تشرفت بالورق.
للكاتب علاقة غريبة بالورق، لا يعرفها تماماً إلا من عاش زمنه، أن تكتب مقالك، ثم تراه بعد ساعات مطبوعاً أمامك، له عنوان و صفحة و تاريخ، و أن تمسك الكلمات التي كانت بالأمس فكرة في رأسك، ثم أصبحت حبراً بين أيدي الناس، كان في ذلك شيء من الهيبة التي لا تمنحها الشاشة، مهما بلغت سرعتها و اتساعها. و قد كان لي من هذا الشرف نصيب. «لقد تشرفت بالورق». تشرفت بأن أرى اسمي مطبوعاً، و أن أمسك مقالي بيدي، و أن أعرف أن نسخة منه ستذهب إلى قارئ لا أعرفه، و أخرى ستبقى في مكتبة، و ثالثة ربما ينتهي بها المطاف بعد سنوات في أرشيف يعيدها إلى الحياة. و تشرفت أكثر بأن تكون لي في مجلة «اليمامة» هذه الصفحة، «أخضر × أخضر»، في واحدة من أعرق التجارب الصحفية و الثقافية في المملكة. و اليوم، فيما تستعد «اليمامة» و توأمها صحيفة «الرياض» لمغادرة الورق، أجد أن الوفاء لهما لا يكون برثاء المطبعة، بل بالسؤال عما سيأتي بعدها. فالورق، مهما أحببناه، لم يكن الصحافة، كان وعاءها، و المعرفة، كما عرف الإنسان منذ القدم، أكبر من السطور التي تحملها، و الكلمة أبقى من المادة التي كتبت عليها. كانت الصحافة مهمة لأنها تعرف ما لا يعرفه القارئ، و تصل إلى ما لا يصل إليه، و تسأل نيابة عنه، و تتحقق قبل أن تنشر، و ترتب الفوضى، و تضع الخبر في سياقه. لكن العالم الذي أدى فيه الورق هذه الوظيفة تغير. كان القارئ ينتظر الصحيفة صباحاً ليعرف ماذا حدث بالأمس، أما اليوم فالخبر يصل إلى هاتفه لحظة وقوعه، تنشره الجهة الرسمية، و تصوره كاميرا مواطن، و يبثه شاهد عيان، و يشرحه خبير، و يتناقله الملايين قبل أن تنتهي غرفة الأخبار من صياغة عنوانها. لذلك لم تعد المنافسة بين صحيفة و صحيفة، و لا بين الورق و الشاشة. «المنافسة أصبحت بين المؤسسة الإعلامية و العالم كله». و هنا تكتسب تجربة «الرياض» و «اليمامة» معنى خاصاً. فهما توأمان عاشا تحت سقف مؤسسة صحفية واحدة، لكن لكل منهما شخصيته و إيقاعه و وظيفته، «الرياض» حملت نبض الخبر اليومي، و تابعت حركة الوطن و العالم صباحاً بعد صباح، و «اليمامة» منحت الأسبوع فسحته للتأمل و الثقافة و الرأي و الحوار. مساران مختلفان، و ذاكرة واحدة. و اليوم يغادر التوأمان الورق معاً. و لهذا لا ينبغي أن يكون السؤال، أين ستذهب «الرياض»، و أين ستذهب «اليمامة»؟ بل، «كيف ستعيد المؤسسة التي جمعتهما اختراع نفسها؟». فأخطر ما يمكن أن يحدث بعد توقف المطبعة أن ننقل الصحيفة و المجلة كما هما إلى شاشة، ثم نسمي ذلك «تحولاً رقمياً». ذلك ليس تحولاً، إنه تغيير في مادة الصفحة. فالتحول الحقيقي يبدأ عندما تتغير طريقة التفكير في القارئ نفسه. ذلك القارئ الذي كانت الصحيفة تنتظره عند باب منزله أصبح موزعاً بين المنصات و المقاطع و البودكاست و الحسابات، و لم يعد يبحث دائماً عن صحيفة أو مجلة، بل عن معلومة و تفسير و إجابة. ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف سؤالاً أكثر صعوبة. ماذا يبقى للمؤسسة الإعلامية عندما يستطيع القارئ أن يسأل جهازه عما حدث، فيحصل خلال ثوانٍ على ملخص و ترجمة و مقارنة و خلفية تاريخية؟ هنا يصبح السؤال الحقيقي، «لماذا سيحتاج إلينا قارئ عام 2030؟». لن تكون الإجابة، لكي نخبره بما حدث، فالخبر أصبح متاحاً للجميع. القيمة ستكون في شيء أصعب، أن نشرح لماذا حدث، و ماذا يعني، و ماذا وراءه، و أن نتحقق مما يراه و يسمعه، و أن نقدم له ما لا يستطيع الضجيج الرقمي أن يقدمه. و أظن أن كل ذلك يمكن اختصاره في كلمة واحدة، «الثقة». كلما أصبح النشر أسهل، أصبحت المصداقية أصعب، و كلما استطاعت الآلة أن تنتج نصاً و صورة و صوتاً، ازدادت قيمة المؤسسة التي تستطيع أن تقول لقارئها، «تحققنا». و هنا يمتلك التوأمان ثروة ربما أصبحت اليوم أثمن من المطابع التي يغادرانها. ليست الورق، «إنها الذاكرة». منذ البدايات التي ارتبطت باسم الشيخ حمد الجاسر و رواد الصحافة السعودية، تراكمت في «اليمامة» و «الرياض» عقود من الأخبار و الصور و المقالات و الحوارات و الشخصيات و القرارات و التحولات. هذا ليس مستودعاً لأعداد قديمة، إنها ذاكرة سعودية مكتوبة. و المهمة المقبلة ليست أن نحفظها فقط، بل أن نجعلها حية. أن يستطيع الباحث أن يسأل هذا الأرشيف، كيف تغيرت الرياض؟، كيف كان المجتمع يناقش التعليم قبل عقود؟، كيف تطورت لغتنا الصحفية؟، ماذا كتبنا عن أحداث أصبحت اليوم تاريخاً؟، و كيف رأينا المستقبل في كل مرحلة؟ هنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دوره الصحيح، خادماً للصحافة، لا بديلاً عنها. فالآلة تستطيع قراءة آلاف الصفحات، لكنها لا تصنع وحدها تاريخاً من الثقة، و تستطيع اقتراح ألف سؤال، لكنها لا تحمل مسؤولية السؤال، و تستطيع كتابة نص جميل، لكنها لا تملك ضمير المهنة. و ربما يكون هذا هو الامتحان الحقيقي بعد الورق، «أن تتغير الصحافة من دون أن تفقد نفسها». و بالنسبة لي، سيبقى للورق دين شخصي لا أنكره. لقد منحني شرفاً جميلاً، أن أرى كلماتي مطبوعة، و أن أعرف أنني كنت جزءاً، و لو بصفحة، من زمن صحفي سعودي طويل و عريق. و سيبقى اعتزازي أكبر بأن «أخضر × أخضر» عاشت مرحلة من عمرها على ورق «اليمامة». لكن الوفاء لـ«اليمامة» و توأمها «الرياض» لا يكون بأن نطلب منهما البقاء في المكان الذي أحببناهما فيه، بل بأن نتمنى لهما أن تصلا إلى المكان الذي سيكون فيه قراؤهما. فالجيل الجديد ليس مطالباً بأن يحب الورق الذي أحببناه، و لا أن يقرأ بالطريقة التي قرأنا بها، لكن من حقه أن يرث منا ما هو أثمن من الورق، اسماً يثق به، و ذاكرة يعرف من خلالها وطنه، و صحافة تعرف كيف تتغير من دون أن تتخلى عن مسؤوليتها. لذلك لن أكتب وداعاً للورق، و لن أضع نقطة حزينة في آخر الصفحة. سأقول فقط: «شكراً للورق الذي تشرفت به .. و أهلاً بـ«الرياض» و «اليمامة» في زمنهما الجديد». «خط أخضر»: قد تتوقف المطبعة، و قد تتغير الصفحة، و قد يصبح الحبر ضوءاً .. «لكن الصحافة لا تموت حين تفقد ورقها، بل حين تفقد حاجة الناس إليها».