تتكامل رقمياَ مع منصة “ توكلنا “ ..

جمعية “خيرات”.. من فائض الولائم إلى بيوت المستحقين .

بين صهيل الكرم المتجذّر في وجدان المجتمع السعوديّ وتحدّيات الاستهلاك المعاصر المتسارع، تدور معركة صامتة لحفظ قيم النماء؛ معركة تخاض بالوعي ودقة التنظيم اللوجستيّ لتلافي زوال النعم. هنا تبرز “جمعية خيرات لحفظ النعمة” ليس كجمعية خيريّة تقليديّة تسعى لتقديم المعونة العابرة، وإنما كمهندس ثقافيّ واقتصاديّ يعيد صياغة علاقة المواطن بمائدته اليوميّة، مرسّخاً قيم العطاء وصون الوفرة. إنها ممارسة مؤسّساتيّة واعية تتجاوز مفهوم الإطعام المباشر إلى تأسيس مذهب تنمويّ حديث يقيّد انفلات الهدر ويصنع من الفائض قيمة مضافة تخدم البيئة والمجتمع والاقتصاد في آن واحد. فالمسألة لم تعد مجرّد إطعام جائع يسد رمقه، بل صون كرامة مجتمع بأكمله وحماية مقدّراته الحيويّة من التبديد غير المسؤول الذي يهدد ديمومة النعمة. هندسة الفائض الغذائيّ تأسست جمعية “خيرات” لحفظ النعمة كاستجابة واعية لمواجهة مظاهر الإسراف والتبذير التي طرأت على السلوك الاستهلاكيّ، متخذة من العمل المؤسّسيّ المنظم سبيلاً لتقليص الفاقد من الطعام الصالح للاستهلاك الآدميّ في المناسبات العامة والخاصة على حد سواء. في هذا السياق، يوضح المدير التنفيذيّ لجمعية خيرات، عبد الله السبيعي، أن رسالة الجمعية منذ تأسيسها انطلقت من مبدأ شرعيّ وإنسانيّ عظيم يتمثل في حفظ النعمة ومنع هدرها، لتبدأ بالتدريج في التطور والنمو الحركيّ حتى أصبحت اليوم منظومة متكاملة لإدارة فائض الغذاء وفق أحدث المعايير المهنيّة والتنظيميّة. هذا التحول العميق في بنية العمل الاجتماعيّ يعني بناء سلاسل تشغيليّة فعّالة، وتطبيق معايير بالغة الصرامة في السلامة الغذائيّة تضمن بقاء الغذاء في حالته المثلى طوال رحلته، بجانب توظيف التقنيات الحديثة التي تضمن التدفق السلس والسريع للوجبات دون إبطاءٍ أو إخلال بالجودة التشغيليّة المعتمدة. ويرى السبيعي أن الشراكات الاستراتيجيّة والوثيقة مع القطاعات الثلاثة -الحكوميّ والخاصّ وغير الربحيّ- هي التي منحت هذا النموذج التنمويّ الجديد زخمه الوطنيّ الاستثنائيّ وقدرته على التوسع المستمر لتغطية الاحتياجات المتزايدة. ومن هذا المنطلق، يتحول حفظ الفائض من مجرّد سد حاجة آنية إلى قيمة تنمويّة حقيقية تسهم في تعزيز الأمن الغذائيّ ودعم الأسر المستفيدة، بالتوازي مع الحد الفعّال من الانبعاثات والآثار البيئيّة السلبيّة الناجمة عن تراكم الهدر وتوجيهه للمكبات والنفايات. هذه معادلة وطنيّة ذكية تجمع بين جلال الواجب الدينيّ والمسؤولية الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي تقع على عاتق كل فرد ومؤسّسةٍ في هذا الوطن المعطاء، مبرهنةً على أن إدارة الفائض الاستهلاكيّ تمثل استثماراً حقيقيّاً في الموارد، وتحقق عوائد مستدامة للمجتمع والدولة. كفاءة تشغيليّة عالية عن كفاءة هذه المنظومة التشغيليّة وسلاستها، يركز المدير التنفيذيّ عبد الله السبيعي على دقة المراحل الميدانيّة؛ إذ تبدأ الدورة من استقبال بلاغات فائض الغذاء، ثم جمعه من المناسبات والاجتماعات والفنادق والمطاعم ونقله عبر سيارات مجهّزةٍ، مروراً بعمليات الفرز والتقييم الدقيق تحت مظلة اشتراطات السلامة الغذائيّة، وصولاً إلى توزيعه للمستفيدين في الوقت المناسب وبأعلى درجات الموثوقيّة. وفي تفاصيل هذه الحركة الميدانيّة الدؤوبة، يجوب أحياء العاصمة الرياض أسطول يقارب الـ30 سيارةً مجهّزةً بالكامل لضمان جودة الأغذية الطازجة. هذا الأسطول اللوجستيّ الضخم لا يتحرك عشوائيّاً، بل يدار عبر نظام تواصل متقدم يربطه بقسم البحث الاجتماعيّ الذي ينسق مع الأسر المستفيدة