رحلة بعد 90 عاماً في خدمة الدين والوطن ..
عبدالرحمن العتي..القاضي الزاهد الذي أحبَه أهل الدلم والأفلاج.
في يوم الجمعة الموافق ٢٤ / ٢ / ١٤٤٨ هـ، ودعت محافظة الدلم ابناً باراً من أبنائها، وعالماً بارزاً من علمائها. قاضيها ورئيس محكمتها السابق الورع الزاهد الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالعزيز عتي بعد عمرٍ ناهز التسعين عاما، وصُلّي عليه بعد صلاة المغرب في جمعٍ كبير من أهالي الدلم والأفلاج وغيرهم، بجامع الشيخ عبدالعزيز بن باز بالدلم، يتقدمهم أصحاب السمو الأمراء (سعود وخالد) أبناء الأمير سلمان بن محمد، في جنازةٍ مهيبة مشهودة تُجسد حديث النبي صلى الله عليه وسلم :( أنتم شهداء الله في الأرض). أستعرض هنا جوانب موجزة من سيرة الشيخ، فأبدأها بما دوّنه أ.عبدالعزيزالبراك في كتابه (علماء الدلم وقضاتها). هو الشيخ / عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد العزيز العتي، ولد عام ١٣٥٦ هـ. قرأ على والده وهو صغير، ثم شجعه والده على العلم فأدخله أحد الكتاتيب الموجودة بالدِّلم آنذاك، فتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ثم ختم القرآن الكريم. وبعد افتتاح المدرسة السعودية بالدِّلم (ابن عباس حاليًّا) التحق بها حيث كانت دراسته بالانتساب، ولما فتحت الدراسة الليلية بتلك المدرسة انتظم بها حتى أكمل الابتدائية، وبعد ذلك انتظم بالمعهد العلمي في الدِّلم حتى تخرج فيه، حيث التحق بكلية الشريعة بالرياض، وتخرج فيها عام 1396 هـ، وعين بعد ذلك قاضيًا في مدينة عرعر شمال المملكة، ثم انتقل رئيسًا لمحكمة الأفلاج، ورئيسًا لجماعة تحفيظ القرآن الكريم بالأفلاج، وبعد ذلك عين رئيسًا لمحكمة الدِّلم، ثم رقي إلى قاضي تمييز بالرياض حتى تقاعد عام 1426 هـ. وفي أحد الأعداد التي تصدرها وزارة العدل، أجرى معه الشيخ حمد بن عبدالله بن خنين حواراً مطولاً نقتطف منه ما يتعلق بسيرته فيقول الشيخ عن نفسه: ولدت فى مدينة الدلم إحدى مدن الخرج عام ١٣٥٦ هـ، ونشأت بين أحضان والدي، ودرست في الكتاتيب بداية القراءة والكتابة وبعد إيجاد المدارس النظامية التحقت بالمدرسة السعودية بالدلم «ابن عباس حاليا» وختمت القرآن الكريم وعمري ١٥ سنة ودرست الفقه والحديث والعلوم الشرعية، وقد تأثرت بوالدي -رحمه الله- بحكم حفظه للقرآن وهو إمام مسجد الوسطة بالدلم ذلك الوقت، وكنت منتسباً فى بداية المرحلة الابتدائية ثم انتقلت في الدراسة الليلية إلى مدرسة عمرو بن العاص بالجريف في الدلم فدرست السنة الخامسة والسادسة وبعد تخرجي التحقت بالمعهد العلمي في الدلم، ثم ذهبت بعد التخرج للرياض، فدرست في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وتخرجت فى العام 1396/1395 هـ، بعدها عملت ملازماً قضائياً سنتين بمحكمة الدلم لدى فضيلة الشيخ عبدالرحمن ابن سحمان ثم صدر قرار مجلس القضاء الأعلى بتعييني قاضياً في المحكمة الكبرى بالحدود الشمالية في عرعر ومكثت فيها ست سنوات ثم نقلت إلى محكمة الأفلاج قاضياً ثم رئيساً للمحاكم فيها، وبقيت أكثر من عشرين سنة ثم نقلت إلى محكمة الدلم رئيساً لها ثلاث سنوات وأخيراً نقلت بالترقية إلى محكمة التمييز بالرياض ومكثت فيها سنتين إلى أن تقاعدت في 1/7/1426 هـ واستقر بي المقام في مسقط رأسي الدلم. ومن الأعمال الأخرى التي ذكرها بجانب عمله الرسمي فيقول: كنت إماما لمسجدنا في وسطة الدلم بعد والدي فترة تعليمي فى المرحلة الثانوية بالمعهد العلمى، وفى فترة عملى الطويلة فى محافظة الأفلاج القيت العديد من الدروس الدينية والمحاضرات في مساجد الأفلاج، وكنت رئيساً لجماعة تحفيظ القرآن الكريم فى الأفلاج ورئيساً للجمعية الخيرية فيها أيضاً، وكانت لي هناك جهود وتعاون مع القطاعات الأخرى والإصلاح وحسن التعامل مع الجميع والنزول منازلهم، وهذا مما جعل لأهالي الأفلاج مكانة في القلب والحب المتبادل منهم ما كان له أعظم الأثر في النفس فكانت أكثر من عشرين عاماً تحمل فى طياتها أجمل الذكريات فى نفسي، أسال الله لنا وللجميع حسن النية والإخلاص في العمل والسعادة في الدنيا والآخرة.