..تغْريبةْ زيدان..

المدينةُ غارقةٌ في الدُّجى، مَتَدَثِّرَةٌ بالخطيئةِ، يحشُدُ زيدانُ كلَّ جداولهِ لِيُداهِمَها بالحَيا مِنْ أقاصي المدينةِ تَنتحبُ الأغنياتُ أنِ اخرجْ بِكَ الملأُ الصُّمُّ والعُمْيُ يأتمرون وتَعْلَمُ مُذْ ( ضَعْ أنامِلكَ العَشر فوقَ رميمِ العظامِ لتحيا ويُورقُ هذا الفؤادُ العقيمْ) و ( عيناك لِي وطنٌ ) حين تَعْرَى المواطِنُ، تَعْلَمُ كَمْ أنتَ بين خلايا نَشيجي خَريرٌ رخيمٌ، وَكمْ أنت بين نشيدي هطولٌ يُدَمْدِمُنِي كُلَّما داهمتْ زُمَرُ الخوف. يا أيها الوطنُ المرتجى والفصولُ المَطيرة والقُبََّرات. المدينة تَخْلعُ كلِّ انتماءٍ إليها وتلبَس أقْبيةً من لظًى ودُجًى وجنونْ لم تعُدْ تَسْمع الآن بسْملةً من تراتيل نَبْضِكِ، لا تستطيع قراءةَ حرفٍ تدفَّق بالضوء من سَطْرِ نهركَ، يا أيها الأرخبيلُ الذي أبْدَعَتْهُ يدُ الله مُلتَحَدًا للفراديس والحُب، أنَّى تغَرَّبْتَ، ثَمَّةَ أرضٌ تحِنُّ لزخةِ عِشقكَ يا أيها العاشقُ اليمنيُّ النميرْ. المدينة تَرْزَحُ تحت جنازيرِ هجرتِها خارجَ اللاسَوِيِّ إلى جُرُفٍ عارمٍ من خواءٍ مُبينْ. وأنت الذي غرّبتكَ المواجيدُ منغرسًا في جذور الأمانيِّ، أنّى تَوجَّهْتَ تَخْضَرُّ حولكَ أشواقُها من جديدٍ. غدًا ستقول الدروبُ التي لانْثيالاتِ صدَّاحها ظَمِئَتْ: حاشَ لِله ما عَلِمَتْ أيَّ سُوءٍ عليك، وسوف تطيرُ الحدائقُ نحو غيومكَ شاديةً: أنتَ أنتَ المكين الأمينْ. هو الشوقُ لَمْلَمَ أحلامَنا كلها في مدارات تأويلِ رؤياكَ، يذْرفُنيْ الشوقُ، تَنْثُرُ دوَّامةُ الوجْدِ روحيَ في كلِّ مُتَّجَهٍ، هلْ سأملأُ عَيَنَيْ فؤادي بإشراقةٍ مِن مُحَيَّاكَ ذاتَ هطول.؟ هل ستطْرُقُ كفُّ انْهماركَ ذاتَ حيًا بابَ قلبي، وتدخلُ منْ كلِّ أبوابهِ كالتراتيلِ والبَسْملات.؟ ألا ليتَ تدري مَدىسحر مفردتَيْ (كمْ أُحبكَ).. كمْ تتضوَّرُ شوقًا لريحكَ كلُّ خلايايَ، إنِّي لأشْتمُّ ريحكَ في كل زاويةٍ أو مكان تَعطَّرَ يومًا بتقبيلِ خطوكَ يا ولدي وبلادي وحرْفي ومتَّكأي في المكان الزمان الهلاميِّ، حين تكونُ البلاد نثارًا من الخوف والشك والزيفِ، آويْ إلى جنَباتِ اليقين المُكرَّس في بحر عينيكَ، أسْتَلُّ قيثارتي من حفيفِ غصونك يا كائناتِ انْدلاعي وكَوِني الذي لا تغيب لآمالهِ نجمةٌ أو يجفُّ وميضْ. يومًا سُتلقي على أنف قلبي قميصَكَ حتى أعودَ سميعًا بصيرا، وسوف تعودُ المدينةُ حتمًا إلى روحها، سوف تنهمرُ الأغنيات الوطنْ. الكلمات المقوسة مقاطع من قصيدة سابقة. أب*عضواتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين