شاعرة لبنانية تعيش في باريس ترجمت أعمالها للفرنسية والإسبانية والتركية..
أصالة لمع: الأشياء العادية أصبحت مكانًا صالحًا للشعر.
أصالة لمع شاعرة لبنانية تقيم في فرنسا، إلى تجربة شعرية تتخذ من قصيدة النثر فضاءً للبحث عن المعنى، ومن اللغة والموسيقى الداخلية أداتين أساسيتين في بناء النص. صدر لها ديوانها الأول «التفاتة نحو نغمة خافتة»، ثم ديوانها الثاني «فيما تمعن فيكَ الأشياء العادية»، فيما تترقب صدور ديوانها الثالث. وفي تجربتها تتجاور ذاكرة المكان الأول مع أسئلة الغربة واللغة، ويأخذ اليومي والعادي طريقهما إلى القصيدة بوصفهما مجالًا للتأمل وإعادة اكتشاف العالم. كما عرفت تجربتها طريقها إلى الترجمة، ومن بينها الفرنسية، التي تمثل بالنسبة إليها لغة القراءة والحياة اليومية. في هذا الحوار، تتحدث لمع عن علاقتها المبكرة بالشعر، وعن ولادة الصورة والموسيقى الداخلية، وتحول تجربتها بين دواوينها، وانتقال القصيدة إلى لغة أخرى، وصولًا إلى رؤيتها للشعر بوصفه مقاومة هادئة في عالم يزداد ضجيجًا. *متى بدأت علاقتكِ بالشعر؟ وهل كان اختيارًا واعيًا أم قدرًا تسلّل إليكِ باكرًا؟ -لا أستطيع تحديد لحظة واضحة لبداية علاقتي بالشعر. متأكدة من أنها لم تبدأ كفعل واعٍ، بقدر ما كانت حساسية مبكرة تجاه اللغة والعالم، وميل غامض نحو ما لا يُقال مباشرة. يمكنني القول بأن الشعر تسلّل إلى حياتي مبكراً جداً عبر القراءة، ثم جاءت الكتابة بعدها كحاجة ملحّة، كاستجابة داخلية لدوافع ذاتية وجمالية، لم أفهمها تماماً في حينها. من هذا البعد الزمني في التجربة، أعرف الآن أن الشعر كان راسخاً داخلي منذ البداية، في رؤيتي الخاصة للأشياء، في شعوري المتوتر بها، في الحالة المكثفة من الانتباه والقلق في التعامل مع العالم من حولي. ثم بعدها، في هذه الرغبة الموجعة للتعبير عن كل هذا. الشعر هو طريقتي الأصدق في العيش، المكان الذي سكنته دوماً حتى أنني لم أعد أذكر أنني كنتُ يوماً في مكان آخر، وأظن أنه يمكننا أن نسمّي هذا قدراً. *نشأتِ في بيئة لبنانية غنية بالتناقضات، وتعيشين اليوم في فضاء ثقافي فرنسي؛ كيف يتجاور هذان العالمان داخل لغتكِ الشعرية؟ -يتجاوران بتوتر دائم، لكنه توتر خصب. لبنان منحني حِدّة الشعور، ووعيًا مبكرًا بالفقد والهشاشة، بالأقدار التي تكون قاصمة أحياناً. فيما منحتني الثقافة الفرنسية مسافة تأملية، وانفتاح فكري على كل اختلاف، ولغة ثانية سخيّة وشاعرية إلى أبعد حدّ. لغتي الشعرية نتاج هذا التداخل: حرارة التجربة الأولى، قسرية الغربة المكانية وما تستدعيه من غربة لغوية ونفسية وانطباعية، ممزوجة بعين تراقب من الخارج، تحت وطأة الإسقاطات والمقارنات. أكتب من منطقة بينيّة، من مكان يشبه شرخ في الهوية، لا ينتمي بالكامل إلى هنا أو هناك، وهذا ما يمنح اللغة طبقاتها وتردّدها الخاص. *إلى أي حدّ تشكّل الموسيقى الداخلية عنصرًا حاسمًا في بناء القصيدة، مقارنة بالدلالة والمعنى؟ -الموسيقى الداخلية أساسية بالنسبة لي، خصوصاً في قصيدة النثر التي نكتبها اليوم. لدي علاقة خاصة جداً بالمفردات حين أكتب، وأهتم باللغة في قصيدتي، أبعد من كونها وسيلة فقط. يحدث أن تقودني الموسيقى قبل المعنى، وأن تفتح الطريق أمامه. لا أفصل بين الإيقاع والدلالة؛ الكلمة لا تُختار فقط لما تعنيه، بل لما تُحدثه من صدى سمعي وشعوري. يمكن أن أقضي أياماً أمام نص غير منتهي، لاستبدال مفردة لا أحبها بأخرى تلمسني وترن في داخلي. حين تختل الموسيقى، أشعر أن النص فقد توازنه، حتى لو كان المعنى واضحًا. القصيدة تُحَسّ قبل أن تُفهَم. الشعور أولاً، ثم اشتغال اللغة والموسيقى برهافة وانتباه، إنما دوماً بلا تكلف. *بين ديوانكِ الأول «التفاتة نحو نغمة خافتة» وديوانكِ الثاني «فيما تمعنُ فيكَ الأشياء العادية»، نلمس انتقالًا من الهمس الداخلي إلى تأمّل اليومي؛ كيف تصفين هذا التحوّل؟ -هو تحوّل نابع من تغيّر علاقتي بالعالم. شيء يحدثه الزمن والنضج أيضاً، وينعكس في الكتابة لأنها مرآتي الأكثر صدقاً. في الديوان الأول، كنت أكثر انكفاءً على الداخل، كتبته من منطقة شديدة الخصوصية. في الديوان الثاني، اتسعت الرؤية باتساع التجربة، وصرت أرى اليومي والأشياء العادية بوصفها امتدادًا للذات، ومكانًا صالحًا للشعر. هناك أيضاً هذا الشعور بالحاجة إلى الذهاب إلى ما هو أبعد من الأشياء العادية ومن العيش العادي، شيء يشبه تحدي هذا المشهد الساكن والمتكرر بالشعر. ما أنا أكيدة منه، هو أنني لم أتوقف عن الكتابة من منطقة خطرة داخلي، ومع أن الكتابة صارت أكثر انفتاحًا، وأكثر قدرة على ملامسة العالم، لكنها لم تفقد هشاشتها. *أي ديوان تشعرين أنه الأقرب إلى ذاتكِ اليوم؟ ولماذا؟ -الديوان الثالث الذي أترقّب صدوره. لأن أقرب نص للكاتب دوماً هو آخر نص كتبه، حتى يكتب نصاً آخر من بعده. ربما لأننا لا نكف عن التبدل وما نكتبه الآن يشبهنا الآن. هناك أيضاً تطور قراءاتنا وانطباعاتنا، التي تنعكس في تطورنا الشعري واللغوي. صار لديّ أيضاً نوعاً التصالح مع الهشاشة، ومسافة أقل عدائية بيني وبين العالم. ربما لأنني لم أعد أبحث عن إجابات، بل عن صيغ محتملة للعيش أكون فيها أرقّ مع نفسي. *صدور مختارات مترجمة من أعمالكِ إلى الفرنسية محطة لافتة؛ كيف عشتِ تجربة انتقال القصيدة إلى لغة أخرى وثقافة مختلفة؟ -كانت تجربة مقلقة ومدهشة في آن واحد. ترجمت قصائدي إلى لغات لا أتقنها، مثل التركية والإسبانية. وفي كل مرة، بدا عادياً أن تغادر القصائد لغتها الأم لتعيش حياة أخرى. لكن قراءة النصوص بالفرنسية، لغة قراءاتي وحياتي اليومية، كانت تجربة مختلفة. تمكنت من مراقبة النص وهو يعيد تشكيل نفسه ضمن حساسية لغوية مختلفة، قرأته بعين أكثر حيادية، وأحببته وأنا أعيد اكتشافه. صالحني الأمر أيضاً مع فكرة أن اللغة الفرنسية يمكن أن تكون بدورها لغة بوح وكتابة. *برأيكِ، ما الذي تخسره القصيدة وما الذي تكسبه حين تُترجم؟ وهل تشعرين أن النص الفرنسي صار كائنًا مستقلًا؟ -تخسر القصيدة شيئًا من موسيقاها وحميمية لغتها الأولى، لكنها تكسب أفقًا جديدًا والأهم قُرّاءً آخرين. هناك نصوص، خصوصاً في الشعر، تستعصي على الترجمة، لأنها قائمة على اللغة وليس على الفكرة، وهنا أهمية اختيار النصوص القادرة على الانفتاح على لغة أخرى، وإعادة كتابتها عوضاً عن النقل الحرفي. في هذا السياق، أؤمن أن النص المترجم يصبح كائنًا مستقلًا، يحمل روح القصيدة الأصلية، لكنه يعيش وفق قوانينه الخاصة. لا أراه نسخة ثانية، بل حياة موازية، لها جمالياتها وخساراتها، وحقها في الوجود. *كيف تقيمين حضور الشاعرات اليوم؟ وهل تغيّر موقع القصيدة النسوية في المشهد الثقافي العربي؟ -حضور الشاعرات اليوم غني ومتنوّع، وهناك أصوات حقيقية تكتب بعمق وجرأة، وأحبها شخصياً. لكنني لا أؤمن بالتصنيفات الجندرية للأدب والفن. أعتقد أن القصيدة النسوية تغيّر موقعها بالفعل، حين تخلّت عن فكرة تمثيل “المرأة” بوصفها قضية، وصارت تكتب من موقع إنساني أوسع. وهذا شيء يصب في صالح الشعر الجيد. على الشعر أن يصل إلى القارئ ويؤثر به لأنه حقيقي وصادق، بعض النظر عن هوية كاتبه أو أي عامل آخر. *هل تكتبين ضمن **أفق حداثي محدّد، أم تفضّلين الكتابة خارج التصنيفات والمدارس الشعرية؟ -أنتمي روحيًا إلى أفق حداثي بالطبع، لكنني لا أكتب ضمن إطار نظري أو مدرسي. لا أفكّر بالتصنيفات أثناء الكتابة، بل أنطلق من الحاجة الداخلية إلى اللغة. أؤمن أن الشعر الحقيقي يفرض شكله الخاص، ويتجاوز الحدود الزمنية والفنية. الحرية شرط أساسي بالنسبة لي، وأي قالب جاهز أشعر أنه يقيّد صدق التجربة. *في عالم يتّسم بالضجيج والتسارع، **إلى أي مدى تؤمنين بأن القصيدة فعل مقاومة هادئة؟ -إلى أبعد حدّ. القصيدة تقع على النقيض الآخر لكل ما يفرضه علينا عالم اليوم من بشاعة وشحّ بالجمال. في عالم الضجيج والتسارع، القصيدة تفرض الإنصات، والتأمل في عمق الأشياء، ببطء وهدوء. هي مقاومة ناعمة، تأكيد على إنسانيتنا وحاجتنا إلى أنسنة الواقع، في عالم ينتهك إنسانيتنا كل يوم. *في عالم يتّسم بالضجيج والتسارع، إلى أي مدى تؤمنين بأن القصيدة فعل مقاومة هادئة؟ -إلى أبعد حدّ. القصيدة تقع على النقيض الآخر لكل ما يفرضه علينا عالم اليوم من بشاعة وشحّ بالجمال. في عالم الضجيج والتسارع، القصيدة تفرض الإنصات، والتأمل في عمق الأشياء، ببطء وهدوء. هي مقاومة ناعمة، تأكيد على إنسانيتنا وحاجتنا إلى أنسنة الواقع، في عالم ينتهك إنسانيتنا كل يوم. *لو طُلب منكِ تلخيص تجربتكِ الشعرية كلّها في جملة واحدة أو بيتٍ شعري، ماذا تقولين؟ -سأستعير مقولة لجاك سالوميه: “إن كنت لا تعرف ماذا تفعل بيديك، حوّلهما إلى حنان”. أنا آخذ ما يعطيني إياه العالم، وأحوله إلى قصائد. كل قصيدة عناق، لمسة ناعمة في عالم من القسوة والرماد.