سطور منسية في تاريخ التشكيل السعودي.

 يستلهم الفنانون الأوائل للتعبير عن ذواتهم الفنية، من مصادر عديدة شأنهم شأن أي فنان في هذه الدنيا، لكنهم ملتزمون بالمحاذير والقيود والتقاليد والعادات والشريعة الإسلامية، فلم يصوروا «ذوات الأرواح» من الكائنات، تصويرا واقعيا كما تفعل آلة التصوير، بل بشعورهم الشخصي واحساسهم الفني، فجاءت الصور مسلبه، معبرة تنطق بالذوق السليم وتوحي بالخيال الخصب والجمال والإبداع، بأسلوب تجريدي او رمزي، واستمر هذا النهج الى وقتنا الحاضر، الذي يعكس ملامح الفن الإسلامي وسمات الفنون العربية، باستعارات الرموز والأشكال الفنية ومفرداتها، والحروف العربية والزخرفة الشعبية والنقوش البنائية والتشكيلات الهندسية، الى جانب تصوير المظاهر البيئية والتقاليد والعادات الاجتماعية والمشاعر الذاتية، والتي تعتبر احدى السمات في معطيات التشكيل السعودي المعاصر، ولكنه مهمل ومبعثر، في ظل غياب الاهتمام والطابع المنظم والتوثيق والإعلام، مما يجعل التجربة البصرية مفقود ولم يبق منها أثر، ولكن واصل البعض من الشغوفين ذلك، بالاتجاه الى فن الخط العربي والزخرفة والنقش او الأعمال التقليدية، والتي انصب أكثرها على التصاوير التزيينية والحرف الشعبية وزاولهم بعضهم كمهنة، واشتهروا بها وكانوا يطلقون على المبرزين منهم لقب (الأستاذ) بدليل أن هناك أسر لا زالت إلى وقتنا الحاضر، تحمل ألقاب المهن التي مارسها أجدادهم مثل (الرسام والنقاش والدهان والخطاط والصايغ والجوهرجي والنجار والمنقل والصباغ والحداد، والنحاس، والفخراني، والخوصي، والديواني، والخراز، والمهرجي، والكاتب)  وهذا دليل أن الفن موجود بالرغم من تعرضه للعثرات والكبوات، ولم يظهر فجأة، وتواصلت الممارسة الفنية، عندما قررت المدرسة الخيرية التحضيرية الهاشمية، وهي المدرسة الرحمانية الابتدائية (حاليا) في العام 1326ه، بإدراج مادة الرسم والزخرفة والخط العربي والأشغال اليدوية، ضمن مناهجها الدراسية، وتخصيص المعلمين الأفذاذ في مجالهم، وأقيم في العام ذاته، أول معرض تشكيلي لنماذج من رسومات التلاميذ واللوحات الخطية والأشغال اليدوية، بمشاركة إنتاج المعلمين الفنانين بالمدرسة، ولقي القبول والاستحسان من المجتمع، كأول حدث فني، تتوج به المدرسة قرارها بتدريس هذا الفن، وكان حصادا لما سبق من نشاط فني (فلا شجرة في الأرض دون بذرة) ولكن يلاحظ بعد البحث والتقصي وقراءة علمية فاحصة في العديد من الكتب والمصادر والمقالات المنشورة عن التشكيل السعودي، أنها تجاهلت ذكر هذه الأسطر المهمة، واكتفت بذكر بعضها كحاشية، لأن المعلومات السابقة في الكتب، اعتمدت من تولي وزارة المعارف مسؤولية التعليم بالمملكة في العام 1373ه، وإدراج مادة التربية الفنية في مدارس البنين، في العام 1376هـ، وإقامة أول معرض للأنشطة الطلابية عـلى مستوى المملكة، في العام 1378هـ، بمقر الوزارة بالرياض، افتتحه الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود، كبداية لنشأة الفن التشكيلي، وانتشرت وسادت هذه المعلومة بين المؤرخين واللاحقين، وتوارثتها الأجيال بهذا التاريخ، ونُقل عنهم هذه الرواية من بعدهم - ولم يتوقف عندها أحد - لأنه على ضوء ذلك، تم  تقسيمه وتحقيبه، وجعل كل فترة معزولة عما قبلها وما بعدها (وهذا غير صحيح إطلاقاً) وعلى إثرها تجاهلوا نصف قرن من تاريخ التشكيل السعودي، والذي تبنى تصحيحه كتاب (120 عاما من الإبداع التشكيلي السعودي) بالأدلة والبراهين، واضعا في الاعتبار، أن بداية التشكيل السعودي، في العام 1326ه، عندما قررت المدرسة الرحمانية الابتدائية بمكة، إدراج مادة التربية الفنية، ضمن مناهجها الدراسية، الذي يعتبر أقدم إشارة لظهوره، وتواصلت الأنشطة بعد تلك الفترة، أهمها (مشاركة الفنان محمد طاهر الكردي، الذي كان خطاطا ورساما، ومعلما بالمدرسة الرحمانية الابتدائية، بمعرض في  مكتبة الكونجرس الأمريكي باسم المملكة العربية السعودية في واشنطن، عام 1337ه، بأمر من  الملك عبدالعزيز آل سعود، كأول فنان سعودي يُعرض خارج المملكة، كما تجاهلت عروض الفنان محمد الزرقاني، في عام 1353ه في متجر والده في منطقة المسعى بجوار الحرم، والذي كان شبه جاليري، والمعرض الشخصي الأول للفنان محمد راسم الذي اقامه في جدة عام 1354ه، بعد تخرجه من معهد الفنون الجميلة في إستانبول، أي قبل ولادة الفنان عبدالحليم رضوي بخمس سنوات، وعروض الفنان حسن السنان عام 1372ه في محترف أخيه عبدالعلي السنان في القطيف) وتواصلت المسيرة بعد ذلك، بهمة الفنانين الأوائل، وحملوا الريشة حين لم يكن هناك اهتمام مجتمعي ولا دعم مؤسسي، بل كانوا وحدهم يزرعون البدايات في أرض لم تُمهد بعد، وقدموا إنتاجا راسخا، كان من العوامل الهامة على بلورة الشكل المعاصر للفن التشكيلي السعودي، وأسهم في خلق مجتمعات من الأفراد الميالين والموهوبين، ومهدت الطريق للأجيال اللّاحقة وما صاحبه من احباطات وتعقيدات ونجاحات بقيت آثارها الى الآن، وهذا دليل أن الفن التشكيلي موجود من مائة وعشرين عاما  في مجتمع أصيل، لأن المقومات السياسية والجغرافية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، من ثلاث قرون هي نفسها ولم يتغير شيء،