انتقاله إلى الرواية فلا ينبغي فهمه على أنه هجر للشعر؛ فقد استمر يكتب الشعر بعد دخوله السرد، والأقرب أنه وجد في الرواية مجالاً أوسع لحمل الخبرة والسيرة والفكرة والشخصيات، وقد قال قبل صدور «شقة الحرية» إن الشكل الروائي يتيح امتزاج الوقائع بالخيال ويمنح الكاتب قدراً أكبر من الحرية، وكان يفكر في أن تكون لكل مرحلة من حياته روايتها، (إبراهيم مضواح الألمعي، «التقاطعات بين رواية شقة الحرية وسيرة كاتبها 1-2»، المجلة الثقافية، صحيفة الجزيرة، العدد 246، 5 مايو 2008م، ناقلاً تصريح القصيبي من حواره مع محمد جابر الأنصاري في مجلة العربي الكويتية، سبتمبر 1991م) وتؤيد قراءة سعيد السريحي هذا المعنى من زاوية أخرى؛ إذ رأى أن القصيبي اكتشف في السرد مساحة تجمع المواجهة والمواربة، وتصل إلى جمهور قد لا يصل إليه الشعر، وأن الرواية أتاحت له توزيع صوته في شخصيات متعددة، وهنا يصبح القناع الروائي وسيلة فنية: المجنون، والسفير، والطالب، والبيروقراطي، والمبالغ في سرد بطولاته، كلها أصوات تسمح للكاتب بأن يقول ما لا يقوله بصوت واحد مباشر، (سعيد السريحي، الرواية باعتبارها قناعاً لدى القصيبي، ورقة في ندوة غازي القصيبي: الشخصية والتجربة الإبداعية، مهرجان كتارا للرواية العربية، 2025م، نقلها ميرزا الخويلدي في صحيفة الشرق الأوسط، 15 أكتوبر 2025م) وقد اهتمت الدراسات النقدية ببناء الخطاب في رواياته، وتكشف الدراسة عن تعدد مستويات القول في الرواية واتصالها بتنوع تجربة صاحبها، وهو تنوع يظهر أيضاً في السخرية التي ميزت «العصفورية» و«أبو شلاخ البرمائي» و«سبعة»؛ فالسخرية عنده ليست مجرد صناعة للضحك، وإنما طريقة في كشف التناقض بين الشعارات والممارسات، وفي تفكيك اللغة المتضخمة التي تتستر بها البيروقراطية أو الأيديولوجيا، (بسمة إبراهيم محمد محمد، «بناء الخطاب في روايات غازي القصيبي»، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة قناة السويس، مج5، ع40، مارس 2022م، ص53-90) وقد تناول أحمد بن علي بن أحمد آل مريع عسيري وأحمد ملبس محمد عسيري المفارقة في سرد القصيبي بوصفها تقنية تكشف رؤية العالم، وخلصا إلى أن الحرية بمستوياتها السياسية والاجتماعية والثقافية تشكل بنية عميقة في عدد من رواياته، (أحمد بن علي بن أحمد آل مريع عسيري، وأحمد ملبس محمد عسيري، «المفارقة السردية في روايات غازي القصيبي: مقاربة سيميائية»، مجلة جامعة المهرة للعلوم الإنسانية، مج4، ع1، يونيو 2023م، ص102-134،) وتبقى «العصفورية» من أكثر رواياته إثارة للأسئلة النوعية؛ فهي مكتظة بالحوار والمعرفة والاستطراد، حتى رأى بعض القراء أن «المعلومة» تكاد تكون بطلاً فيها، غير أن الرواية، في تقديري، قادرة على استيعاب هذا كله ما دام إطارها السردي قادراً على حمله، وما سمي «المونولوج الثقافي» وخطاب الجنون ليس طارئاً على جمالياتها، بل جزء من طريقتها في مساءلة الخطاب العربي وأوهامه وتناقضاته، أما «شقة الحرية» فلها بعد سيري وتاريخي واضح، غير أن هذا البعد لا يلغي هويتها الروائية؛ فصلة المادة بالخبرة الشخصية لا تحول النص تلقائياً إلى سيرة ذاتية، وفي «أبو شلاخ البرمائي» يقوم البناء على راوٍ كذاب يضخم ذاته ويختلق بطولات مستحيلة، فيغدو الكذب والنرجسية والادعاء أدوات لكشف أنماط من الخطاب الاجتماعي والسياسي، ولم يكن الشعر غائباً عن عالمه الروائي، فقد أثبت أحمد بن ماطر أحمد اليتيمي أن توظيف الشعر في روايات القصيبي يتجاوز الزينة والاستشهاد؛ إذ يشارك في بناء العتبات