“لا توجد أفكار خطيرة؛ فالتفكير نفسه هو النشاط الخطير.” هذه العبارة هي محور تفكير الفيلسوفة اليهودية الألمانية حنة أرندت؛ إذ ألفت كتاب “أيخمان في القدس: تقرير عن تفاهة الشر”، الذي يتضمن تحليلها المثير للجدل لمحاكمة أدولف أيخمان في القدس. أثار الكتاب ردود فعل واسعة، أكثرها إيجابي، ولكن المنظمات اليهودية أعلنت لها العداء. سئلت في مقابلة: استاء الناس من السؤال الذي طرحتيه حول مدى مسؤولية اليهود عن قبولهم السلبي للمجازر الجماعية الألمانية، أو إلى أي مدى يشكل تواطؤ بعض المجالس اليهودية نوعًا من الذنب؟ فنفت أرندت أنها أدانَت الشعب اليهودي قطّ على عدم المقاومة، بل إن من فعل ذلك شخص آخر في محاكمة أيخمان، وهو السيد هاسنر من مكتب المدعي العام الإسرائيلي. وقد وصفت الأسئلة الموجهة للشهود في المحاكمة بأنها حمقاء وقاسية. في مطلع شبابها تعاملت أرندت مع منظمة يهودية في ألمانيا تعمل ضد الدعاية النازية، فتم اعتقالها، وقضت في المعتقل أسبوعًا، ثم خرجت بمساعدة شرطي ألماني صادقته. بعدها هربت إلى باريس، وعملت مع منظمة يهودية على ترحيل آلاف الأطفال اليهود عديمي الجنسية إلى فلسطين عام 1935م. ألقي القبض عليها مرة أخرى عام 1940م، ثم تمكنت من الهروب إلى المنطقة الفرنسية التي لم تحتلها ألمانيا، وأصبحت مشهورة لدرجة أن لجنة الصحفيين الأمريكيين التي كانت معنية بإنقاذ اليهود المهمين ساعدت في إعطائها الأولوية للهجرة إلى أمريكا. والسؤال الذي شغلتها الإجابة عنه: ما هي الظروف التي مكنت بعض الناس من حرمان الآخرين من حقهم في الوجود واستهدافهم بالإبادة؟ بدأت هذه التساؤلات مبكرًا في ذهنها عندما كانت تبحث في تاريخ معاداة السامية، وتشعبت من هذا السؤال أسئلة أخرى انتهت بها إلى تأليف كتابها الأول “أصول الحكم الشمولي”، الذي وصفت فيه إنشاء معسكرات الموت بأنه أمر لا ينبغي السماح بوقوعه، وأنه لم يحدث إلا بسبب عجز الناس العاديين عن وقفه. اختطف الموساد أيخمان، الموظف الألماني الذي كان يعد قوائم أسماء اليهود بناءً على ما يصله من معلومات، إذ تنكر وهرب بعد سقوط النازية إلى الأرجنتين، ولكن السلطات الصهيونية المخولة بالبحث عن النازيين استطاعت اختطافه؛ حيث شهد العالم محاكمته ثم إعدامه. وعندما وصل خبر اعتقال أيخمان إلى حنة أرندت، توجهت إلى مجلة “نيويوركر”، وطلبت أن تعين مراسلة صحفية لتغطية المحاكمة، ولما كانت أرندت معروفة فقد وافقت المجلة على ابتعاثها. ومن مراقبة المحاكمة وقراءة وثائق المحكمة استنتجت أرندت أن غياب التفكير لدى أيخمان هو ما مكنه من ارتكاب تلك الأفعال البشعة؛ إذ كان الرجل يردد شعارات النازية ويطبق أحكامها على الناس على أنها مهام وظيفته التي تجعله يرتقي في عين مجتمعه، وهو ما سمته أرندت “تفاهة الشر”، تلك التفاهة المخيفة التي تعجز الكلمات والفكر عن وصفها، وقد استولدت من هذه الفكرة أفكارٌ كثيرة. إن كتابها عن أيخمان وضعها في عين العاصفة، خاصة مع الشعبية الكبيرة التي حظي بها، إذ باع خلال فترة قصيرة ثلاثمائة ألف نسخة، وطالبت رابطة مكافحة التشهير الصهيونية الحاخامات بمهاجمة أرندت وأفكارها باعتبارها معادية للسامية. ومن بين الاستنتاجات الأكثر إزعاجًا التي توصلت إليها أرندت فيما يتعلق بأيخمان نفسه: “على الرغم من كل جهود الادعاء، كان الجميع يدركون أن هذا