بين شغف الريشة ومسؤولية القيادة، يقف الفنان ماهر العولقي بوصفه محركاً لأضخم الحراكات التشكيلية المعاصرة عبر قيادته لمجموعة «الأنامل الذهبية» التي تضم مئات المبدعين؛ إذ لم يكتفِ بصياغة رؤية بصرية أثرتها رحلاته الاستكشافية لخمس عشرة دولة، بل نجح في هندسة كبرى التجمعات الفنية كمعرضي «إيقاعات لونية 1» و»السعودية العظمى». في هذا الحوار، نتقصى فلسفته في استنطاق التراث وتوثيق الهوية، ونستجلي أبعاد تجربته الفنية التي تتقاطع مع طموحات رؤية المملكة 2030 في صناعة مشهد فني رصين. * كيف تشكلت ملامح وعيك البصري الأول في ظل البيئة المحلية، وما الذي تبقى من تلك البدايات في فلسفتك الفنية اليوم؟ ** تشكّل وعيي البصري منذ الصغر من خلال البيئة الغنية بالموروث والثقافة والتنوع الجغرافي الذي تزخر به المملكة. كنت أرى في تفاصيل الحياة اليومية، والعمارة، والطبيعة، والتراث، مصادر إلهام لا تنضب. ومنذ بداياتي آمنت بأن الفن ليس مجرد لوحة تُعلّق على الجدار، بل رسالة تحفظ الهوية وتوثق الإنسان والمكان، وما زلت أتبنى هذه الفلسفة في جميع أعمالي ومشاريعي الفنية. * زرتَ خمس عشرة دولة حول العالم لاستكشاف معالمها؛ فكيف أعادت هذه الرحلات الثقافية صياغة مفهوم «الهوية» في ممارستك التشكيلية؟ ** لدي مشروع فني وثقافي باسم «رحال الفن حول العالم» يقوم على زيارة الدول والرسم فيها، وقد أنجزت حتى الآن الرسم في 15 دولة. هذه الرحلات عمّقت مفهومي للهوية، وأكدت لي أن الانفتاح على ثقافات العالم لا يلغي هوية الإنسان، بل يعززها. كنت أنقل جمال المملكة وثقافتها إلى الشعوب التي أزورها من خلال أعمالي الفنية، وفي المقابل أعود بتجارب وثقافات جديدة تثري المشهد الفني داخل المملكة، ليصبح الفن جسراً للتبادل الثقافي بين الشعوب. * تقود مجموعة «الأنامل الذهبية» التي تضم نحو 500 فنان وفنانة؛ فكيف توازن بين خصوصية رؤيتك كفنان مستقل ومسؤولية إدارة هذا الحشد من الطاقات الإبداعية؟ ** قيادة مجموعة بهذا الحجم مسؤولية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه عمل جماعي متكامل. أؤمن بأن النجاح الحقيقي لا يصنعه شخص واحد، بل فريق يعمل بروح واحدة ورؤية مشتركة. لذلك أعتز بفريق مشرفي مجموعة «الأنامل الذهبية» الذين يشاركونني مسؤولية التنظيم والتطوير، وقد كان لهذا الفريق دور بارز في تنظيم المبادرات والمعارض، ومتابعة الفنانين، واكتشاف المواهب، بينما أواصل قيادة المجموعة ووضع رؤيتها والاستراتيجية التي تسير عليها. وبهذا التكامل أصبحت «الأنامل الذهبية» من أكبر المجموعات الفنية على مستوى المملكة، وتضم اليوم ما يقارب 450 فناناً وفنانة. * في معرض «إيقاعات لونية 1» بجدة، قدمتَ أكبر تجمع فني عام 2022؛ فما هو الرهان الجمالي الذي كنتَ تحاول كسبه من خلال هذه الضخامة التنظيمية؟ ** لم يكن هدفي تحقيق رقم قياسي في عدد المشاركين، بل تقديم نموذج احترافي يثبت أن العمل الجماعي قادر على صناعة حدث فني مؤثر. أردنا أن يرى الزائر تنوع المدارس والأساليب الفنية في مكان واحد، وأن يشعر بأن الفن قادر على جمع المبدعين تحت مظلة واحدة مع المحافظة على جودة التنظيم والمحتوى، وهو ما تحقق بفضل روح الفريق والعمل الجماعي. * ركز معرض «إرث» على استعادة «مهن الأجداد»؛ فإلى أي مدى ينجح الفن التشكيلي في حماية الذاكرة الحرفية السعودية من الاندثار؟ ** الفن هو أحد أهم وسائل توثيق الحضارات. فعندما يرسم الفنان مهن الأجداد، فهو لا يوثق شكلاً بصرياً فحسب، بل يوثق تاريخاً وقصةً وهويةً وثقافةً متوارثة. لذلك كان معرض «إرث» رسالة تؤكد أن اللوحة الفنية تستطيع أن تحفظ الذاكرة الشعبية للأجيال القادمة بأسلوب معاصر يجمع بين الأصالة والإبداع. * بوصفك المشرف العام على معرض «السعودية العظمى»، كيف استطعت صهر التنوع الجغرافي للمملكة في بوتقة فنية واحدة ضمت 130 لوحة؟ ** حرصنا على أن تكون كل لوحة نافذة تعكس جانباً من جمال المملكة وتنوعها الثقافي والجغرافي، مع المحافظة على وحدة الرسالة الفنية. وعلى الرغم من اختلاف أساليب الفنانين، فإن الجميع اجتمع على هدف واحد، وهو إبراز الهوية الثقافية للمملكة بصورة مشرقة، ليخرج المعرض وكأنه لوحة وطنية متكاملة تعكس ثراء هذا الوطن وتنوعه. * هذا المعرض أيضا استقطب اهتماماً دبلوماسياً ونخبوياً؛ فما هي الرسالة التي سعيتَ لإيصالها عن تطور الفن السعودي المعاصر؟ ** كانت رسالتي أن الحركة الفنية في المملكة تشهد تطوراً كبيراً، وأن الفن أصبح لغة حضارية تعكس النهضة الثقافية التي تعيشها البلاد. كما سعيت إلى إبراز قدرة الفنانين على تقديم أعمال احترافية تواكب المعايير العالمية، وتؤكد أن المملكة أصبحت بيئة حاضنة للإبداع والثقافة والفنون. * تتقاطع أعمال مجموعتك مع مبادرات توثق التراث عبر «الحرف واللون»؛ فكيف تفسر العلاقة البصرية بين الكلمة المكتوبة واللون في توثيق الإرث الحضاري؟ ** الكلمة تحفظ المعلومة، بينما اللون يحفظ الإحساس. وعندما يجتمع الحرف مع اللون، يتحول التراث إلى تجربة بصرية يعيشها المتلقي قبل أن يقرأها. لذلك أؤمن بأن الفن التشكيلي شريك أساسي في توثيق الإرث الحضاري، وإعادة تقديمه للأجيال القادمة بأسلوب يجمع بين الأصالة والابتكار. * في ظل مستهدفات رؤية المملكة 2030، كيف تستشرف مستقبل المجموعات الفنية الكبرى ودورها في تعزيز حضور المملكة على خارطة الفن العالمي؟ ** أرى أن المستقبل يحمل فرصاً استثنائية للمجموعات الفنية في ظل الدعم الكبير الذي يحظى به القطاع الثقافي والفني ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030. وطموحي أن تستمر «الأنامل الذهبية» في تقديم مبادرات نوعية داخل المملكة وخارجها، وأن تكون منصة لاكتشاف المواهب وتعزيز التبادل الثقافي مع العالم. أنا أؤمن بأن الفن لغة عالمية قادرة على بناء جسور التواصل بين الشعوب، وأن المملكة اليوم أصبحت مركزاً مهماً للحراك الثقافي والفني على المستوى الدولي.