خاطرة في غير أوانها .

كل شيء تعود إليه بعد انقطاع ربما استصعبته. عدت إلى دراجتي بعد قرابة عام من الانقطاع، وشعرت مع أول خروج بها كأنني أدفع جبلًا؛ ثقل فظيع في قدميَّ، وألم في ركبتيَّ، وأنا أحاول أن أدفع بدّالات الدراجة، وكأنها تقدم لي كشفًا طبيًا أوليًا عما أصابني نظير تركي لها طيلة تلك المدة. تلك المسافات التي كنت أشعر ببساطتها وقربها، مسافات تصل إلى خمسة أو حتى عشرة كيلومترات وأكثر من ذلك، بتُّ اليوم أراها بعيدة وصعبة المنال. ولست ممن يستسلم بسهولة، لكنه شعور مررت به. أشياء كثيرة كشفتها لي تلك العودة بعد مضى عام بكل ما فيه من فرح وحزن وتقلب أحوال؛ أشياء أذكرها وأشياء نسيتها، وبقيت بعض مشاهده عالقة. وهو يوحي لك كيف تمر الحياة سريعًا، بكل ما فيها من مواقف ولحظات وتفاعل، حتى إنك تكاد تحسبها مجرد أيام قليلة. لكنه، وبفضل الله، لم يمر عبثًا، بل اعتبرته عام التغيير والإنجاز والتحسين لكثير من الأشياء. والإنسان لا يُقاس شعوره فقط بما ينجزه من مهام، أو يكتسبه من خبرات وأموال، بقدر ما يتسلل إلى قلبه من رضا، وما يعيشه من صفاء، وما يتعلمه من دروس. في عودتي إلى رياضة الدراجة، عدت إلى الشوارع نفسها التي كنت أذرعها قبل عام. ما الذي تغير؟ تغيرت أشياء؛ فالشوارع في كل فترة تعود إليها تجدها تنمو وتزدهر، وتصبح أكثر أُنسًا بالناس وحركة المركبات، فضلًا عما تمنحك إياه لحظات الفجر الأولى من جمال، والشمس لا تزال ترسل خيوطها إلى الأرض، وتشع معها الحياة. العودة إلى رياضة الدراجة لم تخذلني، وإن أجهدتني بعد الانقطاع، لكنني وجدت فيها فرصة لأختلي بنفسي بعيدًا عن المشتتات، فتنثال عليَّ الأفكار، وتتقاطع الذكريات فتولد الموضوعات. أحب في كتاباتي أن أكون قريبًا من تجاربي التي أعايشها. وأنا أحاول أن ألتقط ما توحي به تلك التأملات، وأدوّنه أحيانًا كما يمر في خاطري؛ لأنني على يقين بأن الكثير من الكلام يضيع إذا لم تدوّنه بحبر لحظته، وكما عنَّ في خاطرك. نقرأ كل يوم مقالات تتناول تراثنا وثقافتنا بطريقة ما، وهي من الأشياء التي أحبها، لكنني أحب أكثر الكتابة التي لا تخطط لها، والتي تأتيك بغتة كبيت شعر، أو خاطرة في غير أوانها.