كتاب ومثقفون يتفاعلون مع منصات المجلة..

“صالون اليمامة الثقافي” ينطلق.. من إرث الورق إلى فضاء الحوار الرقمي.

بالتزامن مع بدء مرحلتها الرقمية، أطلقت المجلة «صالون اليمامة الثقافي»، ليكون مساحة جديدة للحوار حول قضايا الثقافة والفكر والمجتمع، بمشاركة القراء والمتابعين وإتاحة المجال أمامهم لإبداء آرائهم ومناقشة القضايا المطروحة. واختار الصالون في انطلاقته الأولى سؤالًا يتصل مباشرة بالتحولات التي يشهدها المشهد الثقافي والإعلامي: هل لا يزال المثقف مؤثرًا في المجتمع، أم أن تأثيره تراجع أمام مشاهير المنصات وصنّاع المحتوى؟، وهو سؤال استقطب آراء ورؤى متعددة من كتّاب وباحثين ومثقفين ومهتمين بالشأن الثقافي، تراوحت بين التأكيد على استمرار دور المثقف، والدعوة إلى تطوير أدواته، والقول إن طبيعة التأثير نفسها تغيرت مع التحول الرقمي. التحول الرقمي.. أبعد من تغيير الوسيط الترحيب الأول جاء من الدكتورة فاطمة القرني التي وصفت الصالون بأنه “حوار يبدأ معكم، فيما وصف الدكتور زاهر عثمان إطلاق الصالون بأنه يمثل خطوة يمكن أن تتجاوز التحول في الشكل إلى تحول في المحتوى، وكتب معلقا: “مبادرةٌ جميلةٌ لمجلة اليمامة لعلها تدخل في إطار التحوُّل الرقمي مؤكِّدًة أنَّه ليس في الشَّكل فقط بل والمحتوى. والأمل في أن تكون ساحةً للحوار تستعيد فيها الثَّقافة بريقها، والمثقَّفون دورهم.‬” وفي الاتجاه ذاته، رأى الدكتور زعلة أن الصالون:” فكرة ممتازة تعزز التوجه إلى توظيف المنصات الرقمية لخدمة الإعلام الثقافي الرصين الذي تقدمه اليمامة العريقة”. فيما وصف مشعل الوعيل الخطوة بأنها “ خطوة ثقافية جميلة تواكب التحول الرقمي، وتعيد تقديم إرث مجلة اليمامة العريق بروحٍ معاصرة، لتظل مساحةً رحبة للفكر والحوار وتنوّع الآراء. «صالون اليمامة الثقافي» امتدادٌ يليق بتاريخ المجلة، ويصنع حضورها الجديد في الفضاء الرقمي” أما دلال الخالدي، فوصفت المسار الجديد بأنه «ذكي جدًا»، معتبرة أنه يعكس وعي «اليمامة» بأهمية الحضور الرقمي في الصحافة السعودية ودوره في تشكيل الحراك الثقافي. وحضر البعد الرقمي كذلك في رؤية حمد المالك، الذي رأى في الانفتاح على وسائل الإعلام الجديد، ومنها البودكاست، خطوة تواكب تحولات الإعلام وتمنح المحتوى الثقافي مجالًا أوسع للوصول إلى جمهور جديد.وفي المقابل، اقترح حمود أبوماجد إعادة النظر في تسمية «الصالون»، داعيًا إلى اختيار «مجلس» أو «ديوانية» أو «منتدى»، بوصفها تسميات قد تكون أكثر اتساعًا للتعددية وأكثر اتصالًا بالسياق المحلي. المثقف معركة الانتباه؟ لكن النقاش الذي أطلقه الصالون لم يتوقف عند الاحتفاء بالخطوة، بل ذهب مباشرة إلى جوهر السؤال: من يملك التأثير في زمن المنصات؟ يرى جبريل معبر أن التأثير يعتمد على الشرائح المتلقية، ويعتمد على الأدوات، فالمثقف الفرد ملتزم بثقافته ومسؤوليته العامة وثوابته المقدسة، كما أنه ليس لديه حاضنة قوية تدعمه لإيصال رسالته، وأغلب ما يتوفر له الآن أيضا أصبح يُقاس بالثمن لا بالقيمة، بينما ما يُسمى مشاهير المنصات فتأثيرهم على العامة أسرع لاعتمادهم على كسب اللحظة وليس على ثقافة المجتمع، وربما أصبح من الصعب المقارنة بين ما يذهب جفاء وما يمكث على الأرض. ويذهب علي المطوع إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن ثقافة الاستهلاك طغت على مفهوم المعرفة، وأن الجمهور أصبح يبحث عن المعلومة السريعة أكثر من بحثه عن المعرفة، فيما باتت أدوات «الهاشتاق» و«الترند» قادرة على تجاوز صناع المعرفة الذين اعتادوا المنصات التقليدية. ويرى المطوع أن المثقف التقليدي، الذي كان يمتلك في السابق منصات ومحاضن إعلامية وثقافية تمنحه موقعًا مركزيًا في صناعة التأثير، لم يعد قادرًا بأدواته القديمة على منافسة صناع التأثير الجدد، لكنه يطرح في المقابل سؤالًا أكثر إلحاحًا: أين يذهب أثر كل هذا التأثير الرقمي الهائل بعد أن ينتهي الترند؟ وفي خضم هذا الطوفان الرقمي الهائل الذي يصنع كل هذا التأثير الوقتي الذي يزول بسرعة من أذهان الناس، يتساءل المطوع: أين الأثر لكل هذا الحراك الرقمي الهائل التي ما إن يبدأ تأثيرها حتى تندثر ؟!. المشكلة ليست في المنصة وفي مقابل هذه الرؤية، رفض عدد من المشاركين التعامل مع المنصات بوصفها بديلًا عن المثقف، ورأوا أن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة المثقف على تطوير أدواته. وقالت نورة المفلح إن المثقف لا يزال قادرًا على التأثير في المجتمع وتطويره، لكنه يحتاج إلى تغيير أدواته والاقتراب أكثر من الناس وأسئلتهم واهتماماتهم. ورأت عبلة تايه أن «التأثير لم يمت بل تغيرت أدواته»، معتبرة أن الرهان الحقيقي يكمن في ظهور «المثقف الرقمي» الذي يغادر برجه العاجي ليجمع بين عمق الفكرة وقوة الانتشار بأدوات العصر. ويذهب طارق يس الطاهر إلى أن بقاء المثقف مؤثرًا مشروط بتطوير أدواته ومواكبة تحولات العصر والاقتراب من الجمهور، محذرًا من أن استمرار الخطاب المنغلق والمصطلحات التي لا يفهمها الجمهور قد يحول المثقف إلى «مغرد خارج السرب». وعندما يتعلق الأمر بالكاتب محمد محسن فإن المثقف لايزال مؤثراً إلى حد ما، سيما ودوره في بناء الفهم وتفكيك الأفكار وتغيير طريقة التفكير يحتاج إلى أناة وصبر لم يعد يتمتع بهما المجتمع ولاتتناسبان في الأصل مع الأدوات السائدة التي لاتُنتج سوى إجابات معلبة. أما إيناس عثمان، فترى أن إحدى مشكلات المثقف تكمن في أنه يعيش في برجه العاجي ، يناقش قضايا العصر بلغة لا يعرفها العامة ، يتقوقع على نفسه ومن حوله ممن هم على شاكلته دون أن يترك أثرا في كل من مر به أو يمر.. مطالبة بضرورة فهم أدوات العصر وكيفية تطويعها لفكر المثقف من دون أن يترك الركاكة تستحوذ على لغته. صانع المحتوى.. هل أصبح مثقفًا؟ وفي واحدة من أكثر المداخلات اتساعًا للسؤال، لفتت غالية المطيري إلى أن النقاش نفسه يحتاج أولًا إلى إعادة تعريف مفهومي «الثقافة» و«المثقف». فالثقافة، بحسب رؤيتها، لم تعد محصورة في الأدب والفكر كما كان يُنظر إليها في عقود سابقة، بل اتسعت لتشمل الموروث والأزياء والعادات والتقاليد وغيرها، وهو ما يفرض تعريفًا أكثر مرونة للمثقف وصانع المحتوى. وتطرح المطيري ثلاثة أسئلة تتصل بجوهر القضية: هل كان المثقف في السابق مؤثرًا فعلًا أم أن تأثيره ظل محصورًا في الأوساط الثقافية؟ وهل يقاس النجاح باتساع الانتشار أم بجودة المنتج؟ ومن هو المثقف في المشهد الجديد؟ وتتصل هذه الرؤية بما طرحته منى الشمري حول صانع المحتوى، الذي بات أكثر قربًا من الجمهور، وأقدر على التواصل معه بلغته وبالأدوات التي يستخدمها يوميًا. وترى أن سهولة الوصول والتفاعل المباشر والثقة التي يبنيها صانع المحتوى مع جمهوره جعلت منه منافسًا حقيقيًا للأشكال التقليدية في إيصال الأفكار والنصائح والتجارب. بين الشهرة والأثر ويقول الكاتب أحمد عبدالله عطيف إن «اليمامة» تدخل فضاءها الرقمي وهي لا تبدأ من الصفر، ولا تدخل عالمًا غريبًا عنها؛ بل تحمل معها خبرة الورق، وذاكرة الأجيال، وميراث المهنة، وإيمانًا بأن الوسيلة قد تتغير، أما قيمة الكلمة فلا تتغير. ويضيف أن هذا التحول لا يعني التخلي عن إرثها، بل الانتقال به إلى مرحلة جديدة، قائلًا: «في هذا التحول الكبير تأتي اليمامة إلى فضائها الجديد وهي تحمل ما هو أثمن من صفحاتها: تحمل تجربة صنعتها الكلمة، وذاكرة صنعتها الأجيال، ومعيارًا مهنيًا لا ينبغي أن تسقطه سرعة العصر». ومن هذا الإرث، يرى عطيف أن «اليمامة» كانت «مدرسةً للإعلام الورقي»، تعلّم في صفحاتها كتّاب كيف تكون الكلمة موقفًا، وكيف يكون الاختلاف أدبًا، وكيف يصبح الإعلام صناعةً للوعي، لا مجرد صناعة للخبر. ويضيف: «اليمامة التي علّمت أجيال الورق، تفتح اليوم درسًا جديدًا في فضاء الشاشة». غير أن الانتقال إلى الفضاء الرقمي، في رأيه، لا يقاس بمجرد الحضور في المنصات، وإنما بمدى الحفاظ على المكانة المهنية التي راكمتها «اليمامة» عبر تاريخها؛ إذ يقول: «رهانها الحقيقي ليس أن تكون حاضرة فيه فحسب، بل أن تكون جديرة بمكانتها فيه». فالرقمنة، بحسب عطيف، «تغيّر الوسيلة، لكنها لا تعفي الرسالة من مسؤوليتها»، كما أن «الشاشة أسرع من الورق، لكنها ليست أعمق منه بالضرورة، وكثرة المنصات لا تعني بالضرورة كثرة الإعلام». ومن هنا ينتقل عطيف إلى معيار آخر لقياس نجاح «اليمامة» في مرحلتها الجديدة، يتمثل في الأثر لا في حجم الحضور؛ فـ«مستقبل اليمامة لا يُقاس بعدد ما تنشره، وإنما بما تضيفه، ولا بسرعة وصولها إلى القارئ، وإنما بما تتركه في وعيه». ويؤكد أن «اليمامة لا تريد أن تكون رقمًا في الفضاء الرقمي؛ تريد أن تكون قيمة». ويخلص عطيف إلى أن «اليمامة» لا تغادر إرثها الورقي، وإنما تحمل خبرته وذاكرته إلى المستقبل، لتواصل في فضائها الجديد ما بدأته في فضائها القديم: «مدرسةً في المهنية، ومنبرًا في المعرفة، ومجالًا للاختلاف الراقي، وصوتًا يحترم عقل القارئ». ويرى أن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة هو أن تصنع «حضورًا يليق بعصر الشاشة»، وأن تنتقل «من مدرسة الإعلام الورقي إلى أفق الإعلام الرقمي، دون أن تفقد في الطريق روح اليمامة». من «الصالون» إلى الحوار المفتوح وفيما رحب المشاركون بإطلاق «صالون اليمامة الثقافي»، رأى عبدالرحمن المحنا أنه يمثل مساحة واعدة تضاف إلى المشهد الثقافي والفكري، ونافذة للحوار الراقي وتعدد الرؤى، معتبرًا أن الأهم في التجربة أن يكون الجمهور شريكًا حقيقيًا في الحوار. وقالت الدكتورة نوف الرويسان ان ‏فكرة الصالون رائعة وخطوة رائدة ، فيما توقع الدكتور محمد المهيري أن يكون الصالون منارة علمية مهمة. ووصف عبدالمحسن السناني إطلاق الصالون بأنه خطوة رائدة تفتح أبواب الحوار وتجعل من الجمهور شريكاً. وعبّرت عبير العيد عن تقديرها للتجربة، قائلة: «ما أجمل العراقة وهي تواكب وتقدم أدوات أخرى؛ هنا يدرك الجميع أن اليمامة فردت أجنحتها بثقة المتميز والعملاق، بوركتم وسدد الله خطاكم». ومن جهته، عدّ خالد يعقوب المغربي إطلاق الصالون «خطوة رائعة ومطلوبة جدًا»، متمنيًا له التوفيق والنجاح. وتأتي انطلاقة «صالون اليمامة الثقافي»، ضمن حضور المجلة المتواصل في المشهد الثقافي، إذ يفتح الصالون مساحة للحوار حول القضايا الثقافية والفكرية والاجتماعية، عبر طرح الأسئلة وإتاحة النقاش أمام المختصين والقراء والمتابعين. ومن المقرر أن تتناول الحلقات المقبلة عددًا من الأسماء والقضايا والتحولات التي تشغل المشهد الثقافي والمجتمع. ----- الثقافة الجادة في مواجهة المشاهير. إدريس الدريس مع سطوة تأثير الوسائط وما يتركه مشاهير السوشيال ميديا على المتلقين وتهافت المتابعين فإن تعريف الثقافة التي تنطوي على حشد من المعارف والقيم والأفكار التي تنتظم المجتمع قد تحول إلى هجين ومسخ من الأفكار القشرية التي يغلب عليها الحضور الشخصي والحافز المادي ولذلك تردت منابع الثقافة في قيمها وفي عطاءاتها الفنية “الغنائية والمسرحية” ، ويمكن تلمس مثل هذا الأثر السلبي كحالة سلبية في النتاج الفني والثقافي المصري الذي كان منارة للثقافة العربية تأليفاً ومسرحاً وطرباً والحال كذلك مع الكويت التي كانت منارة الخليج الثقافية في ريادتها الصحفية والمسرحية لكنها غادرت مكانتها البارزة ولذلك أخشى على الأجيال القادمة أنها ستتلقى ثقافتها غالباً من مشاهير التيك توك وغيرها من الوسائط . والسؤال هو: عن كيف يمكن تلافي مثل هذا التأثير ؟ وجوابي هو في تدخل وزارة الثقافة والإعلام ومحاولة الحد من هذا التأثير البالغ لمشاهير الفاشينستات وبعض المهرجين والتافهين ويمكن لهم حجب ما يمكن من هذا التدفق كما حدث مع المؤثرة هند القحطاني التي حجب سنابها، وعلى وزارة الثقافة تشجيع وإبراز المثقفين الحقيقيين وتلميعهم بطريقة حديثة ترغب الجيل الجديد في عطاءاتهم وإصداراتهم ويقع بعض هذا العبء على الجيل المخضرم لتربية الأبناء وبناء علاقة متدرجة مع الثقافة الجادة وتشجيع حضور مناسبات معرض الكتاب وإهدائهم بعض الإصدارات.