هل تمر السنوات..

أم نحن الذين نمر؟

نتساءل أحيانًا عن أوقات وسنوات مضت، وكأنها أشياء كانت موجودة ثم عبرت من أمامنا واختفت. نقول: مرّت الأعوام، كبرنا، تغيّر كل شيء. لكن هل تمر السنوات فعلًا كما نتصور؟ أم أننا نحن الذين عبرنا خلالها، تاركين فيها أجزاءً منا، وحاملين معنا أجزاءً منها؟ وهل جميع الأوقات تمر؟ لا... بعض اللحظات، مهما ابتعدت في الزمن، تبقى قريبة بطريقة لا نفهمها. قبل أشهر، وجدت في درج قديم دفتر ملاحظات من زمن الجامعة. لم أكن أبحث عنه، ولم أكن أفكر فيه منذ سنوات. فتحته على صفحة عشوائية، فإذا بجملة كتبتها لنفسي في ليلة لا أتذكرها، عن خوف كنت أحمله يومها من مستقبل لم يأتِ بعد. قرأتها فابتسمت، لا لأن الخوف كان سخيفًا، بل لأنني أدركت أن الشخص الذي كتبها لم يعد موجودًا، وأن الخوف نفسه — الذي بدا وقتها كأنه سيلازمني إلى الأبد — قد مضى دون أن ألاحظ لحظة رحيله. هذه هي الحيرة: هل بقيت اللحظة عالقة فيّ، أم بقيت أنا عالقًا فيها؟ قد يكون الاثنان صحيحين. فثمة فرق بين أن تحمل الماضي وأن تعيش فيه. الأول جزء من طبيعتنا الإنسانية؛ نحمل خساراتنا وأفراحنا، والأشخاص الذين تركوا فينا أثرًا، وقراراتنا، والأشياء التي تمنينا لو حدثت بطريقة أخرى. لكن حمل شيء ما لا يعني أن نتوقف بسببه. والثاني — أن نعيش في الماضي — قد يمنعنا من الوصول إلى ما بعده. فما الذي يجعل بعض اللحظات تبقى بينما تمضي أخرى؟ قد لا يقرر الزمن ذلك، بل عمق الشعور. اللحظة التي لم نشعر بها كثيرًا تمر مهما طال الزمن، أما التي مست شيئًا عميقًا فينا فلا تنتهي تمامًا حين تنتهي؛ تتحول إلى ذكرى، ثم إلى أثر، ثم إلى جزء من الشخص الذي نصبحه. ولهذا، حين نعود إلى الماضي، لا نعود إليه كما كان، بل نعود إليه ونحن أشخاص آخرون. قد نزور مكانًا بعد سنوات فنجده كما هو، لكننا لا نجد أنفسنا التي كانت فيه. أعتقد أن النضج ليس في أن ننسى ما حدث، ولا في أن نجبر أنفسنا على القول إن كل شيء مر وانتهى، بل في أن نعرف كيف نحمل ما بقي عالقًا فينا ونمضي به، دون أن نسمح له بأن يحملنا هو إلى الخلف. فالسنوات تمضي فعلًا، لكن الإنسان لا يخرج منها كما دخلها. يعبر تجربة فتغيّر شيئًا فيه، ويعبر حبًا فيخرج منه بشيء لم يكن يملكه قبل أن يدخله، ويعبر ألمًا فيكتشف أنه لم يعد الشخص نفسه. نحن الذين نمر. نمر من الطفولة إلى الشباب، ومن الشباب إلى عمر آخر لا نعرف متى بدأ. نمر من أشخاص إلى آخرين، ومن أحلام إلى أحلام، ومن نسخ قديمة من أنفسنا إلى نسخ لم نكن نعرف أننا سنصبحها. لهذا لا ينبغي أن نطمح إلى أن يمر كل شيء. فبعض الأشياء تستحق أن تبقى: ضحكة أحببناها، ووجه أضاء لنا طريقًا، وذكرى جعلتنا نعرف أننا كنا سعداء يومًا. ونريد أيضًا أن نتعلم كيف نترك أشياء أخرى تمر: الألم الذي انتهى سببه، والخوف الذي لم يعد له مكان، والندم الذي لا يستطيع تغيير شيء. فليست الحكمة في أن نمحو آثار ما عشناه، بل في أن نعرف أي الآثار نحتفظ بها، وأيها نتركه خلفنا. ولعل السؤال الحقيقي ليس: كم سنة مرت؟ بل: كم مرة تغيرنا ونحن نعبرها؟ نحمل ما نستطيع، ونترك ما آن أوانه، ثم نمضي. السنوات تمر، نعم. لكننا نحن الذين نعبرها.