والشخصيات والزمان والمكان واللغة، ويفتح شبكة من الإحالات التراثية والثقافية، (أحمد بن ماطر أحمد اليتيمي، «توظيف الشعر في روايات غازي القصيبي: دراسة نقدية»، مجلة العلوم العربية والإنسانية، جامعة القصيم، مج14، ع1، 31 أغسطس 2020م، ص61-116) ومن الملامح التي تستحق الوقوف عندها عناية القصيبي بالإنسان في حالات الضعف والخوف والمرض والفقر والعجز والرغبة في الحرية والسلام، وتبرز هذه الرؤية بوضوح في أعمال مثل «حكاية حب» و«ألزهايمر»، حيث يضع المرض والجسد المهدد الإنسان أمام هشاشته بعيداً عن الألقاب والمواقع الاجتماعية، (أحمد بن إبراهيم الغامدي، «المنطلقات الإنسانية في روايات الروائي السعودي غازي القصيبي: دراسة إنشائية»، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، مج6، ع3، 30 مارس 2022م، ص27-64، وفي فنون الكتابة الأخرى يبرز كتاب «حياة في الإدارة» بوصفه خلاصة تجربة إدارية كتبت بلغة لا تنفصل عن حس القصيبي الأدبي، واللافت في «حياة في الإدارة» قدرته على نقل الإدارة من لغة اللوائح إلى مشاهد بشرية: المسؤول والموظف والمراجع والبيروقراطي، بما يجعل الكتاب سيرة مهنية وقراءة في بنية المؤسسة في آن واحد، (غازي عبد الرحمن القصيبي، «حياة في الإدارة»، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1999م؛ حمد القاضي، «القصيبي.. في عيون مثقفين سعوديين»، الجزيرة نت، 15 أغسطس 2010م) كما وسعت المقالة الصحفية جمهوره، لأنها أتاحت له الاستجابة السريعة للحدث السياسي والاجتماعي من غير أن يفقد سماته الأسلوبية: المفارقة، والعبارة الموجزة، واللمحة الساخرة، والحضور الشخصي الواضح، وربما أخذ بعض القراء على بعض مقالاته نزعة خطابية أو ميلاً إلى الشرح، لكن هذا الوضوح نفسه كان سبباً في وصوله إلى شرائح واسعة من القراء، ويمكن النظر إلى القصيبي ناقداً من خلال كتبه التي سجل فيها ذائقته وآراءه في الشعر، ومنها «قصائد أعجبتني»، و«في خيمة شاعر»، و«بيت»، ولم يكن حريصاً في هذه الكتب على بناء جهاز اصطلاحي ثقيل؛ كان يقرأ بوصفه شاعراً وقارئاً متمرساً، ويعيد الشعر إلى المتعة والاستجابة الإنسانية، (غازي عبد الرحمن القصيبي، «في خيمة شاعر»، لندن: رياض الريس للكتب والنشر، 1988م؛ غازي عبد الرحمن القصيبي، «بيت»، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2002م؛ محمد بن سالم بن سعيد الصفراني، «غازي القصيبي: حياته ومختارات من شعره»، الكويت: مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، 2011م) وهذا اللون من النقد الذي يصدر عن شاعر ليس أمراً طارئاً على تاريخ العربية، فقد حفظ التراث أحكاماً نقدية لشعراء جاءت من خبرة الصنعة نفسها، ومن ذلك ما روي عن النابغة الذبياني في تعقيبه على حسان بن ثابت في بيت «لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى / وأسيافنا يقطرن من نجدة دما»، ومن ذلك أيضاً قول الحطيئة: «فالشعر صعب وطويل سلمه / إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه»، وكذلك قول البحتري في مقارنته بنفسه وأبي تمام: «هو أغوص على المعاني مني، وأنا أقوم بعمود الشعر منه»، وهذه الشواهد تؤكد أن تأمل الشاعر في الشعر جزء قديم من ثقافتنا النقدية، وإن ظل الحكم الصادر عن المبدع محتاجاً، ككل حكم نقدي، إلى الاختبار والمراجعة، (محمد بن عمران المرزباني، «الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء»، تحقيق محمد حسين شمس الدين، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، 