طارق الإفريقي ..

قائد عسكري من مرحلة التأسيس.

منذ اطلعتُ على كتاب «الدولة السعودية في الجزيرة العربية» بقلم القائد محمد طارق الإفريقي النيجيري، رئيس أركان حرب الجيش العربي السعودي السابق (الطبعة الأولى في 10 تشرين الثاني سنة 1944 ، وعلمتُ بدوره المبكر في تأسيس الجيش السعودي وأنا معجبٌ به، وأبحث عن المزيد من المعلومات عنه. وبعد أن اطلعتُ على ما كتبه منصور العساف بجريدة الرياض العدد 17280 ليوم الجمعة 2 محرم 1437 هـ الموافق 16 أكتوبر 2015 م ، تحت عنوان «سطور المشاهير» (محمد الإفريقي.. قائد سرية الإنقاذ.. سلّمه الملك عبد العزيز قيادة أركان الجيش السعودي، وعيّنه مديراً للعمليات الحربية)، ووجدتُ معلوماتٍ أخرى متفرقة؛ من أهمها كتاب «عبد الله بلخير يتذكر» إعداد خالد باطرفي، ط1، 1419 هـ / 1998م، من إصدار عبد المقصود خوجة بجدة. نعود لكتاب «الدولة السعودية» لمحمد طارق الإفريقي، والذي قدّم له بقوله: «أقدّم هذا الكتاب إلى جميع مسلمي الأرض ليطلعوا على الأعمال الجليلة التي قام بها جلالة الملك عبد العزيز الأول في البلاد المقدسة... والله وليّ العاملين، ومصادر الكتاب دراسات المؤلف ومشاهداته ومحادثاته وملاحظاته». وقد قسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام: •القسم الأول: جلالة الملك عبد العزيز الأول. •القسم الثاني: آل سعود ومنشأهم. •القسم الثالث: الشيخ محمد بن عبد الوهاب وآله. وعلى مدى 48 صفحة استرسل مستعرضاً العهود السعودية الثلاثة، وعرفتُ أنه قد أصدر كتباً أخرى منها: «المتبدعات في الدين»، و«الحرب في الحبشة»، و«الحرب في فلسطين»، وفيها شيءٌ من ذكرياته. والغريب أنني لم أجد له ذكراً في «معجم المطبوعات العربية.. المملكة العربية السعودية» لعلي جواد الطاهر، ولا في كتاب «الأعلام» للزركلي. نعود إلى مذكرات عبد الله بلخير – مدير عام الإذاعة والصحافة والنشر قبل تأسيس وزارة الإعلام – نجده يذكر أول معرفته به قائلاً: «أول ما عرفتُ طارق الإفريقي كان في دمشق وأنا طالبٌ في بيروت، لفت نظري يومئذٍ رجلٌ مهاب الطلعة شديد البنية... واسع الثقافة غزير المعارف، عسكرياً من مفرق شعره إلى أخمص قدميه، وكان يحفظ من الطرَف والمُلَح وأبيات الشعر العربي والتركي... وكان يستشهد بالمتنبي فيما يرويه... وله أخبار ما وقع له في سنوات طلبه للعلم العسكري في إسطنبول ثم في برلين... ولما عدتُ من بيروت والتحقتُ بالعمل في الدولة السعودية زادت معرفتي وخبرتي وصلتي بالنمر الأسود» ص 254 . وقال: «... ومرّ الجنرال وهيب باشا في طريقه من تركيا إلى الحبشة بدمشق، فلقي فيها ضابطاً عثمانياً من أصدقائه ومساعديه و(ياورانه) عندما كان والياً على الحجاز في مكة المكرمة؛ هو (طارق بك الإفريقي). هذا الإفريقي النيجيري المسلم... فقد كان ابناً لوجيهٍ نيجيري يشتغل في بلاده بالتجارة، ولوالده صديقٌ تاجرٌ ليبيٌّ من أهل طرابلس، أرسله ليدخله في إحدى مدارسها، وتم ذلك، ورأى الليبي بعد ذلك أن يبعث أبناءه إلى إسطنبول ليلتحقوا بالمدارس الثانوية فيها، وأن يكون ابن صديقه طارق معهم، فأتمّ هذا دراسته الثانوية بإسطنبول، ثم التحق بإحدى كلياتها العسكرية فنال شهادة عسكرية عالية... ومع بداية الحرب العالمية الأولى التحق بميادين القتال في البلقان، وحارب في صفوف المجاهدين، وعُرف بشجاعته وإقدامه وحزمه حتى ألقت الحرب أوزارها... فانتقل طارق الإفريقي إلى دمشق، وحلّ بها وعرفه الجميع... يتقن اللغات التركية والألمانية والعربية والفرنسية، مع لغة (الهوسا) النيجيرية؛ لغته الأم» ص 250 . وقال إن الملك عبد العزيز عزم على إنشاء الجيش السعودي الحديث فاستشار القائد العثماني سليمان شفيق باشا واستشار البشير السعداوي، فذكروا اسم طارق بك لهذه المهمة، والذي زكّاه شكري القوتلي وقال: «... وتسلم طارق رئاسة أركان حرب الجيش السعودي... ووثب الجيش في