الرجل لم يكن ‘وحشًا’، ولكن كان من الصعب حقًا عدم الاشتباه في أنه كان مهرجًا.” لم يكن مجسمًا للشر - كما كتبت - بل كان “فارغًا من التفكير”، عاجزًا عن إدراك أن ما فعله كان خاطئًا. لقد تصرف كترس صغير في آلة تدمير ضخمة دون وعي حقيقي ببشاعة الجرائم. استرسل أيخمان مطولًا في وصف مدى كفاءته في عمله، ولكن بالنسبة لأرندت، لم تكن المعرفة والتفكير شيئًا واحدًا؛ فالمعرفة تعني معرفة كيفية أداء شيء ما - مثل كيفية تنسيق وسائل النقل - وكانت المعرفة منفصلة عن التوقف للتفكير في معنى أفعال المرء، وما إذا كان خطأً نقل قطارات محملة بالناس إلى حتفهم. بالنسبة لأيخمان، ما كان سيكون خاطئًا هو الفشل في أداء عمله. ومع ذلك، فإن المشكلة الحقيقية، كما كتبت أرندت، لم تكن في أيخمان نفسه، بل في عدد الأشخاص الآخرين الذين كانوا مثله: عاديون بشكل مرعب، ويرتكبون أفعالًا شريرة. وتساءلت عما حدث لكي يصبح هذا العدد الكبير من الناس فاقدي القدرة على التفكير: «من الأدلة المتراكمة لا يسع المرء إلا أن يستنتج أن الضمير بحد ذاته قد ضاع على ما يبدو في ألمانيا». ولكن ليس في ألمانيا وحدها. ورغم أنها لم تساوي قط بين أفعالهم وأفعال النازيين، فإن أرندت أصدرت مع ذلك حكمًا غير مواتٍ بحق أعضاء المجالس اليهودية (يودينرات - المجالس اليهودية لقادة المجتمع التي نظمها النازيون في أوروبا المحتلة)؛ لأنهم تعاونوا مع النازيين من خلال إعطائهم قوائم باليهود لترحيلهم، وفاوضوهم بشأن اليهود الذين يريدون لهم النجاة. وكتبت: «إن دور القادة اليهود هذا في تدمير شعبهم هو بلا شك الفصل الأكثر ظلامًا في القصة المظلمة برمتها». وذكرت أرندت في كتابها أن الادعاء جلب شهادة شهود ألمحوا إلى دور المجالس اليهودية، وهو دور صار معروفًا، كما كتبت تفاصيله المثيرة للشفقة والقذارة على يد راؤول هيلبيرغ في كتابه دمار اليهود الأوروبيين. وهو ما سمته “أزمة قرننا”؛ أي صناعة الدولة لـ “عالم للمحتضرين”، من خلال طريقة حياة ينزل فيها العقاب بلا صلة بالجريمة، ويمارس فيها الاستغلال بلا ربح، ويؤدى فيها العمل بلا منتج... مكان ينتج فيه العبث يوميًا من جديد. أزالت أرندت ضمان البراءة المطلقة والذنب التلقائي من المسؤولية الأخلاقية، ووضعت مكانها القدرة على ممارسة ملكة بشرية مستقلة هي التفكير. والأشخاص الذين أظهروا هذه القدرة تجرّأوا على الحكم بأنفسهم، وفضّلوا الموت أحيانًا على أن يصبحوا متواطئين لكي يستطيعوا العيش مع أنفسهم، وضربت مثلاً ببعض الألمان المعارضين الذين ساعدوا اليهود على النجاة، ولقي بعضهم حتفه بسبب ذلك. استمد الروائي المصري هشام الخشن من التاريخ ومن أفكار أرندت مادة روايته الجميلة “حدث في برلين”، التي نشرت عام 2018م، وطبعت سبع مرات خلال ثلاثة أعوام وما زالت تطبع. وفي المقدمة يضع الكاتب عبارة كثيفة الدلالة: “التاريخ صنيعة حكائه”. وهي رواية ذات فصول قصيرة تنتقل أحداثها بسلاسة بين برلين بشرقها وغربها وغيرها من مدن العالم. ففي برلين توجد أسرة الجنرال شميدت التي أنقذت أسرة جارها مائير اليهودية من النازيين، وتحولت راشيل ابنة العائلة اليهودية إلى مؤرخة ليست معنية بالثأر لليهود بقدر متابعتها لجذور ما يسمى بمعاداة السامية، وفي شخصيتها شيء من شخصية أرندت. وبين برلين الشرقية والغربية تتوزع ابنتا الجنرال؛ ففي