كيف يعبر المسرح السعودي الحدود؟

لا تتحقق عالمية المسرح السعوديّ بالتخلي عن خصوصيته ولا بتقليد التجارب المسرحية الغربية، وإنما تتحقق حين ينجح في تحويل بيئته وثقافته وأسئلته الاجتماعية إلى تجربةٍ فنيةٍ قادرةٍ على مخاطبة الإنسان في كل مكانٍ بمختلف مرجعياته الثقافيّة. لأنّ المسرح الذي ينطلق من جذوره وهويته المحلية يتمكن من أن يعبر الحدود حينما يمتلك لغةً فنيةً تتسم بالنضج والشمولية ورؤيةً إخراجيةً وموضوعاً يتجاوز خصوصية المكان إلى أفقٍ إنسانيٍّ أوسع. نحن هنا لا نعني بمسمّى المسرح المحليّ أنّه مسرحٌ منغلقٌ على عاداته ولهجته وذاكرته، بل هو المسرح الذي يجعل من تلك العناصر مادةً إبداعيّةً يستطيع فهمها المتلقّي في كل مكانٍ وإن اختلفت اللغة والثقافة. فاللهجة والعادات الاجتماعية والأغاني الشعبية والحكايات المتوارثة هي مظاهر فولكلورية تزيّن العرض، وتساهم في بناء الشخصيات والصراع والحركة والإيقاع. ولكن ينبغي أن يكون هناك وعيٌ بأنّ ارتداء الزي المحليّ أو استخدام الأغنية الشعبية لا يصنع وحده مسرحاً سعوديّاً عالميّاً، لأنّ الهويّة من الأساس لا تظهر في الشكل الخارجيّ فقط، وإنّما في طريقة التفكير وبنية العلاقات بين أفراد المجتمع ومع المكان، وتظهر كذلك في صورة المكان وفي الصراع الدراميّ الإنسانيّ. فمثلاً لماذا لا تجسَّد الأساطير التي وردت في الأدب السعوديّ في نصٍّ مسرحيٍّ يقدّمها للجمهور، مثلما قدّم المسرح العالميّ الكثير من الأساطير الإغريقية وقدمها للجمهور وفهمها المتلقّي حيثما كان؟ إنّ الحكاية السعوديّة يمكن أن تصل إلى الجمهور العالميّ عندما تطرح سؤالاً إنسانيّاً يشترك فيه الوجود الإنسانيّ مهما اختلفت بقعته الجغرافيّة. فمثلاً حكاية الأسرة الممتدة يمكن أن تتحول إلى تأملٍ في صراع الأجيال، والقرية إلى فضاءٍ للصراع بين الذاكرة والتحديث، والبحر إلى رمزٍ للرحيل والانتظار، والعادات الاجتماعية إلى مساحةٍ لمساءلة الحريّة. فالمتلقّي قد لا يكون ملمّاً بالتفاصيل الدقيقة للحياة الاجتماعية للفرد السعوديّ، ولكنه يستطيع أن يتفاعل مع أبٍ يخشى فقدان أبنائه أو مصدر رزقه، أو مع شابٍ يبحث عن الاستقرار الماديّ وتخطي صعوبات الحياة، أو مع امرأةٍ تواجه قيوداً اجتماعيةً تُفرض عليها دون مبررٍ أو حقٍّ. وفي هذه المرحلة يشترك المتلقّي السعوديّ والعالميّ في همومٍ وأسئلةٍ إنسانيةٍ ووجوديةٍ. أما اللغة أو اللهجة التي يُقدَّم بها العرض المسرحيّ، فيُشترط فيها أن تحقّق الكشف عن طبيعة الشخصية وعمقها الدراميّ، سواء أكانت الفصحى أم العربيّة البيضاء أم لهجةً محليّةً تقدّم الألفاظ التي تُفهم من الجميع، ويرافق ذلك الترجمة الأدبية الرصينة التي تقدّم العرض وفق سياقه الثقافيّ. كما يمكن للمسرح السعوديّ تقديم عروضٍ تعتمد على اللغة البصرية والجسدية باعتبارهما وسيطين يتجاوزان اللغة المنطوقة، ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء ممثلٍ مسرحيٍّ وفق منظومةٍ تدريبيةٍ محترفةٍ تُعنى بإتقان لغة الجسد، ليتمكّن من التواصل مع المتلقّي الذي لا يشترك مع العرض المسرحيّ في اللغة والسياق الثقافيّ، لكنه يستطيع أن يفهم الخوف والألم والفرح والضياع؛ فالجسد لا يعرف لغةً ولا جنسيّةً. ويمكن الاستفادة من المسرح الشامل الذي يدمج التمثيل والغناء والموسيقى والرقص والحركات الجسدية في بنيةٍ فنيةٍ متكاملةٍ، فالمسرح السعوديّ والثقافة السعوديّة ثريّان بعناصر يمكن توظيفها للوصول بالمسرح السعوديّ لمتلقين خارج حدود الوطن. والمهم هنا أن تُوظَّف في بناءٍ دراميٍّ متماسكٍ، لا أن تكون مجرَّد رقصاتٍ أو موسيقى كفواصل بين المشاهد. أخيراً، إنّ الوصول بالمسرح السعوديّ إلى العالميّة ليس مجرَّد قضية نصٍّ أو موضوعٍ فحسب، بل هو أيضاً قضية إنتاجٍ واحترافٍ. فالعرض القابل للسفر يحتاج إلى ممثلين مدربين، ومخرجٍ يمتلك رؤيةً واضحةً، وسينوغرافيا قابلةٍ للنقل، وصوتٍ وإضاءةٍ بمستوى تقنيٍّ جيدٍ، وتوثيقٍ احترافيٍّ، وملفٍّ تعريفيٍّ وترجمةٍ أدبيةٍ مناسبةٍ. *ماجستير في الأدب المسرحي .