عهده الجديد وثبةً عرفها من واكبها، وكان لطارق الإفريقي أثره المحفوظ له في تاريخ تطور الجيش من الضبط والربط والحزم والعزم حتى علت به السنّ وداهمته الشيخوخة وأُحيل على التقاعد...» ص 252 . إلى أن قال: «كان طارق عالماً بالعالم، عارفاً لتاريخ الشعوب، تلقى كل ذلك من ينابيع المعرفة في رؤوس عيونها وشلالاتها في مكة والرياض وإسطنبول وطرابلس الغرب والقاهرة ودمشق وبرلين وبيروت ونيجيريا، وأكثر عواصم البلقان التي تجول فيها ضابطاً عثمانياً محارباً...» ص 257 . وقال منصور العساف في جريدة الرياض: «النمر الأسود، والزعيم الإفريقي، والبطل الجسور؛ ألقابٌ وكنى ومسميات أُطلقت على ذلك المناضل الذي عُرف بـ (طارق الإفريقي)، والذي لم يخلف من الأبناء سوى ابنته الوحيدة (نعمات)، عاشت وتزوجت في المملكة، وهي امرأةٌ فاضلة حفظت للمؤرخين وللتاريخ جزءاً كبيراً من حياة والدها المناضل، وهي التي طالما كتبت وتحدثت وفاخرت بأبيها...». قال: «محمد عبد القادر الإفريقي أو النيجيري الملقب بـ (طارق الإفريقي) أو (النمر الأسود)؛ سُمي بالنيجيري لأن أمه نيجيرية، أما والده فهو ليبي الأصل والمنشأ، ولد في نيجيريا عند أخواله . وقال نقلاً عن ابنته (نعمات): «قرر الملك عبد العزيز أن يأتي بطارق وكان لوحده، لم أكن ولا والدتي معه، كان أول مكان وصل إليه هو مكة المكرمة حيث كان موقع الجيش، وطلب منه الملك أن ينظم الجيش وأن ينقله من مكة إلى الطائف... ولكن حصلت بينه وبين بعض من يعملون معه اختلافات في وجهات النظر، فقرر طارق ترك العمل والعودة إلى سورية إلى مقر عمله الأصلي بعد أن أمضى ما يقارب خمس سنوات في المملكة. وعاد طارق إلى سورية وشارك في الحرب ضد اليهود وقاد (سرية الإنقاذ)... وبعد مدة زار الأمير مشعل وزير الدفاع سورية، فعلم طارق بقدومه وذهب لزيارته، وهناك طلب منه الأمير العودة للمملكة، وفعلاً رحب الزعيم طارق بذلك، ومع عودته تم تعيينه مديراً للعمليات الحربية وكان يداوم بقصر شبرا مع الملك عبد العزيز بالطائف...». وذكر المؤرخون أنه قد توفي نحو عام 1371 هـ بعد قرابة خمس سنوات عانى فيها من الشلل الذي أصابه بعد أن تعرض لجلطة مفاجئة في منتصف ستينيات القرن الهجري المنصرم... وكان قد عاد إلى ابنته التي تزوجت أحد أبناء مكة من منسوبي وزارة الدفاع، المفتش إبراهيم بن عبد الله بلقين، لتنتقل مع زوجها إلى مدينة الرياض. ويذكر العقيد الدكتور إبراهيم العتيبي في كتابه «تنظيمات الدولة في عهد الملك عبد العزيز» (ط1، 1993) «لما توسعت أعمال وكالة الدفاع، أنشئت رئاسة الأركان عام 1358 هـ / 1939م، وأُسندت رئاستها للمقدم محمد طارق الإفريقي، أول رئيس لأركان الجيش العربي السعودي، وكان يتصف بالحزم والنشاط مما أهّله لإتمام أعمالٍ كبيرة، منها: تنظيم الدورات العسكرية، والتوسع في أعمال التدريب، وتشكيل فرقة مدرعات أُلحقت بالحرس الملكي بالرياض، ووحدة الفرسان الأولى، ووحدات للسيارات المسلحة، وإعادة فتح المدرسة العسكرية بعد أن استقدم لها مدربين من سورية، وتوحيد الزي العسكري. وأُعفي من منصبه في أواخر عام 1360 هـ، ويبدو أن شدته في الأوامر العسكرية لم ترضِ البعض...» ص 406 . وذكر في الهامش أن الوثائق الموجودة بمعهد الإدارة العامة وجريدة أم القرى تذكر أنه تعيّن في 1/7/1358هـ، مع استعراضٍ مختصر لسيرته العسكرية. وقد وافاني اللواء المتقاعد إبراهيم ناظر بمعلومات منها: «في عام 1378 هـ / 1958م أصيب محمد طارق الإفريقي بالشلل النصفي الذي أقعده بالفراش، وتوفي يوم الثلاثاء 27 جمادى الأولى 1383 هـ الموافق 15 أكتوبر 1963م، ودُفن بمقبرة باب الصغير بدمشق..». وقال: «طارق الإفريقي أو النمر الأسود، حاملٌ لرتبة زعيم في الجيش العثماني سابقاً، وأول رئيس أركان حرب لجيش الملك عبد العزيز آل سعود برتبة لواء في حرب النكبة، كان ذا ثقافة واسعة وخبرات عسكرية، ويتقن خمس لغات».