عبر رسائل الجوال والواتساب لتوصيل الوجبات الساخنة والجاهزة إلى منازلهم دون مساس بخصوصيتهم أو كرامتهم. جسر لوجستيّ لم تعد المسافات عائقاً أمام تدفق الخير في زمن الفضاء الرقميّ، حيث غدت منصة “توكلنا” الوطنيّة البارزة التي تطل منها الجمعية على شركائها ومستفيديها بمرونة فائقة وأمان تشغيليّ كامل. هذا الارتباط الشبكيّ يترجم عمليّاً سعي الجمعية الحثيث للتحول الرقميّ الشامل كهدفٍ أصيلٍ في خطتها لتقريب الخدمات من المستفيدين وتسهيل البذل للداعمين. من خلال هذا التطبيق الوطنيّ الموحد، بات بإمكان المتبرعين والمستفيدين والداعمين متابعة أنشطة الجمعية والتعرف على مبادراتها، والمساهمة الفاعلة في الحد من الهدر عبر إرسال بلاغات فائض الطعام بيسر وموثوقيّةٍ، ممّا يعزز الثقة المتبادلة بين أطراف العمل الأهليّ. صمود بوجه الأزمة حين اجتاحت جائحة كورونا العالم وخلقت تحدّياتٍ صحّيّةٍ واقتصاديّةٍ بالغة التعقيد تسببت في توقف أعمال العديد من الأسر وانقطاع مداخيلها اليوميّة، تجلت مرونة البناء التشغيليّ لجمعية “خيرات” وقدرتها على القيادة اللوجستيّة للأزمة. وتحت وطأة الاحترازات الصحّيّة المشدّدة، أعادت الجمعية تشكيل خططها الميدانيّة لتوصيل الوجبات الآمنة والسلال الغذائيّة مباشرة إلى المنازل بدلاً من الاعتماد على التوزيع التقليديّ في المقار المعتادة. وكان هذا المحك الصعب بمثابة برهان ساطع على قوة التكافل والتنسيق المؤسّسيّ، حيث تجسد الدعم الحكوميّ السخيّ في مبادرة “خيرات الرياض” التي أطلقت بتوجيهات كريمة ومتابعة مستمرة من سمو أمير منطقة الرياض ونائبه. هذه المبادرة ضمنت تدفق ألف وجبةٍ يوميّةٍ للأسر المستفيدة طوال شهر كامل، جرى استلامها من الفنادق والمطاعم والمناسبات لتوزع بالتساوي كوجبات غداء وعشاء متكاملة القيمة الغذائيّة. ويستذكر السبيعي تلك الملحمة الإنسانيّة الميدانيّة بفخر واعتزاز، مبيّناً أن الجمعية استطاعت بكفاءة تشغيليّة وتنسيق دقيق توزيع نحو سبعمئة ألف وجبةٍ خلال أربعة أشهرٍ فقط من الاحترازات، لتصل إلى ما يزيد على خمسمئة ألف مستفيد في العاصمة الرياض. وقاية تصنع الاستدامة تتجه بوصلة التفكير التنمويّ لدى “خيرات” نحو بناء استراتيجيّةٍ وطنيّةٍ للمستقبل تتسق وتتكامل مع غايات رؤية المملكة 2030 في مجالات الاستدامة البيئيّة وتعزيز المسؤولية الاجتماعيّة. وفي هذا المسار، يؤكد عبد الله السبيعي أن الجمعية تضع ضمن أولوياتها الكبرى في المرحلة المقبلة التوسع الجغرافيّ المدروس لتغطية مناطق ومستفيدين أكثر، بموازاة تعميق الاستثمار في الحلول الرقميّة والبنية اللوجستيّة وتطوير كفاءة الكوادر الميدانيّة وتدريبهم. غير أن الابتكار الأهم يتمثل في سعي الجمعية لإطلاق برامج متخصصة ومبادرات نوعية تستهدف الوقاية من الهدر الغذائيّ قبل حدوثه، عوضاً عن الاكتفاء بمعالجة فائض الغذاء والاستفادة منه بعد إنتاجه. الانتقال من “حفظ الفائض” إلى “منع الهدر” يمثل ثورة معرفيّة وسلوكيّة ترتكز على إبرام اتّفاقيّاتٍ نوعية إلزامية مع الجهات المنتجة للأغذية والفنادق، ونشر ثقافة الاستدامة الغذائيّة بين أفراد المجتمع عبر المنصات المختلفة لتقليل الاستهلاك العبثيّ للغذاء. ويؤمن السبيعي بأن صيانة هذه المنجزات وبناء أثر مستدام يتطلب شراكات طويلة الأجل ودعماً تشغيليّاً مستمرّاً يضمن مرونة البنية الأساسيّة واللوجستيّة للجمعية. فجمعية “خيرات” لا تحفظ مجرّد وجبة طعام طرأت عليها ظروف الوفرة، بل تحفظ عقداً اجتماعيّاً وأخلاقيّاً متوارثاً، يعيد للمجتمع توازنه المفقود في عصر الاستهلاك المفرط، لنظل مجتمعاً يستبقي بركته ونعمته بحكمة بالغة ورعاية دؤوبة تليق بمكانة المملكة وريادتها.