1995م؛ «ديوان الحطيئة برواية وشرح ابن السكيت»، تحقيق مفيد محمد قميحة، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، 1413هـ/1993م؛ الحسن بن بشر الآمدي، «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»، تحقيق السيد أحمد صقر، ط4، القاهرة: دار المعارف، 1414هـ/1994م) وكان القصيبي، في الجملة، متقبلاً لاختلاف النقاد معه، وإن لم يخل دفاعه عن بعض نصوصه من حدة أحياناً، ومن أجمل الشواهد على تقديره للنقد ما يتعلق بعبدالله الجفري، فقد كتب الجفري في وقت مبكر عن ديوان «أشعار من جزائر اللؤلؤ» مقالة عنوانها «شعر أزرق في لون السماء»، وبعد عقود أعاد الجفري نشر رسالة من القصيبي يستذكر فيها تلك المقالة ويقول إن لها أثراً كبيراً في نفسه لأنها وضعت الإصبع على جوهر الديوان، (عبدالله الجفري، «القصيبي.. واليماني: من ملحمة الوجد؟!»، المجلة الثقافية، صحيفة الجزيرة، العدد 232، 4 فبراير 2008م) وكان لعبد القادر القط منزلة مبكرة في ذاكرته النقدية كذلك؛ فقد روى القصيبي في «سيرة شعرية» قصة ذهابه إليه وهو طالب يحمل مخطوط ديوانه الأول طالباً رأيه، ولم تكن تلك الواقعة هامشية في تكوين الشاعر؛ فالقط كان من النقاد الذين قرأوا الشعر الوجداني الحديث في سياقه العربي الواسع، وكتاب «الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر» يمثل مرجعاً أساسياً في هذا الباب، (غازي عبد الرحمن القصيبي، «سيرة شعرية»، الرياض: دار الفيصل الثقافية، 1980م؛ عبد القادر القط، «الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر»، بيروت: دار النهضة العربية، 1401هـ/1981م) ومن المواقف التي تكشف تقديره للنقاد أيضاً ما جاء في حواره الصحفي مع ناصر المرشدي؛ فعندما سئل عن وصف عبدالله الغذامي «العصفورية» بأنها رواية ما بعد الحداثة أجاب بالمثل المعروف: «إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام»، ولا تعني الإجابة موافقته التفصيلية على كل قراءة نقدية، لكنها تدل على احترامه لمكانة الناقد الذي قرأ عمله، (ناصر المرشدي، «سبق تعيد نشر آخر حوار للراحل غازي القصيبي»، صحيفة سبق الإلكترونية، 15 أغسطس 2010م، والحوار منشور أصلاً في سبتمبر 2009م) أما دراسة محمد بن سالم بن سعيد الصفراني لشعر القصيبي فلها وضع خاص؛ فقد خرج القصيبي من عادته في التحفظ على ما يكتب عنه، وقرأ الدراسة كاملة، ثم كتب إلى صاحبها مشيداً بما وجده فيها من جهد وموضوعية ومنهجية، وقد ذكر القصيبي في حوار نشرته صحيفة الجزيرة أنه فوجئ بما أحصاه الباحث من البحور والقوافي وقصائد التفعيلة وصور المرأة، وهي أمور قال إنها جاءت في شعره على نحو عفوي، (محمد بن سالم بن سعيد الصفراني، «شعر غازي القصيبي: دراسة فنية»، ط1، الرياض: مؤسسة اليمامة الصحفية، سلسلة كتاب الرياض، العدد 107، أكتوبر 2002م، 452 صفحة؛ محمد بن سالم بن سعيد الصفراني، «شعر غازي القصيبي: دراسة أسلوبية»، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2019م، 432 صفحة؛ «شعر غازي القصيبي في كتاب لمحمد الصفراني»، صحيفة القدس العربي، 9 ديسمبر 2019م) هذه نبذة ربما أطلت فيها بعض الشيء، لكنها لا تفي إلا باليسير من حق غازي القصيبي، ولا تزعم الإحاطة بهذا المتعدد الذي جاور الشعر والرواية والإدارة والدبلوماسية والمقالة والسيرة، وقد كنت فيها- في الغالب، ناقلاً لشهادات معاصريه ودارسيه، أتدخل بالرأي حين يلزم وأترك للنصوص والوثائق أن تقول ما تستطيع قوله، ولم أكن ناقداً بالمفهوم المتعارف عليه.