ألمانيا الشرقية تتزوج إحدى الاثنتين من موسيقار شيوعي يفقد حياته بسبب نكتة على يد أجهزة “الستاسي” (استخبارات ألمانيا الشيوعية التي لا تختلف عن النازية)، بل إنها تلاحق ابنة الموسيقار وتفرض عليها تناول أدوية مقوية لتفوز ببطولة أولمبياد سيول، لكن عواقب هذه الإبرة تهشم عظام الفتاة وتخرجها من المنافسة وتعجل بخروجها من الحياة. أما الابنة الثانية للجنرال “ليليان”، فكانت سكرتيرة أيخمان، ولم تطلع على معنى المعلومات التي كانت تقدمها لرئيسها، وبعد سنوات تأتيها تهديدات غامضة بالعقوبة مثلها مثل كل النازيين، لذا تهرب عبر مدينة أزمات السويسرية ثم جنوة في إيطاليا، حيث يهربها زعيم من زعماء المافيا إلى مصر. كان زعيم المافيا يعرف حقيقتها وكان يمكن أن يستغلها، لكنه شاء أن يفعل خيرًا ولو مرة واحدة، فشعرت بطيبة الشعب المصري. حملت توصية إلى طبيب ألماني ليساعدها فتصبح مدرسة في المدرسة الألمانية في المعادي، ثم اكتشفت أن الطبيب الألماني كان طبيبًا يأتي لعلاج أيخمان. ومع الخوف والانتظار تعرفت في نادي المعادي على فتى مصري جذاب تخصص في شكل منحرف من أشكال النازية، وبعد أن استمتع بها وظنت أنها وجدت فيه الزوج المخلص، تبينت أنه يريد أن يتبادلها مع أصدقائه، فتحطمت مرة أخرى. واكتشفت أنها حامل ولم تجد أمامها إلا الإجهاض، فذهبت إلى الطبيب الألماني، ولكن العيادة فجرت ليلقى طبيب أيخمان عقاب الصهيونية. أرشدها الصديق المصري إلى طبيب آخر قال إنه أجهض مجموعة من صديقات الشاب، لكنه رفض إجهاضها لأنها ألمانية، فلا مشكلة في الاحتفاظ بابنها بعكس المصريات اللواتي يواجهن عقوبة الموت طالما لم يجهضن. حدثته عن هروبها وخوفها، فأرشدها إلى طريقة أخرى؛ إذ إن عائلة مصرية محرومة من الإنجاب مستعدة لإيوائها حتى تضع المولودة ثم تؤمن خروجها من مصر، فتهرب الأم بعد الولادة بمساعدة الأسرة المصرية إلى تشيلي. وتتناسل الأحداث لتعلم البنت عندما تبلغ الثامنة والعشرين بحقيقة أمرها، حين حضر محامي أمها ليبحث عنها ويصحبها إلى برلين. نجت أمها وخالتها من الملاحقة الصهيونية حتى الموت الطبيعي، وستنجو ابنة خالتها لأنها أصبحت على فراش الموت، ونجت ليلى (الابنة المصرية الألمانية) بعد أن تنازلت عن مليون من عشرة ملايين دولار كانت ثمن الآلة الموسيقية التي أهداها مائير إلى جاره الجنرال الذي أنقذه وعائلته. وقد أفلح الخشن في اختيار العبارات التي تضيء النص وتدل على ما بين السطور، وفي الحوار المتقن، وخاصة الحوار الذي جرى عبر إذاعة برلين، حيث تتساءل ليلى: لماذا لا يعوض الغجر والسلاف الذين لاقوا مصير اليهود على يد هتلر؟ ولماذا لا يعوض الهنود الحمر والفلسطينيون؟ ولماذا لا تعوض هي عن والدها المصري الذي قتل في حرب 1973م وهو يقاتل لاستعادة أرضه؟ كذلك برع الخشن في الانتقال السلس بين المشاهد وعبر المدن. وفي النهاية سيصل قارئ الرواية إلى ما وصلت إليه حنة أرندت، إذ يقول الكاتب في مقدمته: “لو استرقنا السمع، سيأتينا من بعيد أنين ضحايا البشر عبر التاريخ، يشكون ظلم نظرائهم الذين استظلوا بوجوبية ما اقترفوه من بشاعات، سيؤرقنا الأنين بعض الوقت، ثم يخفت سريعًا حين تحيل ذاكرتنا أولئك الضحايا إلى أرقام مسلسلة في مدونة الزمن”، ثم يقول في سطر النهاية: “كلنا ضحايا يا عزيزي، ضحايا يتحينون فرصة أن يصبحوا جلادين”.