انتهى. وقد رثاه عدد من العلماء والقضاة، وكثير من الأقارب و الأصحاب والأحباب، وممن عرفه وعمل معه. فكتب د.عبدالرحمن الداغري: رحم الله الشيخ العابد الطاهر المتواضع الخاشع، ترى فيه سمت العباد، وأخلاق العلماء، وتواضع العارفين. حبيب إلى القلوب، يأنس به كل من جالسه. عف اللسان، كريم الخلق، قليل الكلام، مشتغل بنفسه عما لا يعنيه، لا يمكن أن تشعر وأنت تجالسه بأثره، أو حرصٍ على منافسة، أو تعظيم لذات. وقد رثى الشيخ عدد من زملائه وتلاميذه ، ومن كلمات الرثاء التي نشرت في منصات التواصل الاجتماعي ، يقول الشيخ د. سعد بن غنيم: رحم الله فضيلة الشيخ عبدالرحمن العتي. جبل من الأخلاق والتواضع والسماحة وسلامة الصدر وحب نفع الناس. تولي القضاء في عدد من المحاكم. وكل البلدان التي ولي القضاء فيها لايزالون يلهجون بالثناء عليه ويدعون له. د. عبدالمجيد العتي: أحسن الله عزاء الجميع في فقيد العائلة وكبيرها؛ الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله العتي، وجبر الله قلوب أهله ومحبيه.. ترى فيه على تعدد مناصبه في القضاء والتمييز ورئاسة محاكم الأفلاج والدلم سمتَ الكبار، ووقارَ أهل الفضل، وتواضعَ العلماء، هادئَ الطبع، عفيفَ اللسان، كريمَ الخلق، قليلَ التكلف، قريبًا من القلوب؛ لم يكن ممن يطلبون حضورًا أو يبتغون ذكرًا، بل كان حاضرًا بأخلاقه، عظيمًا بتواضعه، مشغولًا بما يعنيه عمّا لايعنيه. الإعلامي أ. فهد الموسى: توفي الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله العتي، رئيس محاكم الأفلاج والدلم سابقًا، بعد مسيرة حافلة في سلك القضاء عُرف خلالها بالعلم والعدل وحسن الخلق، وترك أثرًا طيبًا في نفوس من عرفوه وعملوا معه. الإعلامي أ. خالد الحامد: رحم الله فضيلة الوالد قاضي التمييز الشيخ عبد الرحمن العتي وتغمده بواسع رحمته ومغفرته. لقد كان -رحمه الله- قامة علمية وقضائية حيث تولى رئاسة محكمة الأفلاج لـ 20 عاماً، ولم يقتصر عطاؤه رحمه الله على ساحات القضاء بل أتبع العلم بالعمل فكان له الدور البارز في تأسيس جمعية الأفلاج الخيرية وجاد حينها بماله ووقته وشفاعته الحسنة لسد حاجة الفقراء والمساكين، والإصلاح بين الناس. أ. عبدالله الحقباني : تبقى في الذاكرة سيرته العطرة؛ فقد صنع مكانته بحسن الخلق، وسلامة الصدر، ونقاء السريرة، ورسمِه الابتسامة على وجوه الآخرين، بمد يد المساعدة بالمال والجاه للآخرين، والإصلاح بين المتخاصمين . . فرحل وترك محبة الناس له، فهي الإرث الذي لا يندثر، والذكر الحسن الذي يبقى حاضرًا ليومنا هذا وللأجيال القادمة. المحامي حبيب البشر: رحم الله الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله العتي ،ذاك الرجل العصامي في تعليمه فمن الكتاتيب إلى سلك القضاء، حسن الخلق في تعامله ،المخلص في عمله، في مجلة العدل يحكي قصة حياته،توفي الشيخ ومحبته في القلوب باقيه ،لن يفقده ذووه فحسب بل سيفقده مصلاه ومصحفه سيفقده الفقراء والمعوزين. رحم الله الشيخ عبدالرحمن العتي، وجزاه الله على ماقدم، وبارك الله في عقبه، وعزاؤنا لأسرته وذويه ومعارفه ومحبيه. إنّا لله و إنّا إليه راجعون. *تربوي وكاتب ومؤلف ، عضو الجمعية التاريخية السعودية ، أمين اللجنة الثقافية بالخرج .